في 31 أوت 1980، طوت الجزائر صفحة من صفحاتها الفنية الخالدة برحيل الفنان دحمان الحراشي، لكن صوته ظل حاضرًا، يصدح في الأزقة الشعبية، ويملأ أجواء المقاهي القديمة والحفلات العائلية، وكأن الزمن توقف عند لحظة وداعه. واليوم، بعد مرور 45 سنة، يبقى إرثه الفني شاهدًا على عبقرية فنان تجاوز حدود المكان والزمان.
من الحراش إلى قلوب الجزائريين
وُلد عبد الرحمن عمّارني في جويلية 1926 بحي الحراش العريق بالعاصمة الجزائرية، حيّ عُرف بتنوعه الثقافي والاجتماعي. من أزقته وحكايات ناسه استمد لقبه الفني “الحراشي” وأسلوبه البسيط والصادق. في تلك البيئة الشعبية، تعلّم عشق فن الشعبي، ذلك اللون الموسيقي الذي يمزج بين الشعر الأندلسي الراقي وإيقاعات قريبة من وجدان الجزائري البسيط، ليصبح صوتًا لهمومه وأفراحه.
الغربة تلهم الألحان
في الخمسينيات، حمله القدر إلى باريس، حيث كان حيّا القطرة الذهبية وبارباس ملتقى للجالية الجزائرية. هناك، وسط الحنين للوطن وصخب حياة المهاجرين، صاغ دحمان أروع ألحانه التي جسدت مشاعر الغربة والحنين. كانت أغانيه رسائل صادقة تعبّر عن أوجاع المهاجرين وهمومهم، وفي الوقت نفسه تمنحهم جرعة من الأمل والارتباط بالجذور.
«يا رايح».. نشيد أبدي
من بين عشرات الأعمال التي تركها، تبقى أغنية «يا رايح وين مسافر» أيقونة فنية خالدة. أغنية تجاوزت حدود الجزائر لتصبح نشيدًا إنسانيًا عالميًا عن الرحيل والاغتراب والبحث عن الذات. وفي التسعينيات، أعاد الفنان رشيد طه أداءها بنَفَس عصري، ما أعادها إلى الواجهة العالمية، لكنها ظلت في الوجدان الجزائري مرتبطة بصوت دحمان الأصلي الدافئ.
إلى جانب «يا رايح»، رسّخ الحراشي اسمه بأغانٍ لا تقل روعة مثل «غير خدوني» و**«البارح»**، حيث عبّر عن الحب، الغربة، والواقع الاجتماعي بلغة موسيقية صادقة وراقية.
أصالة تتحدى الأضواء
لم يكن دحمان الحراشي من هواة السعي وراء الشهرة أو الأضواء. كانت فنه هو هويته، وصدقه هو سر نجاحه. بصوته المميّز وكلماته العميقة، استطاع أن يخلق جسرًا بين الأجيال، ليظل حاضرًا في ذاكرتهم رغم تغير الأزمنة وتطور أنماط الموسيقى.
رمز ثقافي خالد
بعد مرور 45 عامًا على رحيله، ما زالت أغاني دحمان تُبث في الإذاعات وتُعاد في الأعراس والمهرجانات، شاهدة على مكانته في التراث الموسيقي الجزائري والمغاربي. اليوم، يُدرّس إرثه الفني في المدارس الموسيقية، ويستحضره الباحثون في دراساتهم عن تطور الأغنية الشعبية الجزائرية.
لقد تحوّلت موسيقاه إلى ذاكرة حية، تعبر من الأسطوانات القديمة إلى المنصات الرقمية الحديثة، لتؤكد أن الفن الصادق لا يشيخ ولا يُمحى.
