من عمق الذاكرة، وتحديدًا بين تضاريس شمال إفريقيا وصحرائها الكبرى، تنبعث من النقوش الصخرية والوثائق القديمة أبجدية تُدعى تيفيناغ، حاملةً بين حروفها نبض لغة الأمازيغ وروح ثقافتهم الممتدة عبر الزمن.
تيفيناغ ليست مجرد نظام كتابي، بل هي رمز لهويةٍ ثقافيةٍ متجذّرة، تمكّن الأمازيغ من الحفاظ على لغتهم في وجه التحولات الحضارية والسياسية التي شهدتها المنطقة منذ عصور ما قبل الميلاد. فهذه الأبجدية، التي يعود أقدم توثيق مكتوب لها إلى القرن الأول قبل الميلاد، استخدمت لتدوين الشعائر والطقوس الدينية، والتعبير عن المشاعر والرسائل الغرامية، كما تشهد على ذلك النقوش المنتشرة في الصحراء الكبرى وشمال إفريقيا.
جذور لغوية وأبعاد حضارية
يُرجّح أن أصل تيفيناغ يعود إلى اللغة الليبية ذات الجذور الفينيقية، والتي انتشرت في المنطقة خلال الحقبة الإغريقية، قبل أن تتخذ الأبجدية شكلها المعروف اليوم قبل أقل من خمسة قرون. وتنقسم تيفيناغ إلى فرعين: غربي وشرقي، حيث استطاعت الدراسات اللغوية تفكيك رموز النسخة الشرقية التي انتشرت في وسط وشرق الجزائر وتونس وليبيا، بينما لا تزال النسخة الغربية، التي كانت شائعة في وهران والمغرب الأقصى، غامضة نسبيًا.
وفي حين ظل الطوارق -الذين يعيشون في عزلة نسبية بالصحراء الكبرى– الحاضن الطبيعي لهذه الأبجدية طيلة قرون، فإن جهود الإحياء المعاصرة انطلقت من مثقفين جزائريين في المهجر، تحديدًا سنة 1966، بتأسيسهم “الأكاديمية الأمازيغية” في باريس. تكللت هذه الجهود لاحقًا باعتراف رسمي بحرف تيفيناغ لكتابة اللغة الأمازيغية في الجزائر خلال ثمانينيات القرن العشرين، ثم في المغرب سنة 2005 مع تأسيس المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية.
أداة ثقافية وهوية جامعة
تيفيناغ اليوم تُدرّس في بعض المدارس والجامعات، وتُستخدم في الصحافة والإعلام الأمازيغي، وتُعرض في المهرجانات الثقافية والفعاليات الفنية، كوسيلة لتعزيز الوعي الثقافي واللغوي. فهي ليست فقط أداة للتواصل، بل منصة رمزية تستعيد من خلالها الشعوب الأمازيغية حضورها التاريخي في مشهد تنوع الهويات.
وبالرغم من هذا الزخم، لا تزال تيفيناغ تواجه تحديات حقيقية، أبرزها نقص الموارد التعليمية، وتهميشها في بعض المناطق غير الناطقة بالأمازيغية، إضافة إلى هيمنة اللغات الأجنبية في الإعلام والإدارة. كما أن شيوع الثقافة الشفاهية في المجتمعات الأمازيغية، وخصوصًا الطارقية منها، أدى إلى حصر استخدام الحرف في نطاق محدود، ظل قائمًا حتى سبعينيات القرن الماضي.
من التهميش إلى الإحياء
لكن في مقابل ذلك، تُبذل جهود متواصلة للحفاظ على هذا الموروث الحيّ. فمن خلال الأبحاث الأكاديمية، والمبادرات التربوية، والبرامج الإعلامية، بدأت أبجدية تيفيناغ تستعيد حضورها، وترسّخ مكانتها كحرف رسمي معترف به، يُسهم في صون الذاكرة الجماعية للأمازيغ، ويعبّر عن خصوصيتهم الثقافية والتاريخية.
وفي هذا السياق يؤكد محمد بوضياف أحد مؤطري أول دورة تعليمية للتيفيناغ بجانت في كلمة سابقة له أنها خطورة نحو تعزيز الوعي والانتماء، ودعا إلى استمرار مبادرة تعليمها والحفاظ عليها من الاندثار.
ختاما: حروف تتكلم التاريخ
ليست تيفيناغ مجرد رموز لغوية، بل مرآة حضارية لشعب قاوم النسيان، وسعى لتوثيق ذاته بأحرف وُلدت من رحم الأرض، وشهدت تحولات الأزمنة، وبقيت راسخة في الوعي الجمعي. وبين ما ضاع وما أُعيد اكتشافه، تواصل تيفيناغ اليوم مسيرتها، رمزًا لهويةٍ لا تندثر، وحلقة وصل بين الماضي العريق والحاضر المتجدد.
مديحة زيزاي
