براهيم مالك – تمنراست | مراسلو الجنوب الكبير
حوار/ براهيم مالك
من رحم الذاكرة الشعبية، ومن بين ثنايا حكايات الأجداد التي تناقلتها الألسن قبل أن تُدوّنها الأقلام، يطلّ الكاتب والأديب الأستاذ مولود فرتوني بمؤلفه الجديد «حنّة تنوڨة»، مستعيدًا سيرة جدته الفولانية التي افترقت عن أهلها وهي في الخامسة من عمرها، في حدود سنتي 1903 و1904.
ليست «حنّة تنوڨة» مجرد سيرة عائلية، ولا حكاية امرأة عبرت زمنًا مضطربًا فحسب، بل هي محاولة لاستعادة ذاكرة مجتمع كامل، تتقاطع فيها الرواية الشفوية مع التاريخ، وتتداخل فيها حكايات القبائل والمجتمعات، لتتحول التغريبة الشخصية إلى ذاكرة جماعية.
في هذا الحوار مع «الجنوب الكبير»، يتحدث مولود فرتوني عن سر اختيار العنوان، وعن جدته التي عاشت أكثر من قرن، وعن تفاصيل الحكاية التي حفظتها الذاكرة الشفوية، وعن الخوف من اندثار الحكايات الشعبية برحيل جيل الرواة، كما يكشف ما بقي في وجدانه بعد أن أغلق صفحات هذا العمل.
الجنوب الكبير: «حنّة تنوڨة» عنوان لافت ومحمّل بالدلالة. ماذا تعني هذه العبارة، وما الذي دفعكم إلى اختيارها عنوانًا للكتاب؟
مولود فرتوني: «حنّة تنوڨة» هي جدتي الفولانية «تنوڨة». أردت من خلال هذا الكتاب أن أتحدث عن قصتها وتغريبتها، وعن سبب انفصالها عن أهلها في حدود سنتي 1903 أو 1904، حين كان عمرها لا يتجاوز خمس سنوات. وكان استحضار اسمها بالنسبة إليّ استحضارًا لذاكرة عائلية ظلت حاضرة في حياتنا، وتناقلتها الأجيال داخل الأسرة.
الجنوب الكبير: من هي «الجدة الفولانية» التي تقودنا في هذه التغريبة، وما الذي جعل قصتها تستحق أن تُروى وتُوثّق؟
مولود فرتوني: الجدة هي أم والدتي، وتنحدر، على الأرجح، من قبيلة فولان في سوكوتو أو من القرى المتاخمة لنيجيريا. ظلت قصتها تتردد على لسانها طوال حياتها، ثم تناقلها أبناؤها وأحفادها من بعدها.
ونظرًا إلى تقاطع قصتها مع قصص أخرى مشابهة لها في المعاناة، رأيت أنه يجب كتابتها ومحاولة توثيقها، ولو أدبيًا. فالأدب قد يحتفي بالأسطرة قبل التاريخ، وقد يحفظ من الذاكرة ما قد يعجز التاريخ الرسمي أحيانًا عن الاحتفاظ به.
الجنوب الكبير: من خلال قصة الجدة «تنوڨة» والجد «مبارك أساواغ»، هل أردتم استعادة ذاكرة عائلية أم ذاكرة مجتمع بأكمله؟
مولود فرتوني: هي ذاكرة عائلية، وكذلك ذاكرة مجتمع. عائلية لأن كليهما من أجدادي؛ «مبارك أساواغ» جد أبي، و«تنوڨة» جدة أمي.
لكن هذه الذاكرة تتجاوز الإطار العائلي، بسبب تقاطعها مع ذاكرة مجتمعات وقبائل مختلفة. فقد اندمج الفولاني مع مختلف قبائل تمسنا، من إرجناتن وأهڨارن وأبطناتن وكنتة ودڨ الشيخ وشيوخ الحلة، وهو ما جعل الذاكرة العائلية ترتبط بذاكرة مجتمع أوسع، وتتداخل فيها روايات وتجارب إنسانية متعددة.
الجنوب الكبير: كيف جمعتم تفاصيل هذه الحكاية؟ وهل اعتمدتم على الرواية الشفوية والذاكرة المحلية في بناء الكتاب؟
مولود فرتوني: بالتأكيد. اعتمدت على الرواية الشفوية بشكل كبير، إلى جانب محاولة ربطها ببعض الأحداث والحكايات المشابهة.
وكانت لي حوارات حية مع مختلف الذين عايشوا المرحلة التي عاشت فيها الجدة في إقليم تمسنا، وكذلك المرحلة التي تلت انتقالها إلى أهڨار. كما اعتمدت على ما استطعت تذكره شخصيًا، فقد عشت معظم طفولتي مع جدتي إلى أن توفيت سنة 2001، عن عمر تجاوز المئة عام.
وهذا القرب منها منحني فرصة ثمينة للاستماع إلى تفاصيل لم تكن مجرد روايات منقولة، بل كانت جزءًا من الذاكرة الحية التي عشتها معها.
الجنوب الكبير: بين زمن القناعة والبساطة الذي تحكيه «حنّة تنوڨة» وزمننا الحالي، ما أكثر شيء تخشون أن يفقده الجيل الجديد؟
مولود فرتوني: لعلها الحيرة التي تعترينا جميعًا: ماذا فقدنا مما عاشه جيل «حنّة تنوڨة»، وكذلك جيل أبنائها، مثل والدتي «أسلانتت» وخالتي «تاساوقت»، وحتى جيل الأحفاد الأوائل للجدة؟
نخشى أن نفقد البساطة والصدق وحسن الظن بالناس، وهي القيم التي قامت عليها حياتهم، رغم قسوة الظروف وصعوبة العيش.
الجنوب الكبير: ما أصعب محطة واجهتكم أثناء كتابة هذه الرواية؟ وهل كانت هناك لحظة شعرتم فيها أن الحكاية أكبر من مجرد كتاب؟
مولود فرتوني: أصعب لحظة كانت خوفي من ألا أتمكن من إكمال هذه التغريبة، لأنها تمثل جيلًا كاملًا عاش حياة، وعلى الرغم مما فيها من صعوبات، ظل يتغنى بلحظاتها الجميلة.
وبقيت كلمتهم الدائمة: «إن أجمل الأوقات ما مضى».
لهذا شعرت أن الحكاية أكبر من مجرد كتاب؛ فهي حياة أناس، وذاكرة زمن، وأمانة تجاه من رحلوا.
الجنوب الكبير: لو أردتم أن تختصروا «حنّة تنوڨة» في رسالة واحدة للقارئ، ماذا تقولون له؟
مولود فرتوني: هي ذاكرة الحنين الذي افتقدناه.
الجنوب الكبير: هل تخشون أن تضيع مثل هذه الحكايات الشعبية مع رحيل جيل الرواة؟ وهل جاءت تغريبة «حنّة تنوڨة» كنوع من مقاومة النسيان؟
مولود فرتوني: نعم، بالتأكيد. علينا أن نكتب عن تفاصيل حياة أهلنا، دون أن نحاول أن نحاكم التاريخ أو ما حدث فيه.
علينا أن نتذكر أنهم استمروا وصمدوا حتى جاء جيلنا، الذي يملك اليوم كل وسائل حفظ تراثهم وصونه من النسيان والاضمحلال.
وأعتقد أن الكتابة عن هذه الذاكرة هي نوع من مقاومة النسيان، ومحاولة لحفظ ما يمكن حفظه قبل أن ترحل الأصوات التي حملت هذه الحكايات.
الجنوب الكبير: حين تستحضرون الجدة الفولانية «تنوڨة» والجد «مبارك أساواغ»، هل تكتبون عن أشخاص بعينهم، أم عن قيم وملامح إنسانية بدأت تتراجع في زمننا؟
مولود فرتوني: بل أكتب عن ملامح إنسانية، حتى وإن كان أبطالها أناسًا بسطاء لا قدرة لهم على تغيير الأحداث الكبرى في العالم، لكن لهم القدرة على الاستمرار.
وهذا الاستمرار في حد ذاته بطولة؛ فالإنسان قد لا يستطيع تغيير مجرى التاريخ، لكنه يستطيع أن يحافظ على إنسانيته وقيمه وسط التحولات.
الجنوب الكبير: بعد أن أغلقتم صفحات «حنّة تنوڨة»، ما الذي بقي فيكم أنتم من هذه التغريبة: حكاية، أم حنين، أم مسؤولية تجاه الذاكرة الشعبية؟
مولود فرتوني: بقيت كلها.
بقي الحنين إلى زمن تمسنا الذي لم نعشه، وعشناه في الوقت نفسه من خلالهم، من خلال حكاياتهم وذاكرتهم وما تركوه لنا من صور عن ذلك الزمن.
كما برزت المسؤولية تجاه الذاكرة الشعبية، العائلية والاجتماعية، وهي مسؤولية تجبرنا على صونها وحفظها قدر المستطاع.
ولعل أجمل ما يمكن أن يبقى من هذه التغريبة هو أن تتحول من ذاكرة فردية إلى ذاكرة مكتوبة، ومن حكاية تُروى إلى أثر يبقى.
الجنوب الكبير: في كلمة أخيرة، ماذا تتمنون أن تترك «حنّة تنوڨة» في نفس القارئ؟
مولود فرتوني: أتمنى ألا تُقرأ باعتبارها حكاية عائلة فقط، وإنما باعتبارها نافذة على زمن وذاكرة مجتمع. وإذا نجحت «حنّة تنوڨة» في دفع القارئ إلى السؤال عن حكايات أجداده، والبحث عنها وكتابتها قبل أن تضيع، فسأكون قد حققت ما أريده من هذا الكتاب.
فما نكتبه اليوم عن الذين غابوا، قد يكون غدًا كل ما تبقى منهم.

