في صحارى إيموهاغ المترامية، حيث يختزن الليل أسرار الأجداد، عاشت قبائل إيموهاغ تُغذّي ذاكرتها بحكايات تتجاوز حدود الزمان والمكان. من بين تلك الحكايات تتلألأ أسطورة رجل يُدعى أَمَامَلَّنْ، رمز الزعامة والقوة، الذي جاوز المئة من السنين دون أن يُهزم في حرب أو معركة، يعلو صوته فوق المجالس مفاخرا:
“أنا السيف البتّار، أنا من لا يُغلب، ولا فطنة تفوق دهائي، ولا فارس يلحق أثري.”
كثيرا ما ردد هذه الكلمات حتى سئم القوم سماعها، ولكن لم يكن بين الناس من يجرؤ على إسكاته، إلى أن نطقت العرّافة بكلمة قلبت الموازين:
“سيأتي من صلبك أو صلب أخواتك فتى، لا يُجارى في ذكاءه، وسيهزمك ميدانا، ويفوقك تدبيرا.”
تزلزل قلب الرجل المغرور، فكيف يقبل أن يُولد في بيته من يسلبه الهيبة والزعامة؟ غلّب القسوة على العقل، وأعلن حكمه الجائر: كل مولود ذكر في بيته مصيره القتل، قرار لا يُناقش، ولا يرده أحد. غير أن القدر كان يُحاك في الخفاء.
في ليلة مظلمة، وضعت أخته مولودا ذكرا، وفي ذات اللحظة وضعت خادمتها مولودا آخر. لتُنجّي وليدها من بطش أماملن، بادلت الأخت الطفلين سرًّا، فقتل الرجل ابن الخادمة، وظل ابن الأخت حيًّا يُربى في حضن من ليست أمه. سُمّي الفتى إلياس، ونشأ عبدًا في نظر سيده، بينما كان في الحقيقة الموعود الذي ستنقلب به كفّة الحكاية.
نبوغ الراعي الصغير
نشأ إلياس في المرعى، يرعى الغنم بعيدًا عن عيون خاله الحقيقي. بدت عليه منذ طفولته علامات غريبة؛ قوة لم يعهدها أحد في صغار الرعاة. ذات مرة، حين ضلّت جديانٌ صغيرة الطريق، غضب وضرب بكفه سفح جبل فانهار جزء منه ليغلق الممر أمامها. رأت الخادمة ذلك المشهد المذهل، فارتجف قلبها خوفا وقالت له:
“إياك أن تُعيدها يا ولدي، فإن علم السيد، أهلكنا جميعًا.”
كتم الفتى سره، وظل يكبر بين الأغنام والسهول، والسماء الواسعة تهيّئه لقدر أعظم.
أحاجي أماملن
اعتاد أماملن أن يطرح الألغاز والأحاجي على قومه، يتحدى بها عقول الرجال والنساء. ولم يجرؤ أحد أن يدّعي حلها. غير أن إحدى العجائز الراعيّات سمعت لغزه الأخير، وذكرته لإلياس، فما كان من الفتى إلا أن حلّه في لحظة. ذهبت العجوز إلى الزعيم، وصرّحت بالجواب. استشاط العجوز غضبا، وهدّدها حتى اعترفت أن الفتى الراعي هو صاحب الحل. هنا ارتاب قلبه، وتأكد أن نبوءة العرّافة بدأت تطلّ من وراء الأفق.
ومن يومها صار لا يترك فرصة إلا وحاول أن يمتحن ذكاء إلياس ويهلك.
مكيدة الصحراء الجرداء
أرسله يوما مع أحد عبيده إلى أرض قاحلة بلا ماء، وأخبر العبد أنه خبأ لهما موردا سرّيا للماء، على أن يستأثر به وحده. كان العبد يتسلل ليلاً إلى موضع الماء، فيما كان إلياس يتألم من العطش. لكنه، بذكائه الفطري، ابتكر حيلة عجيبة: أقنع العبد أن يدهن قدميه بالدهن ليلًا حماية لهما من التشقق، بينما أراد بذلك أن يترك أثرا مميزا على الرمال.
وعند الصباح تتبّع آثار الدهن اللامع حتى وصل إلى مورد الماء، فشرب وأخذه كله بعيدا عن العبد. وحين جاء أماملن ليتفقدهما، وجد العبد يتلوى عطشًا، بينما الفتى الراعي سالما قويّا. ازداد حنق الزعيم، إذ تأكد أن ذكاء الفتى يُبطل كل مكايده.
المواجهة مع الأعداء
لم ييأس أماملن، بل أرسله لمهمة أصعب: مواجهة أعداء القبيلة في الجهة الشمالية. كان يظن أن الفتى سيهلك، فإذا بإلياس يعود منتصرا بالغنائم، رافع الرأس، والقبيلة تهتف باسمه. ومن هنا بدأ ذكره يتردّد بين الناس، وصار نجما يسطع في الصحراء.
أدرك أماملن أن اللحظة الحاسمة اقتربت، فجمع ما استطاع من مكر وحيلة، لكنه كان كلما نصب فخًا وجد الفتى طريقا للخلاص، بل ويعود أكثر مجدا وقوة.
انكشاف السر
لم يعد أمام الرجل الصنديد “أماملن” بدٌّ من مواجهة الحقيقة. فتش عن أصله، استجوب الخادمة، راقب الأخت، حتى اعترفت مضطرة:
“إنه ابنك وابن أختك معا، دمك يسري في عروقه.”
حينها سقطت غشاوة القوة من عينيه، فها هو الفتى الذي حاول أن يطويه في الظل، صار الشمس التي لا تُحجب. لم تعد شجاعة أماملن ولا دهاؤه قادرة على هزم إلياس، فقد حانت ساعة التحوّل.
قال الرجل كلمته الشهيرة التي تناقلتها الألسن:
“أماملن د إلياس، آلس دڨ ألتماس، أڨ ألتما وانين تاجميت إي تكليت”
أي: أماملن وإلياس، رجل وابن أخته، ابن اختي الحقيقي يصير عبدا تحت يدي.
مغزى الحكاية
ظلّت هذه القصة -التي تنسج كأسطورة- تروى على ألسنة الرواة والشعراء في مجالس، إيموهاغ، حتى نقلناها كتابة وتدوينا من الأستاذ مولود فرتوني وإعادة سردا وإنشاء من طرفنا، ونُشرت بين الناس. هي ليست مجرد سرد للتحدي بين رجل متغطرس وفتى ذكي، بل هي رمزٌ لانتقال الزعامة من جيلٍ إلى جيل، ورسالة أن الدهاء والقوة لا يدومان، وأن الذكاء والصبر والعدل هي التي تمنح الخلود.
وهكذا بقيت حكاية أماملن وإلياس تُحكى في الليالي، على وهج النيران، تذكّر الصغار أن البطولة ليست قوة اليد وحدها، بل فطنة العقل، وأنّ للقدر دائمًا كلمة لا تعلوها كلمة.

