لم يكن مقطع «جانت بين الجبال وردة فتاحة»مجرد مطلع لأغنية، بل تحولت مع مرور السنوات إلى صورة فنية تختزل مدينة جانت، وتستحضر جبالها وواحاتها وسحر طبيعتها، بصوت واحد من أبرز أبنائها الذين جعلوا من الأغنية جسرا بين جمال المكان وروح الإنسان.
ورغم مرور أكثر من عقدين على رحيل صاحبها، الفنان الكبير عثمان بالي، لا تزال هذه الأغنية حاضرة في ذاكرة أبناء جانت والجزائريين، وكأن صوت صاحبها ما زال يتردد بين جبال المدينة، يصفها كما أحبها وعاش تفاصيلها.
لم يكن عثمان بالي مجرد مؤدٍ للأغنية التارقية، بل كان أحد الذين حملوا موسيقى جانت إلى خارج حدود الصحراء، وقدمها للجمهور الجزائري والعالمي بروح جديدة حافظت على أصالتها، وجمعت بين إيقاعات التيندي والتراث التارقي والنفحات الموسيقية الحديثة.
وفي «جانت بين الجبال وردة فتاحة»، تبدو المدينة وكأنها شخصية حاضرة في الأغنية؛ ليست مجرد مكان يوصف، بل موطن وذاكرة وحب وانتماء. فقد استطاع عثمان بالي أن يحول جانت إلى صورة موسيقية، كلما استمع إليها المرء استحضر جبالها الشامخة وهدوء وديانها ودفء أهلها، وكأن الأغنية رحلة قصيرة إلى قلب المدينة.

واللافت أن الأغنية لم تفقد قيمتها رغم رحيل صاحبها، بل ربما ازدادت ارتباطاً به وبجانت مع مرور الزمن. فالفنان رحل، لكن صوته بقي، والأغنية بقيت، وجانت التي تغنى بها ظلت شاهدة على ذلك الصوت الذي خرج من عمق الصحراء ووصل إلى مسارح العالم.
كان عثمان بالي، واسمه الحقيقي مبارك عثماني، من مواليد جانت سنة 1953، ونشأ في بيئة موسيقية وشعرية، قبل أن يصبح واحداً من أبرز رموز الأغنية التارقية. وقد تميز بصوته الدافئ وعزفه على العود، وبقدرته على تطوير موسيقى التيندي وإدخال إيقاعات وأساليب موسيقية حديثة عليها، دون أن يفقدها هويتها الصحراوية.

وبأغانيه، لم يكن بالي يغني لجانت فقط، بل كان يحملها معه أينما ذهب. ومن خلال مشاركاته الفنية في الجزائر وخارجها، أصبحت جانت بالنسبة إلى كثيرين صورة مرتبطة بصوته وموسيقاه، وأصبح عثمان بالي بدوره جزءاً من ذاكرة المدينة.
رحل الفنان في يونيو 2005، بعد أن جرفه فيضان أحد أودية جانت، لكن الموت لم يستطع أن يأخذ صوته من ذاكرة الناس. فما تركه من أغانٍ ظل حياً، وفي مقدمتها «جانت بين الجبال وردة فتاحة»، التي لا تزال حتى اليوم تصف المدينة كما لو أن صاحبها يقف أمام جبالها ويغني لها.
ولعل أجمل ما في هذه الأغنية أنها لم تعد ملكاً لزمن عثمان بالي وحده؛ فقد أصبحت جزءاً من ذاكرة جانت نفسها. كلما عادت كلماتها إلى الأسماع، عاد معها الفنان الراحل، وعادت جانت التي أحبها، وعاد زمن كانت فيه الأغنية قادرة على أن تحفظ مكاناً وإنساناً وذاكرة كاملة.

