نزهة التماسيني – تقــرت | مراسلو الجنوب الكبير
احتضنت مدينة تماسين يومي 14 و15 نوفمبر الجاري فعاليات الطبعة الثالثة من تظاهرة “لالة مانة” التراثية، التي نظمتها جمعية أولاد الحاج أحمد وجمعية أحرار لالة مانة للفروسية والبارود، في احتفالية جمعت بين عبق التاريخ وأصالة الموروث المحلي.
وانطلقت التظاهرة من رحاب الزاوية التجانية بتماسين، حيث استقبل الشيخ الدكتور سيدي محمد العيد التجاني التماسيني الفرق المشاركة، وبارك انطلاق الحدث بكلمة شكر وثناء للحضور والمساهمين في إحياء هذا الموروث العريق. وأكد الشيخ في كلمته على أهمية المحافظة على تراث الأجداد وصونه، مشددًا على ضرورة نقله للأجيال الصاعدة باعتباره ركيزة من ركائز الهوية الثقافية والدينية للمنطقة، ومن ثم تم استلام الراية وافتتاح التظاهرة.
روحانية اليوم الثاني.. ختمات للقرآن واستحضار سيرة الرجال الصالحين
في اليوم الثاني من التظاهرة، سادت أجواء روحانية خاشعة، حيث رُفعت ختمات من القرآن الكريم على أرواح من غادروا الدنيا من الأهل والأحباب، وعلى نية الحاضرين والغائبين، وكل من كان سببًا في هذا اللقاء المبارك. وجرى تخصيص الجلسة لروح سيدي الحاج علي التماسيني، صاحب الأمانة، ولسيدي بالمشري السائحي، مع تقديم كلمات تعريفية حول حادثة الأمانة وما تجسّده من قيم الوفاء والصدق وحفظ العهد، باعتبارها نبراسًا تربويًا وأخلاقيًا تستلهم منه الأجيال معاني الإخلاص والثبات.
المحطة الرابعة.. لوحات فروسية تؤكد عراقة الموروث
وفي محطة أخرى لا تقل ألقًا، تواصلت فعاليات “لالة مانة” على مضمار الخيل بالزاوية التجانية، حيث قدّمت عدة فرق من تماسين ومن خارجها عروضًا مبهرة من الفروسية والفنطازية. وأبدعت الفرق المشاركة في رسم لوحات تراثية متناغمة، عبّرت عن المكانة المتميزة للفرس في الثقافة المحلية، وعن عمق ارتباط أهل المنطقة بهذا الفن الذي تناقلته الأجيال عبر الزمن. كما شكل هذا الحدث فرصة ثمينة لتعزيز روابط الأخوة وتقوية صلة محبي الفروسية بعضهم ببعض، إلى جانب إبراز الدور المهم للجمعيات المحلية في صون التراث والمحافظة عليه.
وأوضح الباحث في التاريخ المحلي ومحافظ التظاهرة عبد الباسط قادير أن تظاهرة “لالة مانة” ليست مجرد احتفال تراثي، بل رسالة نوجّهها للأجيال القادمة لنقول لهم إن هويتنا ما زالت حيّة. وأضاف: “عملنا هذا العام على تنظيم طبعة أكثر ثراءً، تجمع بين الروحانية والفروسية والعادات الأصيلة، ونفخر بأن أبناء تماسين ومن خارجها شاركونا هذا الحب للتراث. هدفنا أن تستمر هذه التظاهرة وتكبر، لأنها جزء من ذاكرتنا الجماعية ومن واجبنا الحفاظ عليها”.
تعكس تظاهرة “لالة مانة” في طبعتها الثالثة صورة حية للعلاقة المتينة بين المجتمع المحلي وتراثه الروحي والثقافي. فهي ليست مجرد عروض فروسية أو تجمعات احتفالية، بل فضاء لإحياء الذاكرة الجماعية وإعادة ربط الأجيال بجذورهم، وتبرز قدرة المجتمع المدني على لعب دور محوري في حماية الموروث حين يتكامل مع المؤسسات الروحية والثقافية، مما يمنح المنطقة نموذجًا ناجحًا في صون الهوية وتعزيز الانتماء.
