في وقت أضحت فيه التغيرات البيئية تتسارع بشكل ملحوظ، والتنوع البيولوجي بات مهددا بالاندثار أكثر من أي زمن مضى، يبرز إلى الساحة مصورون جعلوا من عدساتهم وسيلة لحماية ما تبقى من جمال الطبيعة. وسخروا كاميراتهم سلاحا في وجه كل من يريد لهذا التنوع أن يزول عبر توثيق ما استطاعوا من طيور وحيوانات لاستمرار الذاكرة البرية، والحفاظ عليها من النسيان والانقراض. ومن بين هؤلاء يسطع اسم جمال حاج عيسى، المصور الجزائري الذي حوّل شغفه المبكر بالكاميرا إلى رسالة بيئية، فاختار أن يكون شاهدًا على تفاصيل الحياة البرية وحارسًا لها من خلال الصورة.
بدايات مغلفة بالشغف والاهتمام:
وُلد شغف المصور الجزائري جمال حاج عيسى مبكرًا، حين تلقى كاميرا كهدية من مصور بلجيكي سنة 1990 وهو في سن المراهقة. تلك اللحظة كانت الشرارة الأولى لمسيرة طويلة بدأها مصورًا صحفيًا في تسعينيات القرن الماضي، قبل أن يتجه لاحقًا نحو عالم التصوير الفوتوغرافي للحياة البرية، الذي وجد فيه رسالته الحقيقية.
عام 2015 شكّل نقطة تحول في مساره، إذ قرر التفرغ أكثر لتوثيق الكائنات في بيئتها الطبيعية، بتشجيع من أحد أصدقائه المهتمين بالطيور. ومنذ ذلك الحين، باتت عدسته أداة للتوعية والحفاظ على التنوع البيولوجي، مؤكدًا أن الصورة قادرة على حماية ما قد يندثر من موروث طبيعي.
شغف مقترن بالمعرفة والصبر:
يصر حاج عيسى على أن دراسة سلوك الحيوان قبل الاقتراب منه شرط أساسي يضمن سلامة الطرفين. وهو يرفض بشكل قاطع إزعاج الكائنات من أجل لقطة عابرة، حتى وإن ضاعت عليه فرصة نادرة، إذ يعتبر أن المصور الحقيقي يترك أثر صورة لا أثر أذى.
ولعل أبرز لحظة طبعت مسيرته كانت عندما التقط صورة لثعبان الكوبرا وهو يرفع رأسه أمام عدسته على بعد مترين فقط. يروي عن تلك التجربة قائلاً: “شعرت بمزيج من الخوف والرهبة، لكنها كانت لحظة ثقة بيني وبينه.”
بصمة في توثيق الحياة البرية:
بصفته نائب رئيس الجمعية الجزائرية لتوثيق الحياة البرية، أسهم حاج عيسى مع زملائه في إضافة أنواع جديدة من الطيور إلى قائمة الطيور المسجلة بالجزائر. جاب مناطق الجنوب الكبير مثل تمنراست، عين قزام، برج باجي مختار، تيمياوين وتين زواتين، حيث وثّق أنواعًا من الطيور والثدييات التي لم تكن مدرجة سابقًا.
جوائز تقدير لمسيرة مميزة:
نال المصور عدة تتويجات، أبرزها: الجائزة الأولى وطنيًا في التصوير الفني. وكذلك الجائزة الثانية وطنيًا في التصوير الصحفي. على غرار الجائزة الأولى للجزائر في مسابقة “كانون” للشرق الأوسط.
هذه المحطات رسخت مكانته كأحد أبرز الأسماء الجزائرية في مجال تصوير الحياة البرية.
رسالة ضد الصيد الجائر:
من موقعه كمصور وميداني عايش الطبيعة عن قرب، يوجّه حاج عيسى نصائح واضحة للحد من الصيد الجائر: أولها احترام فترات منع الصيد التي تتزامن مع مواسم تكاثر الحيوانات. وكذلك عدم صيد الأنواع المهددة بالانقراض. وضرورة تجنّب قتل الإناث الحوامل أو التي ترافق صغارها. على غرار الابتعاد عن وسائل الصيد المحرّمة مثل الشباك الكبيرة والسموم والفخاخ الجماعية.
نصيحة للمصورين الشباب:
يرى حاج عيسى أن الكاميرا ليست سوى أداة، أما سر النجاح فيكمن في الشغف والمعرفة العميقة بالحيوان وبيئته، إضافة إلى الصبر الطويل وانتظار اللحظة المناسبة، مهما كلف الأمر من مشقة.
ويختم بالقول: “أصعب ما أواجهه هو الصبر في ظروف مناخية وأمنية صعبة لالتقاط لحظة نادرة دون إزعاج الكائنات. كلمتي الأخيرة: احموا الطبيعة، فهي إرث لا يُقدَّر بثمن، وما نصوره اليوم قد لا يتكرر غدًا.”
بين الصحارى الممتدة والجبال المنيعة، والسهوب الخضراء، والبحار الزاهية، يواصل جمال حاج عيسى رحلته مع الكاميرا، مؤمناً أن الصورة أحياناً أبلغ من كل خطاب. فمشاهد الطيور النادرة والزواحف والبرية التي يوثقها ليست مجرد لقطات فنية، بل شهادات على موروث طبيعي ثمين قد لا يتكرر غداً. ويصر بأن المصور الحقيقي يترك خلفه أثر صورة، لا أثر أذى، ليذكّرنا بأن حماية الطبيعة مسؤولية مشتركة، وأن كل لقطة هي دعوة مفتوحة لصون إرث لا يُقدَّر بثمن.




