أعاد الإعلان عن مقتل سيف الإسلام معمر القذافي”نجل الزعيم الليبي الراحل “،في محيط مدينة الزنتان غربي البلاد، بعد تعرضه لكمين مسلح نفذته مجموعة مجهولة ، فتح واحدة من أكثر الملفات حساسية في المشهد الليبي، ليس فقط بوصفه حدثًا أمنيًا بالغ الخطورة، بل باعتباره تطورًا سياسيًا قد يغيّر موازين مرحلة كاملة كانت لا تزال تبحث عن مخرج من الانسداد المزمن.
وفي أول تحرك رسمي، أعلن مكتب النائب العام الليبي، الأربعاء، فتح تحقيق شامل في ملابسات مقتل سيف الإسلام القذافي، مؤكدًا تكليف فريق مختص بالانتقال إلى موقع الحادث، وإجراء المعاينة والضبط، وسماع الشهود، وندب خبراء في الطب الشرعي والأسلحة والبصمات.
وأوضح البيان أن مناظرة الجثمان أثبتت تعرض المجني عليه لأعيرة نارية أودت بحياته، وأن التحقيقات انطلقت لتحديد دائرة المشتبه في تورطهم واتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة لإقامة الدعوى العمومية ضدهم.
بيان النائب العام الليبي

صمت رسمي وتساؤلات مفتوحة
ورغم تحرك النيابة العامة، لا تزال وزارتا الداخلية والصحة، إلى جانب حكومة الوحدة الوطنية في طرابلس، تلتزم الصمت حيال الحادث، في وقت كانت البلاد تستعد خلال الأسابيع المقبلة لإطلاق حوار سياسي جامع، ما يفتح الباب أمام تساؤلات حول تداعيات الاغتيال على المسار السياسي الهش.
وكانت مصادر إعلامية قد أفادت باغتيال سيف الإسلام داخل منزله في مدينة الزنتان، بعد أن تمكن أربعة مسلحين من التسلل إلى مقر إقامته وتنفيذ العملية. وأكد عبد الله عثمان، المستشار السياسي لسيف الإسلام، وفاته في منشور مقتضب على فيسبوك، دون الكشف عن تفاصيل إضافية.
في المقابل، نفى اللواء 444، التشكيل العسكري التابع لحكومة الوحدة الوطنية، أي علاقة له بالحادثة، مؤكدًا في بيان رسمي عدم وجود أي انتشار أو نشاط ميداني له داخل مدينة الزنتان، وأنه غير معني بالاشتباكات التي شهدتها المدينة.
اغتيال السياسة قبل اغتيال شخص

تصفية سيف الإسلام القذافي، في نظر مراقبين، لا تعني فقط إنهاء حياة شخصية سياسية مثيرة للجدل، بل تمثل إغلاقًا قسريًا لمسار سياسي كان يمكن أن يُحسم عبر صناديق الاقتراع لا فوهات البنادق. فالرجل، رغم كل ما يحيط به من اتهامات وإرث ثقيل، ظل خيارًا سياسيًا حاضرًا لدى شريحة من الليبيين، سواء بدافع الحنين إلى الدولة المركزية أو البحث عن مخرج من الفوضى المستمرة.
وبين من اعتبره امتدادًا لنظام سقط بثورة شعبية عام 2011، ومن رآه فرصة لإعادة التوازن إلى دولة منقسمة، ظل سيف الإسلام اسمًا قادرًا على إثارة الجدل والانقسام، حتى وهو بعيد عن الواجهة لسنوات.
حلم ليبي ..يتبدد
كان اغتيال سيف الإسلام، بالنسبة لأنصاره، تبديدًا لحلم العودة إلى الاستقرار، وبالنسبة لخصومه، نهاية لمسار لم يكن مقبولًا لديهم سياسيًا وأخلاقيًا. غير أن الخسارة الأكبر، وفق محللين، تقع على عاتق الدولة الليبية نفسها، التي عجزت مرة أخرى عن إدارة صراع سياسي داخل أطر قانونية ومؤسساتية.
فحين تُغلق الأبواب أمام السياسة، ويُستبدل القضاء بالسلاح، يصبح كل مشروع وطني عرضة للتصفية، أيًا كان حامله أو شعاره.
مسيرة شائكة ونهاية مفتوحة

سيف الإسلام القذافي، المولود عام 1972، كان أبرز أبناء معمر القذافي وأكثرهم حضورًا في الشأن العام قبل 2011، ولعب أدوارًا مؤثرة في السياسات الداخلية والخارجية دون أن يتولى منصبًا رسميًا. وبعد سقوط النظام، احتُجز لسنوات في الزنتان قبل الإفراج عنه عام 2017، وظل مطلوبًا للقضاء الليبي والمحكمة الجنائية الدولية.
ومع عودته إلى المشهد عبر ترشحه للانتخابات الرئاسية عام 2021، عاد اسمه ليتصدر الجدل السياسي، قبل أن تتعثر العملية الانتخابية وتدخل البلاد مجددًا في نفق الجمود.
ومع تصفيته، تُطوى صفحة مثيرة للجدل من تاريخ ليبيا الحديث، لكن الأسئلة الكبرى تبقى معلقة: هل كانت هذه النهاية اغتيالًا لشخص أم اغتيالًا لخيار سياسي؟ وهل تستطيع الدولة الليبية، أخيرًا، كسر دائرة العنف وبناء مسار يُحتكم فيه إلى القانون لا الرصاص؟
