الدكتور محمد بغداد | مراسلو الجنوب الكبير
فجأة تكفلت الولايات المتحدة الأمريكية وفي ظروف أمنية شديدة التعقيد، بنقل أكثر من عشرة آلاف من قيادات (داعش) من سوريا إلى العراق، في الوقت الذي يقبع في مخيم الهول قرابة مليون طفل من أبناء عناصر (داعش)، يتم إعدادهم برعاية غربية، والتركيز على الطباع العدوانية والسلوكات الهمجية وتضخيم مشاعر الانتقام وطباع التدمير في نفوسهم، ليكون الجيش المستقبلي أهم الوسائل التي يتم بها حماية المشروع الإبراهيمي المتسارعة خطوات تجسيده، من خلال سيناريو إعادة تركيب الرحلة الإبراهيمية من منظور الإنجيلية الجديدة .
الرحلة الإبراهيمية
يراهن قادة المشروع الإبراهيمي على قراءة توراتية لرحلة نبي الله إبراهيم، وهي الرحلة التي ترسم ملامحها الكثير من الأوهام والأساطير التوراتية إلا أنها تشكل في مجموعها الخريطة الإبراهيمية التي يريدون تجسيد المشروع عليها، والتي تمتد من العراق شرقا مرورا بالشام وصولا إلى أرض النيل، وقد تمكنت الإمبراطوريات الإعلامية الغربية المتعاقبة على تسويق هذه الرحلة وجعلها الملاذ التاريخي المستحق، الأمر الذي جعل من فلاسفة الإنجيلية الجديدة أن يؤسسوا عليها الكثير من المخططات والمشاريع.
إن الصياغة التوراتية للرحلة الإبراهيمية، بقدر ما تتمسك بأهداب المحطات والمفاصل التاريخية، بقدر ما تسقط وتفقد القدرة على التوازن في مواجهة الحقيقة التاريخية وبالذات في الجزئيات التفاصيل المشكلة لقاعدتها المعرفية والثقافية، كونها تستمد قوتها وتستند على طاقة المخيال المجروح والقفز بالأوهام على الكثير من المعطيات العلمية الثابتة.
إن المشكلة الأساسية للرواية التوراتية للرحلة الإبراهيمية، تكمن في أسطورة بنيانها، ولكنها تسد ذلك النقص وتتخلص من العيوب عبر صناعة سردية مقنعة لصناع القرار في الغرب وبالذات التيار الإنجيلي منه على وجه الخصوص، وهي السردية التي لا تتوقف عند الجمالية الخيالية والأوهام العابرة، ولكنها تدمج ذلك بالمصالح الكبرى والمنافع الواسعة التي تفتح آفاقها أمام النخب الإنجيلية الغربية، مستندة على طاقة مخابر البحث ومراكز الدراسات المتخصصة، التي تكون قد استكملت سيناريوهات استعادة دلالات الرحلة الإبراهيمية، وانتهت من رسم ملامح هندسة تنفيذها في الواقع.
احتكار الفاجعة
من الأساليب المستخدمة في الإستراتيجية الإبراهيمية في إخضاع منطقة الشرق الأوسط، الاستناد على الم الفاجعة واحتكار منغصاتها، وتحميل المسؤولية للحقب التاريخية لشعوب المنطقة، التي يجب أن تتحمل الأجيال الحالية مسؤولية ما لحق بأصحاب المشروع الإبراهيمي من مآسي _ حسب الخطاب المروج _ ومن الضروري أن تقتنع الأجيال الحالية بتلك المسؤولية وتعيش عقدة الذنب، ويترسخ في أعماق نفسياتها جروحا لا تندمل، وذلك عبر القهر والحصار والاهانة والهزائم المتوالية، فالتيارات السياسية فشلت والهيئات الأهلية تعثرت والنخب الفكرية أفلست والهياكل الإدارية تكلست، ولم تتمكن كل المناهج والسبل من معالجة أوضاعها أو حل مشاكلها.
فمنطقة الشرق الأوسط تتعرض منذ أكثر من مائة سنة إلى حروب وصراعات مدمرة داخلية دمرت فيها أهم قواها الأساسية ولم ترث الأجيال الجديدة سوى الدمار المادي وأسوء القيم الأخلاقية وأوضع السلوكات، وضيقا في الأفق وتشنج في التصرف وعبثية في التعامل وضبابية في التصور، مما جعل الأجيال الجديدة تفقد ثقتها في قدراتها وتستهين بإمكانياتها وتستخف بواقعها، فهي تكره ماضيها وتتوارى منه، ويائسة من مستقبلها، وغاضبة من واقعها.
إن الوضعية الحالية لشعوب الشرق الأوسط تمثل الفرصة المناسبة للشروع في تنفيذ المشروع الإبراهيمي، والتركيز بوجه الخصوص على ضرب القدرات الذاتية والطاقات النفسية في أعماق هذه الشعوب، والرفع من مستوى الاهانة والإذلال لها، حتى تفقد السيطرة على نفسها وتغرق في المزيد من السلوكات الطائشة والعبثية، والتضخيم من مستويات احتكار الفاجعة وتوسيع مساحات عقد الذنب التاريخي لتغرق فيها الأجيال الشرق أوسطية الجديدة.
السم المستعذب
تؤكد الإحصائيات المتوفرة أن مخيم الهول يحتوى على أكثر من ربع مليون عائلة، من عائلات قيادات عناصر (تنظيم داعش)، وهو أحد المخيمات التي تقع في غرب الفرات، وعند التدقيق، فإذا كانت كل عائلة لديها أربعة أطفال، فنحن أمام مليون مقاتل في السنوات القادمة، ويظفر مخيم الهول برعاية غربية وأمريكية على وجه الخصوص، ويلقى من المنظمات الغربية الكثير من الاهتمام، حتى أن احد مراكز الدراسات الغربية يؤكد في احدث دراسة له، إن الأطفال الجدد الذين يتربون في مخيم الهول يبدون أعلى مستويات العنف والعدوانية، إضافة إلى ضيق الأفق والخشونة في التعامل والانعزال عن الواقع.
ويشكل هذا الجيش المستقبلي حسب هذه الدراسة، القوة الضاربة المستقبلية التي يمكن توجيه عدوانها إلى شعوب الشرق الأوسط، وجعلها السلاح الذي يهددها به الغرب من اجل الانصياع إلى مخططاتهم والرضوخ إلى رغبات الشركات الاستثمارية (الاستعمارية)، التي ارتفعت شراهتها في الحصول على المزيد من ثروات المنطقة وخيراتها، وفتح أسواقها للمنتوجات الغربية، ومنع كل محاولة لإقامة تنمية ذاتية أو تطور متصور، ليكون هذا الجيش هو السد المنيع الذي يقف في وجه الأجيال الجديدة ويصادر أحلامها وتطلعاتها المستقبلية.
إن قادة المشروع الإبراهيمي يتقدمهم جاريد كوشنر، يسعون إلى جعل شعوب الشرق الأوسط تدفع ثمن محاولات تملصها من البطش الغربي والعدوان المسلط عليها، من خلال صناعة سلاح قواه قرابة مليون مسلح، الذين ستكون مهمتهم تدمير ما تبقى من قدرات المنطقة، التي ستنتبه أخيرا وقبل فوات الأوان إلى نداءات دريد بن الصمة، الذي سيفشل مرتين، الأولى عندما عجز قومه على فهم تحذيراته، والثانية عندما فقد شعوب المنطقة اليوم إدراك مخاطر توجساته واستمرت في الانجرار وراء الأوهام.
ميزاج الحوافر
إن التمهيد للوصول إلى تجسيد المشروع الإبراهيمي يمر حتما في ذهنية القائمين عليه، بالضرورة على إدخال أكبر قدر من الفوضى والاضطراب على منطقة الشرق الأوسط، ومن أهم الجرعات المتوقعة أن يتم إعادة بعث روح وإحياء الميزاج الصفوي، الذي يجعل من الأضداد له أن تنطلق من عقالها، حتى تتمكن من تجنب المنتظر من المستجدات، وهي الحالة التي تجعل من نخب المنطقة تعيش على طاقة توتر أعصابها، سواء باستعادة الأمجاد التاريخية التي تم الوصول إليها عبر الاصطبار الذكي في التعامل مع الذهنية التجارية لقادة المشروع الإبراهيمي، أو من خلال الاستفادة من الضغوط التي تمارس على التيار المتحصن بالثقيل من التعبئة النفسية لمنطقة غرب آسيا.
سيكون على الميزاج الصفوي بمختلف تكتلاته وتوجهاته وتجلياته وإيديولوجياته وتمظهراته، أن يواجه أكثر من عشرة الألف مسلح تم نقلهم إلى الصفوف الأمامية، حتى أن بعض المغامرين والمتعجلين بتجسيد المشروع الإبراهيمي، يطالب بإعادة تشكيل تلك المشاهد الدموية التاريخية التي عاشتها المنطقة وبالذات في القرنين السابع والسادس عشر الميلادي، حتى يمكن للعالم أن تتفرج شعوبه على الفجائع المتصورة، وهناك يمكن أن تفرض رؤية المشروع الإبراهيمي، من خلال رفع مبررات القراءة الإنجيلية الجديدة لمضامين الرحلة الإبراهيمية، التي يراد منها توراتيا إنقاذ المنطقة من كل ما يمكن أن يشكل عائقا في طريقها.
