في زمنٍ تتسارع فيه الإيقاعات وتتداخل فيه الثقافات، يصبح الفن أكثر من مجرد رسومات أو ألوان توضع فوق قماش، يصبح حالة وعي، وأداة مقاومة، وصوتًا للهوية، وجسرًا يصل الإنسان بجذوره الأولى، وفي موريتانيا، البلد الذي يحمل ذاكرة الصحراء وعمق الحضارات المتعاقبة، تظهر فنانة تشكيلية شابة استطاعت أن تمنح التراث الموريتاني حياة جديدة عبر لوحاتها، إنها رقية سيدي محمد النمين، التي اتخذت من الفن ملاذًا ومن الريشة صوتًا ومن الألوان وسيلة لإحياء ما يخشى أن يُنسى.
- فنانة وُلدت مع الفن.. وامتد شغفها إلى الحاضر
- التراث.. ليس مجرد مصدر إلهام بل مشروع حياة
- علاقة الفنان بالهوية.. بين الحب والمسؤولية
- الرموز والعادات.. ذاكرة تُزهر في اللوحة
- الفن في مواجهة الاندثار: حين تصبح الريشة واجبًا وطنيًا
- اللغة البصرية.. جسر يفهمه العربي والأجنبي
- الفن الإنساني.. صوت لمن لا صوت لهم
- الألوان والخطوط.. عندما تصبح المشاعر أوضح من الكلمات
- الفن مرآة المجتمع.. واللوحة شاهد على التحولات
- من القماش إلى الشاشة.. حين يدخل الفن عالم المحتوى الرقمي
- هل يجب على الفنان أن يكون صانع محتوى؟
- التحديات.. طريق الفنان ليس مفروشًا بالألوان
- رسالتها الفنية.. وفخر الزي التقليدي
- طموحات تتجاوز الحدود.. نحو العالمية
- حين يتحوّل التراث إلى مستقبل
تعرّف رقية نفسها بكلمات بسيطة لكنها تحمل في معناها مشروعًا كاملاً: أنا فنانة تشكيلية أعبّر بريشتي عن مزيج من التراث والهوية والإنسان.
وأمام هذه الجملة تبدأ حكاية فنانة تؤمن بأن الفن رسالة قبل أن يكون تقنية، وأن الهوية هي المادة الخام لكل إبداع صادق.
فنانة وُلدت مع الفن.. وامتد شغفها إلى الحاضر

لا تتذكّر رقية فترة في طفولتها لم تكن تمسك فيها قلمًا أو ترسم على ورقة، تقول إنها كانت ترى في الرسم صديقًا يعكس عالمها الداخلي، منذ طفولتها كانت تفهم الأشياء من خلال الألوان، وتشعر بالراحة عندما تترجم خواطرها إلى خطوط وتفاصيل.
ومع مرور الوقت، بدأ الشغف يتبلور، لكن التحول من الهواية إلى المسار الفني لم يبدأ إلا قبل خمس سنوات، حين قررت أن تمنح ذاتها الفرصة، وأن تطوّر موهبتها عبر التعلم والممارسة والانفتاح على تجارب الفن.تقول: كان الشغف بالرسم رفيقي منذ نعومة أظافري. لكن السنوات الخمس الأخيرة كانت نقطة التحول التي قررت فيها أن أبدأ طريقًا حقيقيًا في الفن التشكيلي.
البداية لم تكن سهلة، فالدخول إلى عالم الفن في موريتانيا يحتاج إلى قدر من الشجاعة، خاصة مع قلة المعاهد والدعم المؤسساتي، لكن رقية انطلقت بجرأة، مدفوعة بحبها للريشة ورغبتها في التعبير عن حبها لتراث بلدها.
التراث.. ليس مجرد مصدر إلهام بل مشروع حياة
من أهم ما يميز مسار رقية هو تركيزها العميق على التراث المحلي، فهي لا تتعامل معه كزخارف أو رموز تُضاف للوحة، بل تراه جذورًا للهوية ومصدرًا لا ينضب للإلهام، فاهتمامها بالتراث الموريتاني هو مبدأ تؤمن به، ترى في الفن وسيلة لتعريف العالم بتراث موريتانيا العريق الذي يستحق أن يُروى.
لا يكفي برأيها أن ترسم لوحة جميلة، المهم أن تكون تلك اللوحة نافذة يرى من خلالها المتلقي صورة بلد قد لا يعرف عنه الكثير، فموريتانيا بالنسبة لها ليست صحراء فسيحة فقط، بل هي قصص، ورموز، وأزياء، وموسيقى، وعادات، وتاريخ طويل من التنوع الثقافي.
تحرص رقية على دراسة كل رمز قبل أن تضعه في لوحتها، تبحث في كتب التراث، تتأمل القصص الشعبية، وتعود إلى الأزياء التقليدية ذات الخصوصية العالية، وهو ما يجعل أعمالها بمثابة فصول فنية من كتاب الهوية الموريتانية.
علاقة الفنان بالهوية.. بين الحب والمسؤولية

تقول رقية بثقة وهدوء: علاقتي بالهوية الموريتانية علاقة حب واعتزاز. أرى أنه من واجبي كمواطنة وفنانة أن أُسهم في الحفاظ على هذه الهوية بكل ما أملك من طاقة وإبداع.
هذا الارتباط العميق الذي تعبر عنه الفنانة ليس مجرد شعور عاطفي، بل هو فلسفة كاملة، فهي ترى أن الفنان لا يستمد قيمته فقط من مهارته التقنية، بل من قدرته على أن يكون مرآة لمجتمعه ومعبّرًا عن ذاكرته، ولذلك، تأتي أعمالها محملة بملامح موريتانية واضحة: الزي التقليدي، الحلي الفضية، ملامح النساء الصحراويات، الألوان الدافئة، تفاصيل الموروث البدوي، وأجواء الحياة اليومية، تلك التفاصيل ليست عشوائية، بل تُختار بعناية لتجسد ملامح هوية تحرص الفنانة على تقديمها للعالم بشكل مشرف.
الرموز والعادات.. ذاكرة تُزهر في اللوحة
عندما ننظر إلى أعمال رقية، نلاحظ أن الرموز التراثية ليست مجرد ديكور، إنها تحمل معنى وتاريخًا، فهي تستلهم تفاصيل لوحاتي من عمق التاريخ الموريتاني ومن التراث الشعبي، دائمًا تعود إلى الجذور لتستوحي الرموز التي تشكل هوية أعمالها.
من هذا المنطلق، تتعامل الفنانة مع التراث بطريقة فيها الكثير من الاحترام والبحث، فهي لا تكرر الرموز كما هي، بل تعيد صياغتها ودمجها في رؤية معاصرة، فتبدو وكأنها تُعيد الحياة لقطع من الذاكرة الشعبية.
الفن في مواجهة الاندثار: حين تصبح الريشة واجبًا وطنيًا
ترى رقية أن الفن ليس رفاهية، بل وسيلة لإنقاذ الإرث الثقافي من الضياع. فالفن حسبها مرآة الذاكرة، من خلاله يمكن إحياء الثقافة المحلية وجعلها واجهة مشرفة تعبر عن الأصالة. وتضيف، أن الموروث عندما لا يجد من يوثّقه أو يحميه أو يطرحه في أعمال فنية، قد يذوب في زحمة الثقافات الوافدة، وهنا يأتي دور الفنان كمؤرخ بصري، يحفظ ويروي ويعيد تقديم الجمال للأجيال القادمة.
اللغة البصرية.. جسر يفهمه العربي والأجنبي

عندما تُسأل إن كان المتلقي العربي أو الأجنبي قادرًا على فهم خصوصية التراث الموريتاني عبر لوحاتها، تجيب دون تردد: نعم، فالفن لغة عالمية توصل الرسالة دون كلمات.
اللون، الخط، الحركة، الرموز… كلها أدوات عالمية يستطيع المتلقي قراءتها مهما كانت ثقافته، ولذلك، تفتخر رقية بأن أعمالها تصل بسهولة إلى الجمهور خارج موريتانيا، لأنها تحمل جوهر الإنسان نفسه قبل أن تحمل رموز بلدها.
الفن الإنساني.. صوت لمن لا صوت لهم
إلى جانب اشتغالها على التراث، تستثمر رقية فنها في معالجة قضايا إنسانية واجتماعية، فهي أسعى لتسليط الضوء على قضايا تمس الإنسان مثل قضية الاغتصاب أو القضية الفلسطينية، كما ترى أن الفن يمكن أن يكون وسيلة للمقاومة، وللتوعية، ولإظهار ما يعانيه الإنسان في صمت، لذلك، فهي توظف الألوان بطريقة تعكس الألم أو الأمل أو الصمود، وتستخدم الخطوط كرسائل بصرية تسكن الذاكرة.
الألوان والخطوط.. عندما تصبح المشاعر أوضح من الكلمات
تعتمد رقية في أعمالها على اختيار الألوان لا باعتبارها جماليات فقط، بل باعتبارها لغة كاملة. تقول: أتعامل مع اللون والخط كأدوات قوية تُترجم الإحساس وتخدم الفكرة، فاللون الحار يعكس الانفعال، واللون البارد يشير إلى السكون، والخطوط الانسيابية تمثل الحنان أو الأنوثة، بينما الخطوط القاسية قد تعكس الألم أو الصراع، هذا الوعي البصري يجعل لوحاتها مشحونة بالدلالات، قادرة على الوصول إلى المتلقي دون الحاجة إلى شرح طويل.
الفن مرآة المجتمع.. واللوحة شاهد على التحولات
تؤكد رقية أن أعمالها تتأثر بالأحداث والتغيرات داخل المجتمع الموريتاني فأعمالها تواكب نبض المجتمع وتعكس التغيرات الاجتماعية والثقافية، فالفن مرآة الواقع وصدى للتحولات، وبهذا المعنى، يصبح الفنان جزءًا من دورة الحياة، يحرّك وجدان المجتمع ويستجيب له في الوقت ذاته.
من القماش إلى الشاشة.. حين يدخل الفن عالم المحتوى الرقمي
لا يقتصر حضور رقية على اللوحات التقليدية، فهي ناشطة أيضًا في صناعة المحتوى البصري على المنصات الرقمية.
توضح لجريدة الجنوب الكبير أن هدفها إدخال الفن التشكيلي إلى دائرة الاهتمام الرقمي، مجتمعنا حسبها يحتاج من يعرّفه بهذا الفن بلغة قريبة وبسيطة، كما أن المحتوى الرقمي بالنسبة لها ليس رفاهية، بل ضرورة في عصر أصبحت فيه الهواتف الذكية نافذة العالم، تستخدم هذه الوسائط لشرح تقنيات الرسم، تقديم أفكار، مشاركة تجارب، وتشجيع الشباب على دخول عالم الفن.
هل يجب على الفنان أن يكون صانع محتوى؟

تجيب رقية عن هذا السؤال للجنوب الكبير أنها تدعم إلى حد ما أن الفن محتوى في الأساس، ومع الإبداع في تقديمه يمكن الوصول إلى جمهور أوسع، وترى أن الفنان الذي يرفض التكنولوجيا قد يحد من انتشار أعماله في زمن أصبحت فيه الرقمنة لغة العصر.
التحديات.. طريق الفنان ليس مفروشًا بالألوان
تواجه رقية جملة من التحديات داخل موريتانيا، أهمها: ارتفاع أسعار أدوات الرسم وضعف البنية الفنية المؤسسية بالإضافة غياب المعاهد المتخصصة وكذا قلة الوعي المجتمعي بالفنون التشكيلية، قائلة بأسف أن ما زال البعض يرى الفنان مجرد هاوٍ وليس مبدعًا يحمل رسالة.
لكنها رغم ذلك ترى أن الحركة التشكيلية الموريتانية في تطور، وأن المواهب الجديدة قادرة على تحقيق الكثير إذا وجدت الدعم.
رسالتها الفنية.. وفخر الزي التقليدي
تحمل رقية رسالة واضحة في فنها: إبراز التراث الموريتاني، وخاصة الزي التقليدي الذي تحرص على دمجه في لوحاتها، ترى أن الثوب الموريتاني ليس مجرد قطعة قماش، بل رمز ثقافي وجمالي يستحق الاحتفاء.
طموحات تتجاوز الحدود.. نحو العالمية
وعن تطلعاتها المستقبلية تقول: أطمح أن يصل فني إلى العالمية، وأن أُمثل بلادي خير تمثيل في المحافل الدولية، كما أسعى لأن أكون من أبرز صناع المحتوى الفني في العالم العربي.
حين يتحوّل التراث إلى مستقبل
رقية سيدي محمد النمين ليست مجرد فنانة، بل مشروع ثقافي كامل، فهي تجمع بين الماضي والحاضر، بين الإنسان والهوية، وبين الريشة والرسالة.
لوحاتها ليست جمالًا بصريًا فقط، بل دعوة للتأمل، للوعي، ولحماية ما تبقى من جذورنا، وبينما تستمر في رحلتها، تواصل ريشة رقية كتابة هوية موريتانيا بالألوان، لتقول: إن الموروث لا يموت… طالما هناك من يحمله في قلبه وريشته.

