حين اشتعلت جيجل، لم تكن النار تلتهم الأشجار وحدها، ولم يكن الدخان يصعد من الغابات وحدها، بل كان يصعد من ذاكرة وطن كامل. كانت النيران وهي تمتد بين الجبال والأحراش تبدو كأنها تحاول أن تمحو شيئًا من جمال الجزائر، كأنها تريد أن تضع يدها السوداء على واحدة من أكثر صفحات الوطن خضرةً وفتنةً، وأن تقول للبحر والجبال والغابات إن زمن الأخضر قد انتهى. لكن النار، مهما كانت شرسة، لا تعرف شيئًا عن ذاكرة الشعوب، ولا تفهم أن بعض المدن لا تحترق وحدها، لأن وراءها وطنًا كاملًا ينهض حين تصرخ واحدة من مدنه. جيجل لم تكن وحدها في محنتها. منذ اللحظة الأولى التي اشتعلت فيها النيران، كان الجزائريون في مختلف ربوع الوطن يشعرون أن شيئًا من بيتهم يحترق. في الشرق والغرب، في الشمال والجنوب، في المدن والقرى والمداشر، كانت القلوب تتجه نحو جيجل. لم يعد الأمر حريقًا محليًا، بل تحول إلى امتحان جديد لمعنى التضامن الجزائري.
وكما يحدث في كل مرة تضيق فيها الحياة على الجزائريين، خرجت من تحت الرماد أخلاقٌ لا تستطيع الحرائق أن تحرقها: أخلاق النجدة، والوقوف إلى جانب الآخر، وتقاسم الألم، ومد اليد حين يعجز الآخر عن حمل ما أثقلته الكارثة. هذه الجزائر التي قد تختلف كثيرًا في أيامها العادية، تستطيع أن تتوحد بصورة مذهلة عندما يتعلق الأمر بمصيبة تصيب أحد أبنائها. فالجزائري الذي يعيش مئات الكيلومترات عن جيجل لم يكن يرى الحريق بعيدًا عنه؛ كان يراه في شاشة هاتفه، في صور الغابات المحترقة، في وجوه العائلات المذعورة، في رجال الحماية المدنية وهم يواجهون ألسنة اللهب، وفي الحيوانات التي تبحث عن طريق للنجاة. كانت المسافة الجغرافية تختفي أمام المسافة العاطفية، ويصبح وجع جيجل وجعًا جزائريًا.
من أعالي جبالها إلى زرقة البحر، كانت جيجل تبدو كأنها لوحةٌ قرر الحريق أن يمزقها. الأشجار التي احتاجت سنوات طويلة حتى تكبر، سقطت في ساعات. الغابات التي كانت تمنح المكان رائحته وصوته وظلاله تحولت إلى مساحات سوداء. الطيور التي كانت تجد في الأغصان أعشاشها فقدت أماكنها، والحيوانات التي لا تعرف من السياسة شيئًا ولا من صراعات البشر شيئًا وجدت نفسها تركض أمام جحيم لا تفهمه. وفي كل شجرة محترقة كان هناك شيء من الزمن يموت؛ شيء من طفولة الناس، من رحلاتهم، من صورهم، من ذكرياتهم التي ارتبطت بهذا المكان. لكن جيجل ليست مجرد غابة. جيجل ذاكرة بحر وجبل وشجرة وإنسان. هي تلك العلاقة النادرة بين الماء والأخضر والصخر، بين زرقة البحر وعمق الغابة، بين الجبل الذي يراقب الأفق والإنسان الذي عاش في حضن هذه الطبيعة وتعلم منها معنى الصبر. ولذلك فإن احتراق جزء من جيجل هو خسارة بيئية وإنسانية وجمالية لا يمكن اختزالها في عدد الأشجار التي احترقت أو المساحات التي أتت عليها النيران. لقد كشفت الحرائق شيئًا آخر أيضًا: كشفت معدن الإنسان الجزائري. في اللحظات العصيبة، لا يحتاج الجزائري إلى كثير من الكلام حتى يتحرك. يكفي أن يرى بيتًا مهددًا، أو عائلة تبحث عن الأمان، أو طريقًا تغلقه النيران، حتى يتحول الخوف إلى فعل. رجال الحماية المدنية في الخط الأول، وأفراد الجيش والدرك والأمن في مواقعهم، والسلطات المحلية، وأعوان الغابات، والمتطوعون، وسكان المناطق المتضررة، كل واحد منهم كان يؤدي دوره في معركة لا تشبه المعارك التقليدية؛ معركة لا يُقاس الانتصار فيها بعدد المواقع التي تم احتلالها، وإنما بعدد الأرواح التي تم إنقاذها، وبعدد البيوت التي بقيت واقفة، وبعدد الأشجار التي أمكن إنقاذها من فم النار. وفي الخلف، كان هناك جيش آخر لا يحمل خوذة ولا خرطوم ماء، وإنما يحمل هاتفًا وقلبًا مليئًا بالقلق: ملايين الجزائريين الذين تابعوا الأخبار، وسألوا عن أهلهم، ونشروا النداءات، وتبرعوا، ودعوا، وساعدوا بما استطاعوا. قد يبدو هذا التضامن بسيطًا في أعين البعض، لكنه في الحقيقة أحد أهم مظاهر قوة المجتمع. فالبلد لا تقاس قوته فقط بما تملكه من مؤسسات، وإنما أيضًا بقدرة مواطنيه على أن يشعروا بألم بعضهم البعض. لقد أثبت الجزائريون مرة أخرى أن التضامن ليس كلمة جميلة تُكتب في المناسبات، وإنما سلوك اجتماعي يظهر عندما تضيق الحياة
. من العاصمة إلى الجنوب، ومن المدن الساحلية إلى أعماق الهضاب، كانت جيجل حاضرة في أحاديث الناس وقلوبهم. لم يسأل أحد: من أي ولاية أنت؟ ولا من أي منطقة؟ ولا ما لغتك أو لهجتك؟ ولا ما اختلافك؟ كان السؤال الوحيد: كيف نساعد جيجل؟ وهذه هي الجزائر التي نريد أن نراها دائمًا؛ الجزائر التي لا تجعل الاختلاف سببًا للقطيعة، وإنما تجعل المصيبة مناسبة لاكتشاف المشترك الإنساني والوطني. إن أجمل ما في التضامن أنه يسقط الجدران التي نبنيها في الأيام العادية. حين يكون الإنسان في مأمن، قد ينشغل بنفسه، وقد ينسى أن وراء الجبل بيتًا يحتاج إلى مساعدة، وأن وراء البحر إنسانًا يعيش خوفًا لا يعرفه. لكن عندما تشتعل النار، تسقط المسافات، وتظهر حقيقة واحدة: نحن في النهاية أبناء أرض واحدة. ولذلك فإن جيجل اليوم لا تحتاج إلى أن نقول لها فقط: “نحن معك”. بل تحتاج إلى أن نترجم هذه العبارة إلى مشروع طويل النفس. فالحرائق تنتهي، لكن آثارها لا تنتهي في اليوم التالي. النار قد تنطفئ خلال ساعات أو أيام، لكن الغابة تحتاج إلى سنوات طويلة حتى تستعيد بعض عافيتها. الأرض المحروقة تحتاج إلى حماية، والتربة تحتاج إلى استعادة توازنها، والنظم البيئية تحتاج إلى وقت حتى تعود، والحيوانات والطيور تحتاج إلى موائل جديدة، والسكان الذين عاشوا الخوف يحتاجون إلى الدعم النفسي والاجتماعي والاقتصادي.
لهذا يجب ألا يتحول تضامن الجزائريين مع جيجل إلى موجة عاطفية عابرة تنتهي بانطفاء آخر شعلة. المطلوب أن يتحول التضامن إلى فعل مؤسسي ومجتمعي طويل الأمد. المطلوب أن تبدأ منذ الآن معركة إعادة التشجير، وأن تتحول جيجل إلى ورشة وطنية لإعادة الحياة إلى الغابات المتضررة، بمشاركة الدولة والمجتمع المدني والمؤسسات الاقتصادية والمدارس والجامعات والمواطنين. نحن بحاجة إلى أن نزرع أكثر مما احترق. ليس لأن الشتلة الصغيرة تستطيع أن تعوض شجرة عمرها عشرات السنين بسرعة، فهذا مستحيل، وإنما لأن زراعة الأشجار تعني إعلانًا رمزيًا بأننا اخترنا الحياة بدل الاستسلام. كل شجرة تُزرع هي رسالة إلى النار. كل شجرة تُحمى هي اعتذار من الإنسان للطبيعة. كل غابة تُستعاد هي انتصار على فكرة أن الكارثة أقوى منا. ولعل أجمل ما يمكن أن يحدث بعد مأساة جيجل أن تتحول المدارس الجزائرية إلى جزء من مشروع إعادة الحياة. أن يحمل الأطفال شتلات الأشجار بدل أن يحملوا صور الحرائق فقط. أن يتعلموا أن حماية البيئة ليست درسًا نظريًا في كتاب العلوم، بل مسؤولية أخلاقية تجاه وطنهم. أن يصبح لكل مدرسة غرسة، ولكل حي مساحة خضراء، ولكل مؤسسة مساهمة في إعادة التشجير. وحين يكبر أولئك الأطفال، سيقول أحدهم: “هذه الشجرة زرعتها يوم احترقت جيجل.” عندها ستكون الكارثة قد تحولت إلى ذاكرة إيجابية. وهذا ما تحتاجه الشعوب بعد الكوارث: ألا تجعل من الألم قبرًا، وإنما تجعله مدرسة. جيجل تستطيع أن تكون مدرسة الجزائر في حماية الغابة. يمكن أن تتحول المحنة إلى فرصة لإعادة التفكير في طريقة إدارة الغابات، وفي وسائل الوقاية، وفي سرعة التدخل، وفي مراقبة المناطق الحساسة، وفي استخدام التكنولوجيا والإنذار المبكر، وفي إشراك السكان المحليين في حماية محيطهم. فالحريق ليس قدرًا محتومًا، والوقاية ليست ترفًا، وحماية الغابات ليست مسؤولية جهة واحدة. إنها مسؤولية وطن. لكن وسط كل هذه الأسئلة، يجب ألا ننسى أولئك الذين كانوا في قلب النار.
هناك رجال ونساء واجهوا الدخان والخطر حين كان الآخرون يراقبون من بعيد. هناك من عاد إلى بيته متعبًا، وهناك من لم يعد إليه كما كان. هناك من فقد مصدر رزقه، ومن رأى جزءًا من ذاكرته يتحول إلى رماد. وهناك عائلات ستحتاج إلى وقت طويل حتى تتجاوز آثار ما حدث. هؤلاء يجب ألا يكونوا أرقامًا في تقرير. إنهم بشر. والتضامن الحقيقي يبدأ من الإنسان قبل الشجرة، حتى وإن كانت الشجرة في النهاية جزءًا من حياة الإنسان. ثم هناك أولئك الجنود المجهولون الذين لا تظهر صورهم كثيرًا: سكان القرى والمناطق النائية الذين يعرفون تضاريس الجبال كما يعرفون خطوط أيديهم، والذين كانوا يفتحون المسالك، ويساعدون فرق الإنقاذ، ويحذرون جيرانهم، ويحملون الماء، ويقدمون ما يستطيعون. هؤلاء هم الوجه الحقيقي للجزائر العميقة؛ الجزائر التي لا تظهر دائمًا في نشرات الأخبار، لكنها تظهر بقوة عندما يحتاج الوطن إلى أبنائه. لقد علمتنا جيجل درسًا قاسيًا: الجمال ليس محميًا لمجرد أنه جميل. قد تكون أكثر الأماكن جمالًا هي الأكثر حاجة إلى الحماية. الغابة التي نحبها يمكن أن تضيع. البحر الذي نراه دائمًا يمكن أن يتغير.
الجبال التي نظنها خالدة يمكن أن تحمل آثار الإنسان السيئة. والطبيعة التي تمنحنا كل شيء دون مقابل، يمكن أن تتضرر في لحظة بسبب إهمال أو تهور أو فعل متعمد. لذلك فإن حماية جيجل ليست حماية لولاية واحدة؛ إنها حماية لجزء من الذاكرة الطبيعية للجزائر. ومن هنا، يجب أن نرفض أن تكون حرائق الغابات مجرد موسم يتكرر كل صيف، ثم نعود بعده إلى حياتنا وكأن شيئًا لم يحدث. لا يمكن أن نعيش بهذه العقلية. كل حريق يجب أن يفتح تحقيقًا، ويستخرج الدروس، ويعيد تقييم الخطط، ويكشف نقاط الضعف، ويقترح الحلول. لأن الوطن الذي لا يتعلم من حرائقه سيجد نفسه يطفئ النار نفسها مرة أخرى، وربما بخسائر أكبر. لكن رغم الألم، هناك حقيقة لا يمكن للنار أن تهزمها. جيجل ستعود. ستعود لأن الطبيعة أقوى مما نعتقد. وستعود لأن الإنسان حين يريد البناء يستطيع أن يفعل المستحيل. ستعود لأن الجزائريين حين يضعون أيديهم معًا يستطيعون أن يصنعوا من التضامن قوة. ستعود لأن البحر سيبقى هناك، والجبال ستبقى هناك، والأرض ستحتفظ في أعماقها ببذور الحياة. تحت الرماد الذي تراه العين، قد تكون هناك حياة لا تراها العين. بذرة تنتظر المطر. جذر ينتظر الربيع. نبتة صغيرة تستعد للخروج من بين الشقوق. إنها فلسفة الطبيعة التي لا تعترف بالنهايات المطلقة. وهنا تحديدًا تصبح جيجل شبيهة بالعنقاء. العنقاء، في المخيال الإنساني، ليست مجرد طائر أسطوري يولد من النار؛ إنها فكرة عن النهوض. عن الكائن الذي لا يسمح للنهاية أن تكون نهاية. عن القوة التي تستخرج من الرماد سببًا جديدًا للحياة. وهكذا ينبغي أن نرى جيجل. لا كمدينة منكوبة فقط. ولا كغابة سوداء فقط. ولا كصورة مؤلمة للحريق. بل كعنقاء جزائرية ستنهض من الرماد. سيأتي يوم لا شك فيه، حين تتغير ملامح الأرض، وتعود الخضرة إلى السفوح، ويعلو صوت الطيور من جديد، ويجلس الأطفال تحت ظلال الأشجار التي ستزرعها أيديهم أو أيدي من سيأتي بعدهم. سيأتي يوم تصبح فيه الأماكن التي احترقت اليوم جزءًا من ذاكرة جيجل، وسيشير الناس إليها قائلين: “هنا مرت النار ذات يوم.” لكنهم لن يروا النار. سيرون الأشجار. سيرون الحياة. سيرون المستقبل. وسيكون أجمل انتصار لجيجل أن يأتي ذلك اليوم دون أن تنسى الجزائر ما حدث. فالنسيان خطر. والمطلوب ليس أن نبقى أسرى للحزن، وإنما أن نحول الحزن إلى وعي، والوعي إلى سياسة، والسياسة إلى فعل، والفعل إلى حياة. جيجل لا تريد دموعًا فقط. تريد غابات. تريد مشاريع. تريد حماية. تريد تشجيرًا. تريد سياحةً بيئيةً مسؤولة.
تريد تنميةً تحترم طبيعتها. وتريد أبناءها إلى جانبها، لا في لحظة الحريق فقط، بل في كل الأيام التي تليه. ولعل أجمل صورة يمكن أن نختم بها هذه الحكاية ليست صورة النار، وإنما صورة يد جزائرية تضع شتلةً صغيرةً في أرض سوداء. يدٌ من جيجل. يدٌ من الجزائر العاصمة. يدٌ من وهران. يدٌ من قسنطينة. يدٌ من تمنراست. يدٌ من إليزي. يدٌ من تلمسان. يدٌ من بسكرة. يدٌ من كل شبر من هذا الوطن. كلها تلتقي حول حفرة صغيرة، وفيها شجرة صغيرة، لكن خلفها وطن كبير. عندها سنفهم أن الجزائر التي تتضامن في الحريق تستطيع أن تتضامن في البناء أيضًا. وأن الوطن ليس فقط علمًا يرفرف فوق المؤسسات، ولا نشيدًا نردده في المناسبات، وإنما هو أن يشعر الجزائري أن أخاه في جيجل جزء منه، وأن غابة تحترق في الشمال يمكن أن تؤلم قلب إنسان يعيش في أقصى الجنوب. تلك هي الجزائر التي لا تحرقها النار. تلك هي الجزائر التي كلما حاولت الكارثة أن تفرقها، أعادت جمعها. تلك هي الجزائر التي تعرف أن الأرض قد تسودّ، لكن القلب لا يسود. وأن الأشجار قد تحترق، لكن جذور الأمل تبقى. وأن المدن قد تنكسر للحظة، لكنها تستطيع أن تنهض. جيجل اليوم حزينة، نعم. لكن الحزن ليس قدرها. الرماد ليس اسمها. والنار ليست نهايتها. إنها مدينة البحر والغابة والجبل، مدينة ستتعلم من جرحها، وستنهض من كبوتها، وستستعيد أخضرها يومًا بعد يوم. وحين تعود، لن تعود وحدها. ستعود معها الجزائر كلها. ستعود بأيدي أبنائها، بشتلاتهم، بدموعهم التي تحولت إلى عمل، وبذاكرتهم التي رفضت أن تنسى.
وستقف جيجل يومًا أمام البحر، تنظر إلى زرقتها القديمة، وتقول للنار التي ظنت ذات يوم أنها انتصرت: لقد أخطأتِ الحساب. أنتِ أحرقتِ الأشجار، لكنك لم تحرقي الأرض. أحرقتِ الأخضر، لكنك لم تحرقي الربيع. أحرقتِ بعض الذاكرة، لكنك لم تحرقي ذاكرة الوطن. وأحرقتِ الغابة، لكنك أيقظتِ الجزائر كلها. ثم تمضي جيجل في طريقها، حاملةً جرحها كوسام، لا كعار، وتفتح أبوابها للمطر والربيع والأشجار والطيور والأطفال. ومن بين الرماد، ستخرج أول ورقة خضراء. وحينها فقط، سنعرف أن العنقاء لم تكن أسطورة. كانت جيجل.

