شريان جديد لتأمين السيادة المائية في الجنوب
مدير الري لولاية عين صالح عبد العزيز بن عثمان: رفع طاقة محطة نزع المعادن بعين صالح من 38 ألف إلى 100 ألف متر مكعب يوميًا لتزويد تمنراست بالمياه الصالحة للشرب.
الخبير في الموارد المائية صابر قوادري: المشروع خطوة استراتيجية لضمان تزويد الجنوب بالمياه ومواجهة النمو السكاني.
في سياق تنموي غير مسبوق، تتشكل في الأفق صورة واسعة عن الإستراتيجية التي اقرها رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون، المرتبطة أساسا بتحقيق الأمن الغدائي و المائي، و في خضم الانغماس في بناء محطات تحلية المياه بالشمال، تبرز تعليمات مجلس الوزراء بضرورة بناء محطات لتحلية المياه و تنقيتها من المعادن في ولايات الجنوب، ضمن سياسة تكامل مجالي، وتوزيع مدروس للمشاريع، تجعل من مجموع الجزائريين معنيين بذلك،خاصة و أن ولايات الجنوب الجزائري تعيش تحديات كبيرة، بسبب ندرة الموارد المائية وتزايد الطلب عليها نتيجة النمو السكاني والتوسع العمراني.
ومن أجل تحقيق تلك الأهداف، وتعزيز الأمن المائي وضمان تزويد منتظم ودائم لسكان تمنراست بالمياه الصالحة للشرب، اقر مجلس الوزراء الأخير، زيادة طاقة إنتاج محطة نزع الأملاح بولاية عين صالح، مع مراعاة النظرة الاستشرافية لمواجهة الطلب المتنامي على المياه في المستقبل.
ويأتي هذا المشروع كخطوة استراتيجية لتعزيز منظومة التحويلات الكبرى التي تنقل المياه من عين صالح إلى مدينة تمنراست، بما يضمن توفير تزويد مستمر ومستقر لسكان المنطقة وتحسين جودة الخدمة العمومية في هذا المجال الحيوي، ويؤكد المشروع حرص الدولة على استغلال الموارد المائية المتاحة بكفاءة، واعتماد التقنيات الحديثة في معالجة المياه ذات الملوحة المرتفعة لتصبح صالحة للشرب والاستخدام اليومي.
وفي سياق متابعة تنفيذ هذا المشروع الحيوي، قام وزير الري، طه دربال، بزيارة المحطة وأكد أن المحطة الجديدة تمثل خطوة مهمة في تنفيذ تعليمات رئيس الجمهورية لتعزيز تزويد سكان تمنراست بالمياه الصالحة للشرب، وتحسين نوعية المياه، وتأمين كميات إضافية من الموارد المائية، وقد جرى تنفيذ المشروع بواسطة شركات وطنية ذات خبرة عالية، مع الالتزام بكافة المعايير التقنية، بما يضمن فعالية الأداء واستدامة المشروع على المدى الطويل.
ويتوقع أن يشكل هذا المشروع إضافة نوعية لمنظومة التزويد بالمياه في الجنوب الجزائري، من خلال تقليص التذبذب في توزيع المياه وضمان استمرارية التزويد خلال فترات الذروة، ما يسهم في تعزيز الكفاءة التشغيلية للمنظومة المائية وتحسين الخدمات العمومية، إلى جانب دعمه لمسار التنمية المحلية ورفع جودة الخدمات المقدمة للمواطنين في المنطقة، كما يعكس هذا المشروع التزام السلطات العمومية بتبني حلول مبتكرة ومستدامة لمواجهة تحديات التغيرات المناخية وزيادة الطلب على المياه، بما يعزز الأمن المائي على المستوى الوطني.
مدير الري لولاية عين صالح، عبد العزيز بن عثمان: رفع طاقة محطة نزع المعادن بعين صالح من 38 ألف إلى 100 ألف متر مكعب يوميًا لتزويد تمنراست بالمياه الصالحة للشرب.
صرح مدير الري لولاية عين صالح، عبد العزيز بن عثمان، أن المشروع يهدف إلى زيادة طاقة إنتاج محطة نزع المعادن بمحطة التحويل الكبرى من عين صالح إلى تمنراست، بعد أن كانت المحطة تعمل بطاقة 38 ألف متر مكعب يوميًا.
وأضاف أن المحطة الجديدة ستدعم الإنتاج بمقدار 60 ألف متر مكعب يوميًا، ليصبح مجموع الطاقة الإنتاجية للمحطة 100 ألف متر مكعب يوميًا من المياه المصفاة والمحمّلة، ما سيتيح تحسين جودة المياه وتوفير تزويد أكثر استقرارًا لسكان تمنراست.وأكد أن المشروع تم إنجازه بواسطة شركات وطنية ذات خبرة عالية، مع الالتزام بكافة المعايير التقنية لضمان فعالية الأداء واستدامة المشروع.
وأشار مدير الري إلى أن هذا المشروع يمثل نموذجًا للتنسيق بين السلطات الوطنية والمحلية والشركات الوطنية، ويعكس حرص الدولة على الاستغلال الأمثل للموارد المائية وضمان استدامتها، وتوفير خدمات عالية الجودة لسكان الجنوب الجزائري.
الخبير في الموارد المائية الدكتور صابر قوادري لـ “الجنوب الكبير”: المشروع خطوة استراتيجية لضمان تزويد الجنوب بالمياه ومواجهة النمو السكاني.
أكد الخبير في الموارد المائية الدكتور صابر قوادريفي تصريح لـ “الجنوب الكبير”، أن رفع طاقة محطة نزع الأملاح من 38 ألف متر مكعب يوميًا إلى 60 ألف متر مكعب يُعد نقلة نوعية وليس مجرد توسعة عادية، ويمكن تقييمه من عدة زوايا، حيث أن الزيادة تُقارب 58% من الطاقة الإنتاجية الحالية، وهو رقم ذو دلالة كبيرة في منطقة تعاني شح المياه الجوفية، وأوضح أن الكمية الإضافية أي 22 ألف متر مكعب يوميًا قادرة على تغطية احتياجات عشرات الآلاف من السكان الإضافيين.
وصرح الدكتور بأن المشروع يُنوّع مصادر المياه ويُقلّص الاعتماد على حقول المياه التقليدية التي تعاني من الاستنزاف المفرط، كما أن التحلية أصبحت ركيزة أساسية في المنظومة المائية في ظل تغيرات المناخ وتصاعد الطلب، مضيفا أن زيادة الإنتاج تعني زيادة المياه المرفوضة الناتجة عن المعالجة، والتي تتميز بنسبة ملوحة مضاعفة، ولا تصلح للاستغلال الزراعي أو الصناعي، ولا يمكن رميها مباشرة في الطبيعة، وهو أمر يجب أخذه بعين الاعتبار لضمان استدامة المشروع بيئيًا.
وفي هذا السياق،يرى المتحدث أن التحلية توفر إنتاجًا مستمرًا وقابلًا للضبط والتحكم، مما يجعلها مصدرًا موثوقًا ومستقلاً عن التقلبات المناخية، وأن المياه المحلاة تخضع لمعالجات متعددة المراحل وفق معايير صارمة، مما يضمن إزالة الأملاح والمعادن الثقيلة والملوثات البيولوجية، وهي ميزة لا تضمنها دائمًا المياه التقليدية، وأن التحلية تحتاج طاقة كهربائية مرتفعة وصيانة مستمرة، ويبرز هنا أهمية ربطها بمصادر الطاقة المتجددة كالطاقة الشمسية لتخفيض التكلفة التشغيلية وجعل المشروع مستدامًا بيئيًا واقتصاديًا.
وأوضح قوادري أن رفع طاقة محطة نزع الأملاح إلى 60 ألف متر مكعب يوميًا، يمثل خطوة استراتيجية هامة لمواجهة النمو السكاني في المناطق الصحراوية، لكنه شدد على أن نجاح المشروع طويل المدى يتطلب مجموعة من الشروط، مشيرا إلى أن المشروع يوفر هامشًا مريحًا خلال السنوات العشر إلى الخمس عشرة القادمة، شرط أن يواكب إدارة رشيدة للطلب على المياه.
ويرىالمتحدث أن النمو السكاني في الجنوب الجزائري ليس خطيًا، إذ يتأثر بالهجرة الداخلية والخارجية، ما يجعل محطة نزع الأملاح جزءًا من منظومة متكاملة تشمل ترشيد الاستهلاك وإعادة تدوير المياه المستعملة وتطوير محطات موازية في تجمعات سكانية أخرى،وأن المشروع يخفف الضغط على الطبقات المائية الجوفية غير المتجددة، مع ضرورة الحذر من المياه المطروحة ذات الملوحة العالية، كما يساهم في توفير مياه آمنة تقلل الأمراض المرتبطة بها، وتعزز الاستقرار السكاني في الجنوب، ما يؤدي إلى توزيع أكثر توازنًا للسكان على مستوىولايات الوطن، وهو هدف تنموي بالغ الأهمية.
وفي حديثه عن نجاح المشروع على المدى الطويل، صرح صابر قوادري أن هذا يستلزم أربعة محاور رئيسية، تبدأ بالاستدامة التقنية من خلال برنامج صيانة وقائية منتظم وتكوين كفاءات وطنية في مجال التحلية، مرورًا بالاستدامة الطاقوية عبر ربط المحطة تدريجيًا بالطاقة الشمسية لتقليل تكلفة التشغيل، والاستدامة المالية عبر اعتماد نموذج اقتصادي واضح يوازن بين الدعم الحكومي وتكلفة الاسترداد، وصولًا إلى الاستدامة التشغيلية والحوكمة من خلال إنشاء نظام رقابة وقياس أداء مستمر مع إشراك المجتمعات المحلية لضمان إدارة يومية فعالة،مؤكدا أن هذه الخطوة تنقل التفكير المائي في الجنوب من منطق الاستجابة للأزمة إلى التخطيط الاستباقي، مشددًا على أهمية المشروع كجزء من استراتيجية وطنية لتأمين المياه على المدى الطويل.
إذن، يُمكن اعتبار مشروع محطة نزع الأملاح بولاية عين صالح خطوة استراتيجية لتعزيز تأمين المياه الصالحة للشرب في الجنوب الجزائري، بما يواكب النمو السكاني المستقبلي ويضمن استقرار الخدمات الحيوية للمواطنين في مناطق صحراوية تحدّها ندرة المياه وظروف مناخية قاسية. ويؤكد الخبراء أن نجاح المشروع يعتمد على الاستدامة التقنية والطاقوية والمالية والتشغيلية، من خلال صيانة دورية، تكوين كفاءات وطنية، ربط تدريجي بالطاقة الشمسية، اعتماد نموذج اقتصادي واضح، وإنشاء نظام رقابة وإشراك المجتمعات المحلية. كما يساهم المشروع في تقليل الضغط على الطبقات المائية الجوفية غير المتجددة، ويحد من الأمراض المرتبطة بالمياه، ويعزز الاستقرار السكاني، بما يضمن توزيعًا أكثر توازنًا للسكان ويدعم مسار التنمية المستدامة بالمنطقة والوطن ككل.
إن مشروع رفع قدرات محطة نزع الأملاح بعين صالح،ليس مجرد استجابة تقنية لحاجة متزايدة للمياه،بقدر ما هو تجسيد لالتزام الرئيس عبد المجيد تبون، في سياق رؤية شاملة للدولة والتزامها بجعل “الأمن المائي ” حجر الزاوية في معركة التنمية المستدامة.عبر مزاوجة ذكية بين الاستثمارات الضخمة و الابتكار التكنولوجي، وهو رهان يؤكد قدرة الجزائر على تذليل العقبات و التحديات المناخية الأكثر تعقيدا، بما يضمن للمواطن في الجنوب، كما في الشمال الحق في الحصول على مياه نوعية و مستقرة .

