عملت الجزائر منذ الاستقلال على حماية الأطفال ورعايتهم، فقد كان التشريع الجزائري سباقًا في تجسيد هذه الحماية منذ تلك الفترة، عبر سن القوانين التي تكفل حقوق الطفل. وقد أصدر المشرع الجزائري عدة نصوص تتعلق بإنشاء المصالح والمؤسسات المكلفة بحماية الطفولة وتنظيم دور الطفولة المسعفة.
- طفولةٌ تبحث عن أمان.. ومؤسساتٌ تشتغل على مدار الساعة
- مريم شرفي: “حماية الطفل أولوية دستورية ومخطط وطني وخلية يقظة قيد الإطلاق”
- الباحثة الاجتماعية خديجة بن الصديق: “الطفل يعيش وسط ضوضاء اجتماعية والقلق يرتفع”
- جذور لا يمكن تجاهلها وقراءة في عمق المجتمع
- الميدان لا يكذب.. الشرطة تواجه الواقع كما هو
- طفل محمي.. مجتمع أقوى
كما تعتبر الجزائر من بين الدول الأوائل التي صادقت على الاتفاقية الدولية لحقوق الطفل، التي اعتمدتها الجمعية العامة للأمم المتحدة في 20 نوفمبر 1989، والتي شكلت منعطفًا حاسمًا في مسار حماية الطفولة، إذ أصبح يُنظر إلى حقوق الطفل على أساس أنها حقوق إنسانية لا يمكن التغاضي عنها.
طفولةٌ تبحث عن أمان.. ومؤسساتٌ تشتغل على مدار الساعة
مع الاحتفال باليوم العالمي لحقوق الطفل في 20 نوفمبر، يطرح السؤال حول وضع الطفل الجزائري في ظل التحولات الاجتماعية والرقمية والاقتصادية.
احتفلت الهيئة الوطنية لحماية وترقية الطفولة بالمناسبة في ميترو الجزائر، لنقل رسائل حقوق الطفل مباشرة إلى العائلات عبر فضاءات توعوية وقطار للأطفال.
رغم الاعتراف الدولي بحقوق الطفل، تبقى الفجوة كبيرة بين النصوص القانونية والواقع اليومي، حيث يواجه الأطفال أحيانًا العادات الصارمة والعنف المبرر باسم التربية.
حماية الطفل تتطلب تعاون الدولة والأسرة والمجتمع لضمان حصوله على حقوقه كاملة وممارستها في الحياة اليومية.
مريم شرفي: “حماية الطفل أولوية دستورية ومخطط وطني وخلية يقظة قيد الإطلاق”
المفوضة الوطنية لحماية الطفولة مريم شرفي توضح أن الجزائر صادقت مبكرًا على اتفاقية حقوق الطفل سنة 1992، وطبّقت ترسانة قانونية قوية مع تطوير مستمر للآليات الوقائية.
تشير شرفي إلى أن الدستور الجزائري يكفل حماية الطفل صراحة، خصوصًا المادة 71، معتبرة أن رعاية الطفل تمثل استثمارًا في مستقبل الوطن ومعالجة آثار الحقبة الاستعمارية.
وأكدت أن اللجنة الوطنية أعدّت مخططًا وطنيًا شاملًا للطفولة يشمل الرعاية والحماية والتوعية والمتابعة، وهو في مراحله الأخيرة قبل العرض على الحكومة.
وأشارت إلى أن حماية الطفل في الجزائر تتجاوز النصوص القانونية، فهي ملف مليء بالشكاوى والتحديات، والمشكلة الرئيسية تكمن في وعي المجتمع بحقوق الطفل.
تستقبل المفوضية شكاوى متنوعة عن الإهمال والعنف المباشر، لكن عدد الحالات المبلَّغ عنها أقل من الواقع بسبب ثقافة الخوف وضعف التبليغ والنظرة التقليدية للطفل كـ”ملك للأسرة”.
وأوضحت شرفي أن الانتهاكات غالبًا ما تقع داخل البيوت وتشمل الحرمان النفسي والإهمال والإهانة والتمييز، ما يترك آثارًا دائمة حتى إن لم تُسجَّل رسميًا.
وأكدت أن حقوق الطفل ممارسة يومية تتطلب وعي الأسرة والمجتمع والمدرسة لضمان حماية فعّالة، وضمان تمكين الأطفال من مواكبة التطور تحت رقابة وحماية وطنية فعّالة.
الباحثة الاجتماعية خديجة بن الصديق: “الطفل يعيش وسط ضوضاء اجتماعية والقلق يرتفع”
من الناحية النفسية والاجتماعية، ترسم الباحثة خديجة بن الصديق صورة دقيقة للتحديات التي يواجهها الطفل الجزائري تقول بن الصديق للجنوب الكبير :” أن الطفل يعيش وسط تحوّلات سريعة: ضغط مدرسي، غياب وقت عائلي، شاشات بدون رقابة والنتيجة هي صعوبة بناء هوية متوازنة”، فالطفل الذي يتعرض للعنف يعيش حالة من التشويش النفسي، تمتد آثارها لسنوات طويلة، وقد تغيّر مزاجه وشخصيته بشكل دائم.، تشرح الباحثة أنّ الأطفال الذين تعرضوا للضرب أو الصراخ المستمر غالبًا ما يعانون من اضطرابات القلق، صعوبة التركيز، التبول اللاإرادي، الكوابيس، ضعف الثقة بالنفس، ونوبات الغضب، وبعضهم يتحول إلى طفل عدواني في المدرسة، يمارس ما تعلّمه دون وعي.
أما الأطفال الذين عانوا من الإهمال أو الحرمان العاطفي، فغالبًا ما يطورون علاقة مضطربة مع الآخرين، ويعانون من حاجة مفرطة إلى القبول أو من انسحاب مبكر من المحيط، “الضرر النفسي يتجاوز حدود اللحظة”، فهو يشكل شخصية الطفل المستقبلية، ويمتد إلى مراهقته، وحتى إلى طريقة تعامله لاحقًا مع أبنائه.
ويشير إلى أنّ بعض الآباء يعتقد أنّ القسوة جزء من التربية، أو أن الصرامة هي الطريق لإنتاج أطفال محترمين، لكن العلم يثبت العكس: الطفل يحتاج إلى الحب والحدود في الوقت نفسه، لا إلى الخوف والعقاب وحدهما.
وترى الباحثة أن معالجة الأضرار تحتاج إلى وقت طويل، وخطة علاجية قد يشترك فيها الطبيب، الأسرة، والمدرسة، مؤكدة أنّ الحالات الأكثر خطورة هي تلك التي يعود فيها الطفل يوميًا إلى نفس البيئة المؤذية، دون تغيير أو رقابة، عندها تصبح مهمة العلاج شبه مستحيلة، لذلك فحماية الطفل نفسياً، ليست وظيفة المؤسسات فقط، بل هي سلوك يومي نمارسه داخل البيت وفي الشارع وفي المدرسة، وإذا لم نتعلم كيف نعامل الطفل باحترام، فلن ينفع أي قانون.
جذور لا يمكن تجاهلها وقراءة في عمق المجتمع
لا يمكن الحديث عن حقوق الطفل دون فهم البيئة التي يعيش فيها، هذا ما تؤكد عليه الباحثة الاجتماعية خديجة بن الصديق التي تشرح أن الطفل، في النهاية، هو انعكاس للبيت والمجتمع، وليس حالة منفصلة عنهما، وتبدأ كلامها قائلة أن عندما ندافع عن الطفل، فنحن في الحقيقة ندافع عن المجتمع بأكمله.
توضح الباحثة أن الكثير من الانتهاكات التي تحدث للأطفال ليست حدثًا فرديًا، بل نتيجة بنية اجتماعية مضغوطة: ضغوط اقتصادية، بطالة، توتر أسري، انفصال عاطفي، ثقافة تبرر العنف، أو بيئة مدرسية لا توفر الدعم الكافي، وتلفت إلى أنّ بعض الأسر تعيش ضغطًا يوميًا يجعلها تفقد القدرة على الصبر أو الإصغاء، فتتحول العلاقة مع الطفل إلى سلسلة من الانفجارات أو التجاهل.
وتشير إلى أنّ المجتمع الجزائري، رغم تطوره الكبير في بعض الجوانب، ما يزال يحمل موروثًا ثقيلًا يعتبر الطفل كائنًا يجب تربيته بالقوة أو ضبطه بالعصا، خصوصًا في المناطق التي ما تزال العادات فيها أقوى من القوانين، فنحن لا نزال نسمع عبارات مثل: “الولد يتهذّب بالضرب” وهذا تصور مرعب، لأنه يشرعن العنف ويجعله وسيلة تربوية.
وتؤكد أن حماية الطفل تتطلب تغييرًا ثقافيًا يبدأ من الأسرة، ويمر عبر المدرسة، ويصل إلى الإعلام، كما تدعو إلى توفير الدعم الاجتماعي للأسر الهشة، لأنّ الفقر يُعتبر أحد أكبر العوامل التي تعيق حماية حقوق الطفل، وخصوصًا في المناطق الريفية أو المهمشة.
تنوه الباحثة في ختام حديثها بالتأكيد على أنّ الطفل بحاجة إلى “مجتمع بالغ”، مجتمع يفهم أن الصغير ليس مشروعًا صغيرًا للانضباط، بل هو مواطن قيد التكوين، يحتاج إلى التشجيع والاستماع، قبل أن يحتاج إلى العقاب.
الميدان لا يكذب.. الشرطة تواجه الواقع كما هو
من الميدان، تقدّم عميد الشرطة حياة سلاطنية، رئيسة فرقة حماية الفئات الهشة بمقاطعة الشرطة القضائية الثالثة بالأبيار، صورة عملية لما يجري على أرض الواقع إذا تقول أن الأمن الوطني كان سبّاقًا، فمنذ 1986 وُجدت فرقة لحماية الأحداث حتى قبل صدور اتفاقية حقوق الطفل.
تبقى الشرطة، بصفتها الجهة التي تتعامل مباشرة مع البلاغات، طرفًا مهمًا في رسم صورة واقعية لملف الطفولة، تضيف سلاطنية، إن التعامل مع قضايا الأطفال يعتبر من أكثر الملفات حساسية، لأن كل خطوة تُؤخذ فيها يجب أن تراعى مصلحة الطفل العليا قبل أي شيء كما وتشرح أنّ البلاغات التي تصل إلى مراكز الشرطة تختلف من منطقة لأخرى، لكن القاسم المشترك بينها هو تأخر التبليغ، ففي معظم الحالات، تصل الشرطة إلى الطفل بعد أن يكون الضرر قد وقع بالفعل، بسبب صمت الأسرة أو خوف الجيران من التدخل، المشكلة ليست في القانون، فالقانون واضح وصريح، لكن الإشكال في الجرأة على التبليغ.
طفل محمي.. مجتمع أقوى
بعد الاستماع إلى هذه الأصوات الأربعة القانون، النفس، المجتمع، والميدان تتضح صورة واحدة: حقوق الطفل في الجزائر ليست غائبة، لكنها ليست مكتمِلة، هناك جهود كبيرة تُبذل، وهناك وعي يتنامى، لكن الطريق ما يزال طويلًا، فالطفل الذي نُهمله اليوم، هو المواطن الذي قد يحمل جراحه إلى الغد، والطفل الذي نحميه اليوم، هو الذي سيبني مجتمعًا أكثر قوة وتوازنًا وإنسانية، فحماية الطفل ليست مسؤولية جهة واحدة، بل مسؤولية مجتمع بأكمله، هي مسؤولية تُمارَس كل يوم، في البيت، في المدرسة، في الشارع، وفي مؤسسات الدولة، وإذا أردنا أن نكتب مستقبلًا أفضل، فكل ما علينا فعله هو أن نبدأ بسماع ذلك الصوت الخافت… صوت الطفل
