د- أحمد سرحان | مراسلو الجنوب الكبير
يظلّ اسم اليمين زروال محفورًا في الذاكرة الوطنية الجزائرية كواحد من أكثر الشخصيات السياسية والعسكرية تعقيدًا وهدوءًا في آنٍ واحد، رجلٌ خرج من صمت الجندية إلى صخب الدولة، ثم عاد إلى صمته بنفس الزهد الذي دخل به. لم يكن حضوره صاخبًا ولا خطابه ثوريًا بالمعنى التقليدي، لكنه كان، في لحظة من أخطر لحظات الجزائر، ضرورة تاريخية أكثر منه خيارًا سياسياً.
وُلد اليمين زروال سنة 1941 في بلدية باتنة، في قلب الأوراس، تلك المنطقة التي كانت دائمًا خزّان الثورة وروحها الأولى. نشأ في بيئة بسيطة، تشبّعت بالقيم الوطنية وبذاكرة المقاومة، حيث لم تكن الوطنية شعارًا يُرفع، بل أسلوب حياة يُمارس. في تلك الأرض التي أنجبت رجالًا من طراز خاص، تفتّحت شخصية زروال على معاني الانضباط والالتزام، وهو ما سيلازمه طوال مسيرته.
التحق بالجيش مبكرًا، وتكوّن تكوينًا عسكريًا صارمًا، داخل الجزائر وخارجها، حيث تلقى تدريبات في الاتحاد السوفياتي، ما جعله من الضباط المحترفين الذين يجمعون بين الصرامة النظرية والخبرة الميدانية. لم يكن زروال من أولئك الذين يسعون إلى الواجهة، بل كان يعمل في الظل، يتدرج في المسؤوليات بهدوء، ويكتسب ثقة المؤسسة العسكرية دون ضجيج.
في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، تولّى مناصب عسكرية مهمة، أبرزها قيادة القوات البرية. كان يُعرف بين زملائه بصرامته المهنية، وبعده عن الحسابات السياسية الضيقة. لكن مسيرته لم تكن خطية؛ إذ دخل في خلافات مع بعض مراكز القرار، ما دفعه إلى مغادرة الجيش لفترة، في واحدة من اللحظات التي كشفت عن طبيعته المستقلة ورفضه للانخراط في صراعات السلطة.
غير أنّ التاريخ كان يعدّ له دورًا أكبر. ففي بداية التسعينيات، دخلت الجزائر واحدة من أحلك فتراتها، فيما عُرف لاحقًا بـ”العشرية السوداء”، حيث تداخلت السياسة بالعنف، وانزلقت البلاد إلى دوامة من الدم والخوف. في تلك اللحظة الحرجة، لم تعد البلاد تبحث عن زعيم تقليدي، بل عن رجل توازن، قادر على الإمساك بالخيوط دون أن يقطعها.
في عام 1994، عاد زروال إلى الواجهة، حيث عُيّن رئيسًا للدولة في مرحلة انتقالية. لم يكن هذا التعيين تتويجًا لمسار سياسي، بل استجابة لفراغ خطير. كان عليه أن يقود دولة تتآكل مؤسساتها، وشعبًا يعيش تحت وطأة الخوف، ومشهدًا سياسيًا منقسمًا إلى حدّ التناحر.
ما ميّز زروال في تلك المرحلة هو اختياره طريق الحوار، في وقت كان فيه السلاح هو اللغة السائدة. أطلق مبادرات سياسية، أبرزها محاولة فتح قنوات اتصال مع مختلف الأطراف، بما في ذلك بعض التيارات الإسلامية، في خطوة جريئة آنذاك. لم يكن هدفه تبرير العنف، بل احتواؤه، ومحاولة إعادة السياسة إلى مكانها الطبيعي.
في سنة 1995، نُظّمت انتخابات رئاسية تعددية، فاز بها زروال، ليصبح رئيسًا منتخبًا. كانت تلك الانتخابات رسالة بأن الدولة لا تزال قائمة، وأن المسار الديمقراطي، رغم كل شيء، لم يمت. ورغم الظروف الأمنية الصعبة، استطاع أن يفرض حدًا أدنى من الاستقرار، وأن يعيد بعض الثقة إلى مؤسسات الدولة.
لكن زروال لم يكن رجل سلطة بالمعنى التقليدي. لم يسعَ إلى تثبيت حكمه، ولا إلى توسيع نفوذه. بل على العكس، فاجأ الجميع سنة 1998 بإعلانه الاستقالة وتنظيم انتخابات رئاسية مبكرة. كان ذلك القرار من أكثر القرارات ندرة في العالم العربي.
هذا الانسحاب الطوعي فتح الباب أمام انتقال سلمي للسلطة، وأرسل رسالة قوية بأن الدولة ليست ملكًا لأحد، وأن التداول على الحكم ممكن، حتى في أكثر الظروف تعقيدًا. وبعد مغادرته الرئاسة، عاد زروال إلى حياته الخاصة، رافضًا كل أشكال الظهور الإعلامي أو التدخل السياسي، ليكرّس صورة رجل الدولة الزاهد.
يمكن القول إن تجربة زروال تمثل نموذجًا خاصًا في التاريخ السياسي الجزائري. فهو لم يكن زعيمًا جماهيريًا، ولا خطيبًا مفوهًا، لكنه كان رجل مرحلة بامتياز. قوته لم تكن في الكاريزما، بل في القدرة على اتخاذ قرارات صعبة في صمت، وفي التمسك بمبدأ الدولة فوق كل اعتبار.
لقد واجه تحديات هائلة: الإرهاب، الانقسام السياسي، الضغوط الداخلية والخارجية، لكنه حاول أن يدير تلك الأزمات بأقل قدر ممكن من الخسائر. صحيح أن تجربته لم تكن خالية من الانتقادات، وأن بعض مبادراته لم تحقق كل أهدافها، لكن ذلك لا يقلل من أهمية الدور الذي لعبه في منع انهيار الدولة.
يبقى زروال رمزًا لفكرة نادرة في السياسة: أن السلطة ليست غاية، بل مسؤولية مؤقتة. وأن الانسحاب، في بعض الأحيان، قد يكون أكثر قوة من البقاء. في زمنٍ يُقاس فيه النجاح بطول البقاء في الحكم، اختار هو أن يُقاس بعمق الأثر الذي يتركه.
لقد كان اليمين زروال رجل الظل الذي أضاء مرحلة، ثم اختفى تاركًا خلفه سؤالًا مفتوحًا: هل يمكن للسياسة أن تكون أخلاقًا؟ وربما كانت سيرته، بكل ما فيها من صمت وانضباط، محاولة للإجابة عن هذا السؤال.
في الذاكرة الجزائرية، سيظل اسمه مرتبطًا بتلك اللحظة الفارقة، حين كانت البلاد على حافة الهاوية.
رابط دائم: eljk.me/bwkt

