يحتل المولد النبوي الشريف في مدينة جانت مكانة روحية واجتماعية فريدة، حيث يجتمع فيه البعد الديني مع الامتداد الثقافي والتاريخي، فتتشكل فسيفساء من الطقوس والعادات التي تمنح هذه المناسبة طابعا متجذرا في الوجدان الجمعي، يتوارثه الأبناء عن الآباء جيلا بعد جيل. ولا تكاد القصور التاريخية لجانت، أجاهيل والميزان وزلواز، تخلو من أصوات المدائح والأذكار في شهر ربيع الأول، حتى يغدو الشهر برمّته موسوما باسم “ربيع الأنوار” أو تالِّيت أرغت، بما يحمله من بشائر ميلاد خير البرية محمد صلى الله عليه وسلم.
لقد بات الاحتفال بالمولد، الذي يطلق عليه محليًا تسمية “تويت” و”إيسم”، من أبرز العادات الاجتماعية والدينية المتأصلة في وجدان أهل جانت، فهو ليس مجرد ذكرى عابرة بل تقليد متواتر يرسخ القيم الدينية ويعيد إنتاجها في فضاء اجتماعي واسع. وخلال هذه الليالي المباركة، تتحول المساجد والساحات إلى مسارح للإنشاد والمدائح، حيث تُقرأ المدائح النبوية والقصائد المتقبلة مثل الغشراني والبغدادي وتيجيتلين بألحان شجية تلامس الأرواح، فيتداخل الصوت والحرف واللحن ليصنع سمفونية مقدسة تثير في النفوس البهجة والطمأنينة.
منذ ولوج الإسلام إلى الصحراء الكبرى، وجد الناس في هذه الذكرى مناسبة يجتمعون حولها، يرون فيها يوما من أيام السرور، يوقدون فيه الشموع ويوزعون الصدقات وتُقام فيها الولائم. وقد رسّخت هذه الممارسات الاعتقاد بأن المولد ليس مجرد عادة بل هو “عيد من أعيادهم المجيدة”، مرجعيتها القرآن والسنة وعرف متواتر لا يمكن مخالفته. ومع مطلع ربيع الأول، تنطلق الاحتفالات التي تستمر قرابة ثمانية عشر يوما، تُخصَّص لقراءة القصائد الوترية والمدائح، حتى أبدع سكان جانت في تلحين الحروف التسعة والعشرين لتُصبح ذات نغم روحاني فريد، فكل حرف له مقام، وكل مقام يفتح بابا للتأمل.
ويُقسّم أهل جانت هذه الذكرى إلى مرحلتين أساسيتين، الأولى تسمى “تويت”، وهي ليلة الثاني عشر من ربيع الأول، حيث يسهر الجميع على قراءة القصائد الدينية حتى الفجر. تُقرأ خلالها نصوص “المولد” نفسها التي كان يقرؤها المسحراتي في رمضان، ثم تتوالى القصائد الوترية، نصفها قبل وجبة العشاء، ونصفها بعد العودة إلى المسجد. كانت هذه الليلة الطويلة تضيء القلوب رغم غياب الكهرباء والإنارة في الماضي، فالكلمة واللحن وحدهما كانا مصباحا كافيا. أما المرحلة الثانية فتسمى “إيسم”، أي يوم التسمية، وتوافق السابع عشر من ربيع الأول. في هذا اليوم يفد الجميع، صغارا وكبارا، شيوخا ونساء وأطفالا، إلى المساجد منذ صلاة الفجر، يجلسون في حلقات متكاملة، يتناوبون على قراءة القصائد والمدائح بألحان جماعية عذبة، بينما تتولى النسوة تحضير الصدقات والهبات وتقسيمها على الفقراء. يتواصل الذكر والإنشاد طيلة النهار، حتى يغدو المولد ذروة اجتماعية ودينية تعكس قوة الروابط الأسرية وترسّخ قيم التضامن والتكافل.
ومن أبرز ما يميز هذه الاحتفالية حضور القصائد الوترية التي تُعتبر نصوصا مقدسة في الوعي الجمعي، تُقرأ وفق تسلسل أبجدي يشمل الحروف كلها. في جلسات الترديد، تتنقل الأصوات من حرف إلى آخر، في ترنح جماعي يبعث السرور والطمأنينة، حتى يبلغوا حرف القاف حيث يقف الجميع في لحظة صمت وخشوع قبل أن يستأنفوا الإنشاد. إنها موسيقى الحروف لا موسيقى الآلات، حيث يصبح الصوت البشري هو الأداة والروح هي الوتر. تتحول هذه النصوص إلى كيانات حية “تسافر فرحًا وترجع سرورا”، فتربط المسلم الجانتي بسيرة النبي صلى الله عليه وسلم وتعمّق لديه القناعة بالاقتداء به. وقد عبّر أهل جانت عن هذه التجربة الروحية بقولهم إن الحروف تصبح ذهبية في ليلة المولد، لأنها تنطق بالمديح وتفيض بالدلالة.
ولا يقتصر المولد على الجانب الديني فحسب، بل يحمل أبعادا اجتماعية وإنسانية واضحة، فهو مناسبة يلتقي فيها الجميع فينصهر الفقير مع الغني والشاب مع الشيخ في أجواء من المحبة والترابط. وتلعب النساء دورا بارزا في هذه المناسبة، فإلى جانب إعداد الطعام، يتولين توزيع الصدقات والهبات على العائلات المحتاجة، مما يعكس مكانتهن في نسج خيوط التكافل الاجتماعي. ومن خلال هذه الطقوس، يتحول المولد إلى فضاء تربوي حي، يتعلم فيه الأطفال قيم التضامن والإيثار ويحفظون القصائد والمدائح التي ستصبح جزءًا من ذاكرتهم الدينية والثقافية، وهكذا يتوارث المجتمع الجانتي هذه العادة باعتبارها مدرسة تربوية وروحية.
وقد تركت الذاكرة المحلية شهادات حيّة عن هذه الاحتفالية، من أبرزها ما يذكره الشيخ علي لوالي رحمه الله، الذي كان من كبار شيوخ جانت، إذ روى أن المولد كان يُحيى رغم بساطة الوسائل وغياب الإنارة، حيث يسهرون على قراءة القصائد حتى الصباح ثم يوزّعون الطعام على الجميع، في مشهد يختزل روح الجماعة ويُبرز قيمة المولد في النفوس. شهادته تعكس أن المولد لم يكن مجرد عادة موسمية بل ممارسة دينية واجتماعية متجذرة في الهوية الجماعية للمدينة.
وعند التعمق في الأبعاد الرمزية، يظهر أن المولد النبوي الشريف في جانت يمثل فضاءً جامعا للروح والجسد، للتراث والدين، للماضي والحاضر. فهو مناسبة تعيد إنتاج النصوص الدينية في سياق اجتماعي حي، فتحوّل القصائد إلى وسائط نفسية تُشبع الوجدان وتمنح السكينة. كما أن اجتماع الناس في المساجد والساحات يعيد صياغة العلاقات الاجتماعية ويقوي روابط القرابة والجوار. وهكذا يصبح المولد أكثر من مجرد ذكرى دينية، إنه نص مفتوح على التأويل، نص يربط الفرد بجماعته، ويربط الجماعة بالرسول صلى الله عليه وسلم، ويربط الماضي بالحاضر في انسجام بديع.
إن المولد النبوي الشريف في جانت،أيها السادة، بكل طقوسه وجمالياته، ليس مجرد عادة موسمية، بل هو تعبير عميق عن هوية ثقافية وروحية متجذرة. فمن خلال “تويت” و”إيسم”، ومن خلال القصائد الوترية مثل الغشراني والبغدادي وتيجيتلين، تتشكل سمفونية مقدسة تجعل من ربيع الأول ربيع أنوار يضيء النفوس قبل الأماكن. وهو طقس يختزن في طياته تاريخا طويلا من الإيمان والذاكرة، ويكشف كيف يستطيع المجتمع الجانتي أن يحوّل النصوص الدينية إلى ممارسات اجتماعية والدين إلى حياة. فالمولد ليس احتفالاً بميلاد النبي صلى الله عليه وسلم فحسب، بل هو ولادة متجددة للقيم، للتكافل، وللجمال الروحي الذي يجعل هذه المدينة الصحراوية تزهر كل عام بأنوارها الخاصة.

