عبد العزيز تويقر – تمنراست | مراسلو الجنوب الكبير
تخوض الجزائر في السنوات الأخيرة ثورة هيكلية في قطاع المنشآت القاعدية، يتصدرها مشروع خط السكة الحديدية الرابط بين عاصمة الأهقار “تمنراست” وشمال الوطن. ولا يمثل هذا المشروع الضخم مجرد إضافة لشبكة النقل الوطنية، بل هو خيار استراتيجي وسيادي يهدف إلى إعادة رسم الخارطة الاقتصادية والاجتماعية للبلاد. كما يجسد مد قضبان الحديد عبر صحراء الجزائر الشاسعة إرادة الدولة في كسر العزلة الجغرافية، وتحويل التحديات المساحية إلى فرص استثمارية واعدة تدعم مسار التنمية المستدامة في ولايات الجنوب الكبير.
وينطلق هذا المحور الحديدي الواعد ليربط بين المدن الكبرى في الشمال وأعماق الجنوب، متجاوزاً المسافات الطويلة ليمر عبر ولايات محورية تشكل عصب التوازن الإقليمي: مرورا بالأغواط وغرداية فالمنيعة، تم إن صالح، خزان الطاقة ومحور الربط بين مناطق عين صالح وأدرار وتمنراست.
هذا المسار المدروس بعناية لا يستهدف نقل الركاب فحسب، بل يهدف إلى إيجاد رافعة لوجستية واقتصادية متكاملة. فهو يدمج هذه الولايات الحيوية ضمن شبكة واحدة متجانسة، مما يساهم بشكل مباشر في تكريس قيم التكامل الوطني، وتوحيد الحركية التنموية بين شمال البلاد وجنوبها، وضمان توزيع عادل ومستدام لثمار النمو الاقتصادي.
كما يمثل خط السكة الحديدية نحو تمنراست المفتاح الحقيقي لتحرير الثروات الكامنة في الصحراء الجزائرية، فالجنوب لم يعد مجرد خزان للطاقة التقليدية، بل أضحى قطباً فلاحياً رائداً وصناعيّاً ناشئاً يتطلب منظومة نقل حديثة ومنخفضة التكلفة. ويساهم هذا المشروع الاستراتيجي فيخفيض تكاليف الشحن واللوجستيك بنسب قياسية مقارنة بالنقل البري التقليدي، مع تأمين سلاسل التوريد للمواد الأساسية، والمنتجات الزراعية، والمدخلات الصناعية وتحفيز مناخ الاستثمار وجذب الرساميل المحلية والأجنبية لإقامة مشاريع كبرى في مدن الجنوب.
علاوة على ذلك، يكتسي هذا الخط بعداً دولياً بصفته العمود الفقري للتوجه الإفريقي للجزائر. فهو يمهد الطريق لربط الموانئ الشمالية بالعمق الإفريقي عبر تمنراست، مما يحول المنطقة إلى مركز دولي للتبادل الحر والخدمات اللوجستية مع دول الساحل.
و لا يقتصر دور المشروع في ابعاده الاقتصادية و اللوجستية بقدر ما ينتظر ان يسهم، في تحسين جودة حياة المواطنين في الجنوب الكبير بشكل جذري. إن توفير وسيلة نقل عصرية، آمنة، وسريعة يسهل حركة الأفراد ويوفر بديلاً ممتازاً ومريحاً لعناء التنقل البري الطويل. كما يفتح الخط آفاقاً جديدة للشباب من خلال خلق آلاف مناصب الشغل المباشرة وغير المباشرة، سواء في مراحل الإنجاز أو خلال فترات الاستغلال والصيانة. يمثل هذا الربط تكريساً للاندماج الاجتماعي واللحمة الوطنية، حيث تقترب المسافات وتتعزز الروابط الثقافية والإنسانية بين مختلف ربوع الجزائر، لتصبح تمنراست نقطة التقاء وطنية وقارية بامتياز.
البروفيسور رابح كشيشد من جامعة قاصدي مرباح بورقلة:
أن خط السكة الحديدية الجديد من شأنه أن “يشكل رافدا للتكامل الاقتصادي وتعزيز السيادة اللوجستية
وفي هذا الإطار، أوضح البروفيسور رابح كشيشد من جامعة قاصدي مرباح بورقلة, أن خط السكة الحديدية الجديد من شأنه أن “يشكل رافدا للتكامل الاقتصادي وتعزيز السيادة اللوجستية, فضلا عن إسهامه في إحداث ديناميكية اقتصادية غير مسبوقة بجنوب البلاد”.
ويرى هذا الخبير أن النقل بالسكك الحديدية يمثل، “دون شك، شريان التنمية الاقتصادية والاجتماعية وسيساهم في نقل الموارد المعدنية التي تزخر بها منطقة الأهقار”.
وأضاف أن المشروع يندرج ضمن “الاستراتيجية الوطنية الرامية إلى تثمين الموارد والإمكانيات الاقتصادية للمناطق التي يعبرها هذا الخط بما يساهم في استحداث آلاف مناصب الشغل خلال مرحلة إنجاز المشروع وعند دخوله حيز الاستغلال الفعلي”.
عميد كلية العلوم التطبيقية بجامعة قاصدي مرباح، البروفيسور عبد الحميد كريكر:
المشروع يمثل “مكسبا استراتيجيا للجنوب
من جانبه، اعتبر عميد كلية العلوم التطبيقية بجامعة قاصدي مرباح، البروفيسور عبد الحميد كريكر, أن المشروع يمثل “مكسبا استراتيجيا للجنوب, بالنظر إلى دوره المرتقب في تعزيز الحركية الاقتصادية والاجتماعية وتسهيل تنقل الأشخاص ونقل البضائع, فضلا عن فتح آفاق جديدة للاستثمار ودعم النشاط الجامعي والعلمي وربط الجامعة بمحيطها الاقتصادي”.
من جهتها، قالت المهندسة، منال بوعزة، أن إنجاز خط السكة الحديدية سيشكل “إضافة نوعية للبنية التحتية بالجنوب من خلال تحسين وسائل النقل وتسهيل حركة الأشخاص والسلع ومرافقة المشاريع التنموية وتعزيز جاذبية المنطقة للاستثمارات”.
وفي ذات المنحى، أوضح الدكتور روان بوحفص, أستاذ بكلية العلوم الاقتصادية وعلوم التسيير بجامعة غرداية, أن مشروع السكة الحديدية “سيفتح آفاقا تنموية واقتصادية واسعة من خلال المساهمة في خلق فرص عمل للشباب وتعزيز المبادلات الاقتصادية, فضلا عن دعم حضور الجزائر في عمقها الإفريقي وتشجيع الصادرات خارج قطاع المحروقات”.
فاعلون في المجال الاقتصادي بالمنيعة: المشروع من شأنه “إعطاء دفع قوي للاستثمار، لا سيما في القطاع الفلاحي
من جانبهم، يرى فاعلون في المجال الاقتصادي بالمنيعة أن المشروع من شأنه “إعطاء دفع قوي للاستثمار، لا سيما في القطاع الفلاحي، من خلال تسهيل نقل المنتجات نحو مختلف ولايات الوطن وربط مناطق الإنتاج بالأسواق الوطنية والموانئ، بما يعزز فرص التسويق والتصدير”.
وسيسمح المشروع أيضا -مثلما قالوا- ب”تسهيل نقل مختلف مستلزمات النشاط الفلاحي والصناعي وتقليص أعباء النقل، الأمر الذي من شأنه دعم تنافسية المنتجات المحلية وتشجيع المستثمرين على توسيع نشاطاتهم”.
هذا وأعرب مواطنون عن ارتياحهم لهذا المشروع الذي أقره رئيس الجمهورية، السيد عبد المجيد تبون، معتبرين إياه “مكسبا استراتيجيا طال انتظاره، لما سيوفره من تسهيلات في التنقل وتحسين ظروف نقل المسافرين والبضائع، فضلا عن مساهمته المرتقبة في تنشيط الحركة التجارية والاقتصادية والسياحية”.
وفي هذا السياق، ثمن محمد بن منصور، ممثل المحافظة الولائية للمجتمع المدني بورقلة, هذا المشروع, معتبرا أنه يشكل “إضافة هامة لسكان الجنوب, لما ينتظر أن يحققه من تحسين لظروف التنقل وتسهيل نقل السلع والمنتجات وفك العزلة عن المناطق الواقعة على مساره”.
بدوره، أبرز السيد عبد القادر. ب، أحد أعضاء جمعية “شمس” بإن صالح، الناشطة في مجال البيئة والتنمية المستدامة، “الأهمية الحيوية” للمشروع في “خفض تكاليف نقل البضائع وتعزيز جاذبية المنطقة للاستثمارات الصناعية، فضلا عن انعكاساته البيئية الإيجابية، من خلال الحد من الانبعاثات الغازية والملوثات الناجمة عن حركة الشاحنات وتخفيف الضغط على شبكة الطرقات، بما يساهم في الحفاظ عليها واستدامتها”.
ومع انتهاء المشروع في الآجال التي حددها الرئيس، تكون صفحة جديدة من التنمية المستدامة قد كتبت؛ فخط السكة الحديدية الرابط بين تمنراست وشمال الوطن ليس مجرد مسار حديدي، بل هو شريان الحياة الاقتصادي الجديد للجزائر. ينجح هذا المحور الاستراتيجي في تذليل العقبات الجغرافية، ليتحول من أداة لفك العزلة إلى رافعة لوجستية وتجارية عملاقة تُحرر الثروات المنجمية والفلاحية للجنوب الكبير. ومن خلال ربط الأقطاب الحيوية كالأغواط وغرداية والمنيعة وإن صالح، يُرسخ المشروع التلاحم الوطني، ويفتح آفاقاً واعدة للاستثمار، لتقف تمنراست كبوابة قارية استراتيجية تقود الاندماج الاقتصادي نحو العمق الإفريقي وتصنع مستقبلًا مشرقًا للأجيال القادمة.

