إن المستوى السياسي والدبلوماسي والزخم الإعلامي الذي ميز زيارة الوزير الأول، السيد سيفي غريب، إلى جمهورية مصر العربية، في هذه الظروف التي تمر بها المنطقة العربية، تفتح شهية الأمل نحو التطلع نحو إعادة تفعيل المحور الجيواستراتيجي (الجزائر القاهرة)، فقد كللت الزيارة بالتوقيع عدد من الاتفاقات ومذكرات التفاهم وبرامج التعاون، في إطار انعقاد الدورة التاسعة للجنة المشتركة العليا الجزائرية المصرية للتعاون.
إن نتائج هذه الزيارة تضعنا أمام فرصة استعادة قصة تاريخية محورية في تاريخ المحور الجيواستراتيجي (الجزائر القاهرة)، بإمكانها ان تكون موضع عمل سينمائي متميز، خاصة وان الظروف الحالية مساعدة كثيرا على نجاح مثل هذه الأعمال التي ستكون بوابة للنخب في البلدين لبناء مشاهد مستقبلية، تستند على مشاريع تاريخية ناجحة وتتناسب مع تطلعات الأجيال الجديدة، وسأضع القارئ في تخوم القصة المتميزة التي كان بطلاها القائد الكبير عبد الحفيظ بوصوف، والصحفي التهامي حسين ، وخلدتها مجلة المصور سنة 1956، التي فازت بالسبق من خلال إعلان استقلال الجزائر قبل الإعلان الرسمي بسنوات.
أحسن القصص
في إحدى زيارتي إلى القاهرة، وقفت بدار الهلال العريقة على وثيقة نادرة، تعتبر من أحسن القصص وأروعها سينمائيا، تختصر تلك الرحلة التي قطعها الصحفي التهامي حسين من القاهرة مرورا بالعاصمة الفرنسية والعاصمة المغربية الرباط، وصولا إلى الولاية الرابعة في قلب الجزائر، خلال أشد سنوات الثورة التحريرية تأججا، وهي الرحلة التي خطط هندستها المجاهد عبد الحفيظ بوصوف (سي مبروك)، وسوق للعام حقيقة ما يجري في عمق الجزائر، فكانت نتيجة الرحلة عملا صحفيا استقصائيا نشر في مجلة (المصور ) وهي من أكبر وسائل الإعلام في الخمسينات والستينات، فكان العمل الصحفي بعنوان (عائد من خط النار) ونشر على عدة حلقات، والخلاصة التي أعلنها الصحفي، أن في الجزائر دولة قائمة، وليس ثورة تحريرية.

إن المنهجية المهنية التي أعتمدها الصحفي التهامي حسين، مكنته من تقديم الصورة الحقيقية والأقرب إلى إقناع القارئ بقدرات الثورة التحريرية، على إدارة المجتمع وتعويض السلطات الاستعمارية، وأضاف إليها تلك الجمالية المؤثرة في محتوى صورة المجتمع الجزائري، المنسجم مع نظم وتعليمات قيادة الثورة، التي تدير مجتمع قائم بذاته، وهو التحقيق الصحفي الذي بقدر ما صناع القرار في العالم، بجدارة واحترام قيادة الثورة التحريرية، بقدر ما جعل الكثير من الشعوب تلتف حلها وتنظم حملات تأييد لها .
لقد استطاع الصحفي التهامي حسين، في انجاز تحقيقه الصحفي الميداني وهو في (وضعية حرب شرسة) أن يسخر ثقافته الإعلامية الرصينة التي مكنته من الاستعانة بالأسلوب الأدبي، الذي يستوعب توصيف المشهد الميداني ويستثمر في القاموس الاتصالي للمجتمع الجزائري، مع تجاز الصعوبات المتوقعة، بعيدا عن الطريقة الاستهلاكية الملحمية التي عادة ما تلتصق بالأحداث الثورية، وقد جعل من لغته الحيادية أسلوبا في تقديم الصورة الميدانية لواقع المجتمع الجزائري، وإبراز تفاصيل علاقته بالثورة التحريرية وقادتها، التي جعلها التحقيق الصحفي في مصاف الدول التي تدير شعوبها بحكمة وجدارة تجلب الاحترام.
وحي خط النار
لقد استطاعت قيادة الثورة وهنا يهمنا الانتباه إلى امتلاك أعنة الفطنة الإعلامية والبراعة في إدارة المحتوى الاتصالي، والذي كانت قد امتلكت تراكماته من التجربة الإعلامية للحركة الوطنية من قبل، قلت استطاعت القيادة الإعلامية للثورة أن تنجح في اختيار النموذج الأنسب عبر التحقيق الصحفي (أنا عائد من خط النار) للتعامل الإعلامي مع الثورة والاستثمار في الوسيلة الأفضل في صناعة صورة الثورة التحريرية وتسويقها في العالم، وإقناع الآخرين بدورها ومكانته في التاريخ، وتلبية حاجة الأجيال القادمة بقيمها الإنسانية، وهو ما يجعل الممارسة الإعلامية اليوم، بحاجة ماسة إلى تلك النظرة والحاسة القيادية الإعلامية، التي تراهن على الأساليب الفعالة والمؤثرة من (زاوية القيادة الإعلامية)، التي تتولى إدارة صناعة المحتوى بالجودة المناسبة وتوفر المناخ التسويقي الذي يخدم أبعاد المحتوى العام وتتقن فنون تسويق صورة مقنعة عن المجتمع وتبرز مكانته عند الشعوب الأخرى.
إن مضمون المنجز الإعلامي الذي أنتجه الصحفي التهامي حسين واختار له عنوان (عائد من خط النار ) يعد مرجعا مهما يكون من الضروري الاستفادة منه والاستثمار فيه، وفي غيره من الأعمال التي أنجزت بعده وهي كثيرة ومكتنزة في أرشيف المؤسسات الإعلامية في القاهرة، وقد وقفت على الكثير منها بنفسي، كونه العمل الصحفي الأول الذي أنجز عن واقع الثورة التحريرية ميدانيا، وحمل في طياته التفاصيل اليومية للثورة التحريرية، واستند إلى القاموس اللغوي والبنية الثقافية للمجتمع الجزائري، وراهن على المعلومة الحقيقية من الميدان ومباشرة مع صناع الحدث، دون الاكتفاء بالتصريحات السياسية الاستهلاكية التي عادة لا تعبر عن الواقع الميداني الحقيقي، والأهم من ذلك تعد هذه الأعمال ارضية خصبة لانجاز سيناريوهات أعمال سينمائية بمختلف أنواعها، وتجد مخابر البحث التاريخي والاجتماعي في الجامعات الجزائرية في أشد الحاجة الى معلوماتها المهمة.
جسامة المخاطرة
إن العمل الإعلامي الموسوم بـ (عائد من خط النار) الذي أنتجته مجلة المصور وقام على صياغته الصحفي التهامي حسين والمنشور سنة 1956 في مجلة المصور ذائعة الصيت آنذاك، ليس مجرد تحقيق صحفي ميداني عابر ومتكفل بمرحلة معينة من تاريخ الجزائر، وهو في الوقت ذاته لا يتبنى نمطية توثق لأحداث محددة، وإنما أهميته تكمن في الرباعة التفكير فيه والاحترافية في انجازه ومستوى المخاطرة التي رافقته، وهو يكتسي القيمة التاريخية التي يحملها باعتبارها أحد الوثائق التاريخية المهمة للثورة التحريرية، ويتجاوز ذلك في مضمونه وأسلوب صناعته والرسالة القوية التي حملها، كونه محتوى رائد اشتركت في صناعته مجموعة عوامل تمثلت في ذكاء القيادة الإعلامية التي فكرت في انجازه، والقدرة الرهيبة للصحفي (النفسية والمهنية، والمنبر الذي تم تسويقه فيه مما جعله نموذجا متجاوزا للحالة التوثيقية لينتقل إلى المستوى التدريبي، والدليل المهني للممارسة الإعلامية)، مما يجعله وغيره من النماذج التي تحتاجها الأجيال الجديدة، وهي تقتحم الموجة القادمة للثورة الاتصالية الحديثة، والتي عصفت بأغلب القواعد المتوارثة في المجال الإعلامي.
إن التحقيق الصحفي (عائد من خط النار) الذي أنجزه الصحفي التهامي حسين، وتدبر التخطيط له القائد عبد الحفيظ بوصوف، وأنجز في ظروف تراجيدية، وما حمله من مضامين إعلامية ومحتوى ثقافي وشكل إعلامي ورسائل إقناعية، أكد براعة التخطيط لانجازه، وكشف فطنة عبد الحفيظ بوصوف لدور وأهمية إنتاج المحتوى الاتصالي، يبقى في حاجة إلى اتخاذه نموذجا متقدما يمكن للأجيال الإعلامية أن تتعلم منه القواعد المهنية والأمس المنهجية والمضامين القيمية في الممارسة الصحفية، وقبلها القيادة الإعلامية التي تتولى صياغة الرؤية التاريخية للعمل الإعلامي، خاصة وأن الموضوع يتعلق بثقافة المجتمع والقيم المؤطرة لحركته اليومية، سواء كانت في أزمنة التحرير ومواجهة الاستعمار، أو في الحالات الأخرى المتعلقة بالطبيعة التاريخية للمجتمع الجزائري

