الدكتور محمد بغداد | مراسلو الجنوب الكبير
إن ما يثير الانتباه في الأحداث العسكرية الأخيرة الجارية في دولة مالي، ليس الجوانب العسكرية والأمنية، وإنما المثير للاهتمام أن نسبة التسعين في المائة من أخبار هذه الأحداث تتحكم فيها عدد من الشركات الإعلامية الغربية التي لا تتجاوز عدد أصابع اليد الواحدة، وهي المؤسسات التي تهيمن على (صناعة الأخبار)، وتستثمر في تسويقها، سواء عبر الأساليب الإعلامية التقليدية، أو عبر الموجة الاتصالية الزاحفة، وهي بذلك تتجاوز مستوى الأرباح الاقتصادية والثمرات المالية الضخمة، وإنما تعمل على صياغة واقع ومصير، ليس الأحداث الأخيرة وإنما لمنطقة الساحل الإفريقي برمتها.
خطاب الحروب
إن التطورات العسكرية التي تشهدها دولة مالي يفترض أن ينظر إليها في إطار مقاربة فكرية لمفهوم الحروب الحديثة التي تشهدها منطقة الساحل الإفريقي، وذلك عبر اختراق ما ورائيات الترهيب والخطاب المتشظي، على اعتبار أن ما يحدث في المنطقة وما هو متوقع لها لا ينحصر في شمال مالي فقط، بل يمتد من الصومال شرقا، وتصل إلى نيجيريا غربا، مرورا بالسودان وجنوب ليبيا، مما يجعل من رقعة الساحل الإفريقي، أوسع بكثير من تجسيد مفهوم الحروب الحديثة، وتكون منطقة قد صارت أقرب إلى مخزن بارود، شرارته ستتجاوز المتصور لها.
إن منطقة الساحل الإفريقي التي تتعاظم أزماتها يوميا، ويتوسع الجدل السياسي والإعلامي بشأنها، وتوضع على طاولة كبار صناع الحروب والأزمات من مخابر وأروقة منظمات دولية ودهاليز الشركات العابرة للقارات، يجعل منها القضية الأهم والأزمة الكبرى ليس الشمال الإفريقي، بل في إفريقيا برمتها، لأن تداعيات هذه الأزمة تكاد تعصف بعدد من أسس وقواعد الأمن والاستقرار للقارة برمتها، وهو ما تؤكده العديد من الدراسات الإستراتيجية والتقارير المتخصصة في الأزمات الدولية، وهي التقارير والدراسات التي تمولها الشركات العابرة للقارات والتي تسعى إلى توسيع نطاق الحروب وتوسيع مساحات الأزمات والاضطرابات خاصة في المناطق الرخوة من العالم، عبر نهج استعارا الحروب الدائرة فيها، وتعميم الطريقة الايرلندية التي تعتمد على طول المدى واللامتناهية، مما يتطلب الاتجاه نحو جدية في الرصد الدقيق للتحولات الكونية الجاري العمل على تجسيدها في الواقع.
ان المفاهيم التي فرضت نفسها اليوم في مجال الصراعات الدولية توجب الانتباه إلى فنون إدارتها في الواقع والطاقات التي تستند عليها والأساليب التي تمارسها، وبالذات الطاقة الإعلامية التي أصبحت العامل الحاسم في هذه الأوضاع، وهو الأمر الذي يوجب إن تكون الأطراف الممارسة والمنخرطة في الأزمات أو المتابعة والمهتمة بها، على دراية واسعة ومهارة كبيرة في فهم أبعادها وإدراك مخاطرها.
الادارة الاستباقية
إن التطورات الخطيرة التي تعرفها منطقة الساحل الإفريقي، يفترض أن يتم التعامل معها (وبالذات إعلاميا) وفق مقاربة منهجية متبصرة بخلفيات وأبعاد نمط الصراع الذي يراد فرضه في المنطقة، عبر تجنب الموجة الزاحفة لأخبار المعارك العسكرية، وتفاصيل الميدان الأمنية، وهو المنهج الذي يفترض أن تشتغل عليه المهتمون بالتطورات الحالية وما يمكن أن تتجه إليه الأحداث، بالتركيز على موضوع السلوك السياسي للأطراف المؤثرة في الأزمة، سواء تلك الأطراف المشاهدة مباشرة أو تلك الأطراف المتحكمة في إدارته والتأثير في اتجاهاتها من بعيد، وهي السلوكات التي أصبحت اليوم ممارسة وبطرق وأساليب معقدة ، عبر الاعتماد على الطاقات التكنولوجية التي لا تراعى سوى مصالح الأطراف المتحكمة فيها.
إن الأزمة العسكرية والأمنية في منطقة الساحل الإفريقي، مرشحة للتمدد والتعقيد من الصومال شرقا وتصل إلى نيجيريا غربا، مما يجعلها أوسع بكثير مما يتصور البعض من الذين يعتقدون أن الجماعات المسلحة محدودة النشاط في منطقة محدودة، أو الجماعات والكيانات والتنظيمات المنخرطة مباشرة في الصراعات، ما يستدعي تكاتف جهود كافة دول الجوار سيما مع شساعة منطقة الساحل (تربو عن 660 ألف كيلومتر مربع)، ما يفرض تنسيقا شاملا يكفل تحييد جيوب التعفين وعدم ترك الفضاء متاحا لمن يريدون الاستثمار في الأزمة وجر الساحل نحو مناخ راديكالي، يكون في النهاية الحجة التي تستند عليها الأطراف الغربية ليس في ممارسة الابتزاز المعهود وإنما في السعي إلى الاستحواذ القهري على المنطقة وإعادة هندسة معالمها الأساسية.
إن المشهد العام الذي يراد الترويج له في المدة الأخيرة عبر الأحداث الجديدة، تعمل الكثير من الأطراف المتحكمة في (صناعة الأخبار) إلى التركيز على ما يعرف بتعاظم نشاط ما يسمى بالقاعدة، بالتزامن مع اتساع نشاط جماعتي أنصار الدين والتوحيد والجهاد، و جماعة نصرة الإسلام والمسلمين، وكذا قبائل المنطقة، بهذا الشأن، تعتمد الأزمة المتعاظمة على مزيج من الثقافة الدينية، والطموحات المعيشية لإنسان المنطقة، في وقت يسعى أتباع التيارات والجماعات الأخرى إلى افتكاك مكانة في إدارة المنطقة، على نسق يضاهي النماذج المتداولة في بعض مناطق العالم، بينما تتوقع حركة الجماعات الدينية كشبح حقيقي، تبعا لجمعها بين أساليب عنفية، وهوس التسلط المستعر لدى فئات اجتماعية متعددة.
خريطة الساحل
إن الأحداث الأخيرة في مالي تستوجب الانتباه إلى ضرورة الأخذ بعيد الاعتبار الخطاب الإعلامي المتداول حول راهنية منطقة الساحل الإفريقي، على أساس أن هذا الخطاب المبستر تتحكم فيه مجموعة قليل من المؤسسات الغربية المهيمنة على جزئيات وتفاصيل الأحداث، وهي التي تهيمن على آليات تسويقه عبر مستويات من الذكاء والتلاعب مستثمرة الموجة الاتصالية الزاحفة واليات الخوارزميات القاهرة، ما يجعل أخبار المنطقة لا تنال حظها من الوضوح والفهم وهو الأمر الذي يورط الكثير من الخطابات السياسية في أوحال التيهان والتململ والاضطراب، إلى جانب استمرار تغييب دوائر القرار الرسمي للقوى الحية في المجتمع، والمثقفين والمؤسسات.
إن السيناريوهات المتوقعة لمستقبل الأزمات في منطقة الساحل الإفريقي، سواء تدخل الغرب مباشرة، أو نجحت دول الطوق في تحييد تداعيات الأزمة، سيجعل من النموذج الأفغاني هو ما تحبذه بعض القوى الدولية ، لا سيما وأن التماثل حاصل بالمنظور الجغرافي، والاجتماعي والاقتصادي، مما يفتح المجال واسعا أمام ما تستهويه الأجيال الجديدة المحطمة والمقهورة، والمحاصرة بالهواجس الأمنية التقليدية في المنطقة.
إن الخشية اليوم من تداعيات أحداث مالي وما يتوقع أن تشهده منطقة الساحل الإفريقي، يجعل من دول المنطقة الخاسرة الأكبر فيما يحدث، وهو سيناريو قد يصل إلى درجة زوال بعض الدول الفاقدة لأي تصور حقيقي للخروج من الأزمة، في الوقت الذي يسيل فيه لعاب عدد من القوى الغربية على ثروات منطقة الساحل، على خلفية ما تكتنزه الأخيرة من معادن نادرة، وعليه يخطط الغرب لتنفيذ تقسيمات كولونيالية متجددة تطال منطقة الساحل ومن ورائها القارة السمراء، وهو ما يفسر سعي دول غربية لإيجاد مسوغ لتدخلها عسكريا على سبيل التموقع.

