يطلّ الكاتب الشاب عبد المالك عزّاوي، من ولاية عين صالح، بصوتٍ أدبيّ مختلف، يجمع بين الفكر الفلسفي والإيمان العميق، بين الجمال والوعي، وبين الكلمة كفنّ والكتابة كرسالة.
- كيف استقبلت خبر فوزك بجائزة “كتابي الأول”؟
- هل كنت تتوقع هذا الفوز؟
- برأيك، ما الذي يميز جائزة كتابي الأول؟
- ما الذي تناولته روايتك عكس التيار؟
- كيف توفّق بين البعد الفلسفي للرواية والجانب الإنساني فيها؟
- بعض النقاد وصفوك بأنك من كتّاب الحداثة المؤمنة، كيف تفسر هذا المفهوم؟
- اشتغلت الرواية على تعدّد الأصوات وتشظّي الزمن، ما الغاية الفنية من هذا البناء؟
- لغتك وُصفت بأنها شعرية وتأملية..
- هل الرواية الجزائرية بحاجة إلى مغامرة جمالية أعمق؟
- في روايتك يلتقي التصوف الإسلامي بالوجودية الغربية، كيف وُلد هذا المزج؟
- تحدثتَ عن مفهوم الوجودية المؤمنة، كيف تشرحه للقارئ؟
- هل الأدب قادر على إعادة المعنى للعالم؟
- المرأة في الرواية رمز للخلاص والمعرفة؟
- الوعي والمعرفة كطريق للخلاص؟
- إلى أي مدى تأثرت بالفلاسفة الغربيين مثل فوكو وإيكو وسارتر؟
- كيف تنظر إلى النقد الأدبي؟
- ما الرسالة التي أردت إيصالها من خلال عكس التيار؟
- وماذا عن مشاريعك القادمة؟
بأسلوبه المتفرّد ولغته المشبعة بالرمز والتأمل، استطاع أن يثبت اسمه ضمن جيلٍ جديد من الروائيين الجزائريين الذين يعيدون للرواية بريقها الفكري والإنساني.
تُوّج مؤخرًا بجائزة “كتابي الأول” عن روايتهÀ contre-flu (عكس التيار) في طبعتها الثانية، ليؤكد أن الجنوب يكتب الروح والكرامة والمعنى.
في هذا الحوار، يتحدث عزّاوي عن تجربته مع الجائزة، وعن فلسفته الإبداعية، وملامح روايته الجديدة التي تمزج بين الوجودية المؤمنة والتصوف الإنساني.
كيف استقبلت خبر فوزك بجائزة “كتابي الأول”؟
لقد كان الأمر مفرحًا إلى درجة عالية، لم يكن حدثًا عاديًا، بل منافسة وطنية على مرتبة واحدة. شعرتُ بفخرٍ كبير، لي ولعائلتي وأصدقائي، لأن هذا الفوز يعني لي نجاحًا حقيقيًا تحقق بالصبر والإيمان، إنها جائزة سأظل أحتفظ بها في أعماقي، لأنها تبني شيئًا داخل الإنسان، تدعمه من الداخل، وتمنحه طاقة جديدة للمواصلة، نجاحي اليوم ليس مجرد تتويج، بل خطوة نحو نجاحٍ أبدي كما أحب أن أصفه.
هل كنت تتوقع هذا الفوز؟
بصراحة، لم أتوقع أبداً أن نصّي سيفوز، لكنني كنت على يقين أنه عمل مميز، بنيته برزانةٍ وصبرٍ طويل، رواية “عكس التيار” هي أحسن ما كتبت، لأنها تمثل خلاصة نضجي الفني والفكري، كنت متأكدًا أن النص سيُتوّج يومًا ما، لأن العمل الجاد لا يضيع أبدًا، وقد تلقيت ردودًا كثيرة من القرّاء، كلها إعجابٌ ودهشة. الحمد لله أن ثمار الجهد أثمرت.
برأيك، ما الذي يميز جائزة كتابي الأول؟
هذه الجائزة تركّز على الإبداع الروائي الشبابي وتُقدَّم في ختام أهم تظاهرة ثقافية في الجزائر، وهو ما يمنحها رمزية خاصة، كما أن موضوعية التحكيم وصرامة المعايير فيها جعلتها من أنظف الجوائز وأكثرها مهنية، أعتقد أنها ستكون بوابة حقيقية لاكتشاف المواهب الشابة في الأدب الجزائري، لأنها تؤمن بالكتابة كقيمة فكرية لا كشهرةٍ مؤقتة.
ما الذي تناولته روايتك عكس التيار؟
الرواية تمسّ جانبًا راقيًا من الحياة الاجتماعية داخل الأسر الجزائرية القديمة، حيث حاولت من خلالها رسم ملامح الإنسان المسلم المحافظ، الذي يسير في طريق الصواب وسط تحولاتٍ عاصفة، تناولتُ موضوع التحول الزمني والاجتماعي، وما أحدثته العصرنة من تصدّع في القيم والعلاقات، قدمت في الرواية صورًا حقيقية عن المجتمع الجزائري: لباسه، عاداته، علاقاته، رموزه، وحتى صراعه بين الأصالة والتحديث، ما دفعني لملامسة هذا الركن هو دافع فلسفي أردت معالجته بلغة الفن لا بلغة الخطابة، عبر شخصياتٍ تجعل القارئ يعيش الحدث بعمقٍ وتأمل.
كيف توفّق بين البعد الفلسفي للرواية والجانب الإنساني فيها؟
الفكر في الرواية ليس منفصلًا عن الإنسان، بل ينبثق من التجربة اليومية: من الأب، من الأم، من الشيخ، من الفقر والكرامة الفلسفة عندي ليست تنظيرًا مجردًا، بل تجسيدٌ للحياة في لحظاتها الحقيقية، في عكس التيار مثلاً، الحوارات بين الإيمان والعقل، بين الذاكرة والحداثة، بين الجذر والريح، هي صراع الإنسان مع ذاته ومع زمنه.
بعض النقاد وصفوك بأنك من كتّاب الحداثة المؤمنة، كيف تفسر هذا المفهوم؟
الحداثة المؤمنة هي السعي إلى التجديد دون اقتلاع الجذور، أنا لا أرى الحداثة تمرّدًا على الإيمان، بل بعثًا له بلغة جديدة تتصالح مع العقل والتكنولوجيا دون أن تفقد الروح معناها، الحداثة عندي وعيٌ ومسؤولية، لا فوضى شكلية، هي أن تُجدّد فكرك دون أن تُبدّد هويتك.
اشتغلت الرواية على تعدّد الأصوات وتشظّي الزمن، ما الغاية الفنية من هذا البناء؟
هذا البناء يعكس التمزّق الداخلي للإنسان المعاصر، الزمن في الرواية ليس خطيًا، لأن الوعي ذاته مكسور، يتنقل بين الماضي والراهن بحثًا عن توازن مفقود، أما تعدد الأصوات، فهو مساحة للحوار بين الأجيال والقيم، حيث يتكلم الأب بلسان الذاكرة، والابن بلسان الحيرة، والمرأة بلسان الإيمان.
لغتك وُصفت بأنها شعرية وتأملية..
أعتبر اللغة في الرواية كائنًا حيًا إنها ليست مجرد أداة للتعبير، بل هوية النص وروحه، أكتب بلغة تجمع الرمز الصوفي بالتأمل الفلسفي، لغةٍ مفعمة بالصورة والسكوت والمعنى الداخلي، أؤمن أن الجمال لا ينفصل عن الفكرة، وأن اللغة الجيدة تصنع وعيًا بقدر ما تصنع متعة.
هل الرواية الجزائرية بحاجة إلى مغامرة جمالية أعمق؟
بكل تأكيد، الرواية الجزائرية ما تزال، في أغلبها، أسيرة الواقعية التقليدية
نحتاج اليوم إلى مغامرة جمالية تمزج الفكر بالخيال، وتطرح الأسئلة الوجودية والاجتماعية بلغة الفن لا بلغة التقرير، حين يتحول الأدب إلى مرآة للعالم الداخلي للإنسان، يصبح أقوى من أي خطابٍ مباشر
في روايتك يلتقي التصوف الإسلامي بالوجودية الغربية، كيف وُلد هذا المزج؟
انطلق من قناعةٍ بسيطة: أن الروح لا تنفصل عن الفكر، العارف الصوفي والفيلسوف الوجودي كلاهما يبحث عن المعنى، عن الإنسان وسط الفوضى، هذا اللقاء بين الشرق والغرب في الرواية هو جسر إنساني، لأن الأسئلة الكبرى واحدة: من أنا؟ ولماذا أنا هنا؟
تحدثتَ عن مفهوم الوجودية المؤمنة، كيف تشرحه للقارئ؟
الوجودية المؤمنة هي موقف يجمع الحرية بالمسؤولية، والإيمان بالاختيار، الإنسان حرّ، لكنه مسؤول أمام الله والضمير والآخر، ليست رفضًا للوجودية، بل إعادة صياغة لها في ضوء النور الإيماني، في روايتي، الإنسان يعيش أزمة معنى، لكن الأدب يمنحه فرصة ليُعيد اكتشاف ذاته.
هل الأدب قادر على إعادة المعنى للعالم؟
الأدب لا يغيّر العالم مباشرة، لكنه يغيّر نظرتنا إليه، الكلمة الصادقة تُوقظ ما هو نائم في الإنسان، تُعيد له الإحساس بالكرامة والغاية، الرواية بالنسبة إليّ ثورة هادئة داخل القارئ، تزرع فيه أسئلة لا أجوبة جاهزة.
المرأة في الرواية رمز للخلاص والمعرفة؟
نعم، المرأة في الرواية ليست تابعًا بل مرشدة روحية، هي الأم والمعلمة والزوجة، رمز النور الداخلي والرحمة، منها يتعلم الابن الصبر، والعالم التواضع، والشيخ الصدق، المرأة هي ذاكرة الإيمان وثبات القيم
الوعي والمعرفة كطريق للخلاص؟
النجاة لا تكون بالهروب، بل بالفهم والوعي والتمسك بالمبادئ، المعرفة هي السلاح في وجه الحداثة الفارغة وفوضى العصر الرقمي، الفكر عندي ليس ترفًا، بل فعل خلاص وجودي.
إلى أي مدى تأثرت بالفلاسفة الغربيين مثل فوكو وإيكو وسارتر؟
أنا لا أبحث عن تقليد الفلاسفة، بل عن التحاور معهم، أقرأهم لأفهم الإنسان، لا لأتبنّى أفكارهم، أحتفظ بأسلوبي الخاص الذي ينبع من حضارتي ومجتمعي ونمط حياتي البسيط.
كيف تنظر إلى النقد الأدبي؟
أتعامل مع النقد كـمرآة فكرية لا كحكمٍ قاسٍ، النقد الواعي يساعد الكاتب على مساءلة لغته وفكرته، لكنه لا يجب أن يقتل العفوية الإبداعية، النقد الحقيقي يُضيء النص ولا يُطفئه.
ما الرسالة التي أردت إيصالها من خلال عكس التيار؟
رسالتي أن الكرامة والمعرفة والإيمان هي جوهر الحضارة، وهي آخر الحصون ضد العبث، الإنسان يمكن أن يسقط، لكنه لا يجب أن يتنازل عن روحه النقية ولا عن ذاكرته الأخلاقية.
وماذا عن مشاريعك القادمة؟
أعمل حاليًا على رواية جديدة تتناول الهجرة ومأساة الإنسان المهمّش، الذي لا يجد اعترافًا من مجتمعه أو دولته، كما أستعد لإصدار مجموعة من المقالات الفكرية حول الأدب والوعي في زمن الرقمنة، وأؤمن أن الكتابة ليست مهنة، بل قدرٌ جميل، ما دامت تُضيء للناس طريقًا في العتمة.
يظلّ عبد المالك عزّاوي واحدًا من أصوات الجنوب التي تصعد بهدوء وثبات نحو المشهد الأدبي الوطني، مسلحًا بالإيمان والفكر والجمال، يكتب كي لا ينسى الإنسان إنسانيته، وكي تبقى الرواية مرآة الروح في زمنٍ فقد ملامحه.


