أخيراً… مهرجانٌ سينمائيٌّ دوليٌّ في عمقِ الصحراء… وفي أقاصي جنوبِنا الجزائري… وبالتحديد في تيميمون عاصمةِ إقليمِ تيقورارين… عروضٌ سينمائية… ضيوفٌ ونجوم… وسجادةٌ حمراء… في الواحةِ الحمراء…
أُسدل الستارُ على فعالياتِ المهرجانِ الدوليِّ للفيلمِ القصير بولايةِ تيميمون بعد ستةِ أيامٍ اتشحت فيها المدينةُ الهادئةُ بالجمالِ والبهاءِ، وتحوَّل فضاؤها الشاسعُ إلى شاشاتٍ تنبضُ بالصورةِ والبهجةِ، وقد كانت الأصداءُ من هنالك إيجابيةً جداً يميزها الإتقانُ والإبهار.
مدينةٌ صحراويةٌ.. وطبيعةٌ ساحرة
تقع مدينةُ تيميمون في الجنوبِ الجزائريِّ فيما يُعرَف بإقليمِ قورارة المحاذي لإقليمِ توات عاصمةِ ولايةِ أدرار المجاورة لها، بين العرقِ الغربيِّ الكبير وهضبةِ تادمايت. تُعرف أيضاً بتسميةِ الواحةِ الحمراء، إيماءً إلى قصورها التي تتخللها البناياتُ بالطوبِ الأحمر، على غرارِ سائرِ المدنِ الصحراوية في جنوبِنا الكبير، كقصرِ ماسين، بدريان وبني مهلال. تتميّز أيضاً بتراثها الثقافيِّ الغنيِّ والمتنوع، فلا نستطيعُ الحديثَ عن المنطقة دون ذكرِ فنِّ الأهليل الذي أصبح سمةً بارزةً تَسِمُها، وماركةً مسجَّلةً باسمها. وهو فنٌّ شعريٌّ غنائيٌّ يؤدَّى في المناسباتِ الاجتماعيةِ والدينية، مضامينُ أغلبِ قصائدِه في مدحِ المصطفى صلى الله عليه وسلم وعلماءِ المنطقة وصُلحائِها بحمولةٍ صوفية، بمزيجٍ لسانيٍّ ما بين العربي والأمازيغي الزناتي. يتميّز بأداءٍ جماعيٍّ يتضمن حلقةً من الرجال يتقدمهم أحدُ الشيوخ “المنشد الرئيسي”، أو من يُطلق عليه “الأبشنيو”. وقد صنَّفت اليونسكو تراثَ الأهليل ضمن قائمةِ التراثِ الإنسانيِّ اللامادي سنة 2005.
تشتهر أيضاً بثرائها في مجالِ الحِرَفِ والصناعاتِ التقليدية، كصناعةِ النسيج والزرابي التقليدية والسلال والحُليِّ والفضة. كما تعتبر مورداً أصيلاً ومصدراً ثابتاً لحفظةِ القرآن الكريم عبر التراب الوطني، شأنها شأنُ الولاياتِ المجاورة لها، بفضل مدارسِها القرآنية المنتشرة عبر ربوعها، وبفضل حفاظِها على الموروثِ البيداغوجي الديداكتيكي المتمثل في قراءةِ القرآن بصيغةٍ جماعية، أو ما يُطلق عليه محلياً بمصطلح “السلكة” التي تساعد على الحفظِ والترسيخ.
لطالما حازت الواحةُ الحمراء إذاً مقوماتٍ تجعلُها مدينةً ثقافيةً، فنيةً وسياحيةً بامتياز، بدايةً من طبيعتِها الصحراوية الهادئة، وواحاتِها وقصورِها العتيقةِ بهندستها المعماريةِ المتفردة، وتنوعِها الثقافي واللساني، وكرمِ الضيافةِ والترحيبِ عند ساكنتها، مما يجعل من تأثيثِها ثقافياً ضرورةً بالغةً، سواءً من ناحيةِ الهياكلِ والصروحِ، أو من ناحيةِ تكثيفِ البرامجِ الجادة التي تسهمُ في حركيةِ وتنشيطِ الفعلِ الثقافي بها.
مهرجانٌ سينمائيٌّ في الصحراء… برامجُ ثرية… أسماءٌ وازنة.. تطلعاتٌ واهتمامات
المهرجانُ الدوليُّ للفيلمِ القصير بتيميمون ينقلُ السينما ونشاطاتِها وتظاهراتِها من مركزيةِ المدنِ الشمالية إلى أعماقِ الجنوب، ليفتتح بذلك بوابةً نحو الامتدادِ الإفريقي. وما حضورُ الدول الإفريقية فيه ومنها السنغال كضيفِ شرفٍ إلا تعزيزٌ وتأكيدٌ لذلك.
وما يميّزه أيضاً اهتمامُه بالأفلامِ القصيرة، التي تجذبُ فئةَ المبدعين الشباب وتثير اهتماماتهم أكثر بسبب قلةِ التكاليفِ فيها مقارنةً بالأفلامِ الروائيةِ الطويلة. كما يهدفُ إلى إضافةِ تظاهرةٍ سنويةٍ راسخةٍ في الموروثِ الثقافي للمنطقة، فيفتح المجالَ بذلك أمام المبدعين الشباب لإبرازِ أعمالهم وتشجيعِهم على خوضِ التجربةِ السينمائية. كما تكمن أهميتُه أيضاً في تعزيزِ التبادلِ الفني وبناءِ جسورٍ ثقافيةٍ بين صناعِ السينما، مع الحثِّ والتشجيعِ على الإنتاجاتِ المشتركة بين الصنّاع الجزائريين ونظرائهم من الأفارقة والدوليين.
شارك في المهرجان مجموعُ 61 فيلماً قصيراً من 31 دولة، انقسمت إلى ثلاثِ فئاتٍ تنوعت ما بين الأفلامِ الروائيةِ القصيرة والأفلامِ الوثائقيةِ القصيرة والأفلامِ الوطنية. وقد احتضنت هذه الدورةُ السينما الإفريقية، باعتبار السنغال ضيفَ شرفٍ لهذه الطبعة. ترأس لجنةَ تحكيمِ مسابقةِ الأفلامِ الروائيةِ القصيرة المخرجُ الكونغولي ديدو حمادي، الذي اشتهر بأفلامه التي وصلت إلى مهرجانِ كان، من بينها en route pour le milliard، وكان معه في عضويةِ اللجنة كلٌّ من الإيطالية جيوزي بويمي، المديرة الفنية لمهرجانِ السينما الإفريقية في فيرونا والمتخصصة في سينما ما بعد الاستقلال في الجزائر، والمنتج والممثل الجزائري سفيان زرماني. واكتملت تركيبةُ اللجنة بعضويةِ المنتجة السينغالية أومو دياغان نياغ.
في حين كانت رئاسة لجنةِ تحكيمِ الأفلام الوثائقية القصيرة للمخرجِ والمنتج التونسي أمين بوخريص، صاحبِ فيلم “مراسل الحرب” الذي عُرض في أكثرَ من 70 مهرجاناً دولياً، وفاز بجوائز عديدة. رافقته في عضويةِ اللجنة المصريةُ جيهان الطاهري، إحدى أبرز الأسماء في السينما الوثائقية العربية والإفريقية وعضو أكاديمية الأوسكار منذ سنة 2017 وصاحبةُ أفلامٍ بارزةٍ عن التاريخِ والسياسةِ والذاكرة. وضمت اللجنة أيضاً الصحفيةَ والمخرجةَ السينغالية مام ووري ثيوبو، المهتمةَ بقضايا الفئات الهشة وإدماج ذوي الاحتياجات الخاصة، ومؤسسةَ شركة “سوبالو ميديا غروب”. وكان المخرجُ الجزائري محمد لطرش عضواً في اللجنة ذاتِها أيضاً، وهو مؤسس “صورة فيلمز” وصاحبُ أفلامٍ وثائقية حول الذاكرةِ والشخصياتِ التاريخية، من بينها “في البحث عن الأمير عبد القادر”. وضمت لجنةُ تحكيمِ فئةِ الأفلامِ الجزائرية كلاً من الممثلةِ مينة لشطر، والمنتجِ والمخرجِ مؤنس خمار.
وبالنظر إلى الأسماءِ التي حوتها لجانُ التحكيم في الفئات الثلاث، نرى أنها تضمنت خبرةً واسعةً ورؤىً متعددةً ومتنوعة، مما يهب المسابقاتِ مصداقيةً فنيةً قويةً، ومعاييرَ دقيقةً، وحسّاً نقدياً عالياً في تقييم الأعمالِ المشاركة.
تأثيثٌ ثقافي.. جدوى فنية… ومكاسبُ أخرى…
تنظيم مثل هذه التظاهرات الكبرى في مناطق مختلفةٍ من الوطن لا يكون فقط من أجل الترفيه وتبرير صرفِ الميزانيات المخصصة لها، بل يُعوَّل عليه في خلق ديناميكيةٍ ثقافيةٍ وفنية، وفي المساهمة في الترويج للسياحة ودعم الاقتصاد الوطني، في انصهارٍ متكاملٍ بين هذه العوامل جميعها. وقد كان الأمر كذلك بالواحة الحمراء في عرسها السينمائي، بالنظر إلى الأنشطة التي تخللته، والبرامج التي تنوعت فيه، ما بين عروضٍ سينمائية في قاعاتٍ وفضاءاتٍ مختلفة، وورشاتٍ تكوينية في المجال السينمائي، ودروسٍ متقدمة “ماستر كلاس”، وملتقى علمي، وتنظيم زياراتٍ سياحية للضيوف المشاركين.
بفضل هذه الطبعة الأولى وما حققته من مخرجاتٍ إيجابيةٍ ونجاحاتٍ جلية، نستطيع القول إن هذه المدينة ليست فضاءً جاذباً للسياحةِ الصحراوية فحسب، بل بإمكانها أن تكون مركزاً للصناعة السينمائية في جنوبنا الكبير. فالواحة التي طالما أسرت زوارها بجمالها الساحر وبريقها الأخاذ أصبحت اليوم فضاءً فنياً سينمائياً يستقطب صناعَ الأفلام ونجومَ الفن السابع من مختلف أنحاء العالم. لقد أثبتت تيميمون أنها ساحةٌ للإبداع، ومصدَرٌ لنشرِ الثقافةِ والفنون، وأن باستطاعتها احتضانَ التظاهرات والفعاليات الكبرى، وإخراجَها في صورةٍ متكاملةٍ من الجمالِ والبهاءِ، بما يعكس أصالةَ المنطقة وعمقها الحضاري.

