تشكل المسافة الزمنية المقدرة بــ (106 سنوات) ما بين (1916 انطلاق الثورة العربية)، و (2025 خطة ترامب لغزة)، الحجم الكافي لقراءة التقارب بين مشروعين كبيرين، يتحكمان في واقع ومستقبل منطقة الشرق الأوسط، وان كان التاريخ لا يعيد نفسه إلا أن المشروعين يسعيان إلى نفس الهدف، والمتمثل في تفتيت المنطقة وجعلها مستجيبة لتطلعات الإنجيليين الجدد، والاستمرار في استنزاف ثرواتها وتدمير شعوبها.
الرؤية والمخطط
لقد تمكن مخطط الضابط الإنجليزي توماس لورنس، بإشعال الثورة العربية سنة 1916، عبر تحريض العرب ووعدهم بإقامة دولة عربية لهم في المنطقة، إذا هم قاموا بثورة وطردوا ا الأتراك، وساهموا في إسقاط الخلافة العثمانية، وقال لورنس للعرب، إن (الدولة الموعودة) ستجلب لهم الاستقلال والحرية والسلام، وتخلصهم من الظلم والدكتاتورية التي تمارسها الخلافة العثمانية، وفي سنة 2025 يقول لورنس جوزيف إليسون، للعرب أن هناك مخطط يخلص منطقة الشرق الأوسط من ويلات الإرهاب وشرور الحروب، عبر (مجلس السلام)، الذي سيجلب لهم الأمن والاستقرار والرفاهية، وهي المشاهد المتكررة والتي لا تحمل مواعيد ثابتة ولا حدود جغرافية واضحة.
فبالرغم من تكرار المشاريع والنماذج العبثية التي جربها الغرب في المنطقة، والتي أوهمنا فيها وبها الغرب، وقال بأنها الحلول الأنسب والأجود لمشاكل المنطقة، وهي المشاريع التي لا تسعها سوى أدراج الأرشيف العتيقة ويصعب على الحاضرة الذهنية تعدادها،إلا أننا مازلنا اليوم منقسمين بين ثنائية الحالم بإمكانية الوثوق بجديد مشاريع الغرب، وبين الرافض للواقع دون أن يكون له من البدائل الكفيلة بواقع مستجدات المنطقة، وبين القبول الأعمى والرفض الخانق، تغيب قدرتنا على صناعة مشروع يستوعب مشاكلنا ويفهم واقعنا ويبلور مستقبلنا، يكون من إنتاج ذاتنا، ومن بنات أفكار نخبنا، ويعبر عن هويتنا ومميزات منطقتنا، نستطيع السير في دروبه ونقدم التضحيات لإنجازه ونتحمل تبعات تكاليفه.
إن المعضلة الكبرى تكمن في كوننا أبناء المنطقة، تعودنا فقط السير وراء ما ينتجه غيرنا، واستعذبنا معاداة بعضنا وتجريم ذواتنا، والإصرار على الانتصار لمواقفنا الهوجاء، والتعويل على موجات العواطف والأمزجة، التي ننتظر من الجماهير أن تصدح بها كلما حاصرها الفقر وطحنها العوز وصدمها انحصار الآفاق في وجهها.
الخيوط الخفية
إذا كان توماس لورنس، قبل قرن من الزمن، قد رسم خرائط الشرق الأوسط بريشة الاستخبارات الإنجليزية، وبفنون علوم الآثار، فإن لورنس جوزيف إليسون، يستكمل خرائط المنطقة بخوارزميات الثورة التكنولوجية الجديدة، فالرجل يملك مفاتيح التحكم في وسائط التواصل الاجتماعي، من خلال إمبراطورية( أوراكل)، وهي المتحكمة في صناعة الحلول وإدارة برمجيات لأعمال المؤسسات، وإنتاج أنظمة إدارة قواعد البيانات في العالم، وأخيرا وضع يده على آخرها المتمثل في منصة (تيك توك).
وزيادة على التحكم والسيطرة في إدارة قواعد البيانات في العالم، فإن لورنس جوزيف إليسون، إنجيلي من الدرجة الأولى وهو الممول الأكبر للجيش الصهيوني، ليس بالأموال وإنما بأدق تفاصيل وأحدث الخوارزميات في فنون إدارة قواعد البيانات في العالم، كون المعلومة اليوم هي أهم من الأسلحة التقليدية، فمن يملك المعلومة يملك الحلول، والواحد منا لا يمكنه الولوج إلى أي منصة اتصالية إلا بعدما يقدم لخصومه كل ما عنده من المعطيات الذاتية والمعلومات الشخصية، ولا يلبث أن يواصل الاستجابة للضغوط المتواصلة في تقديم كل جديد مما يستجد من معلومات عن نفسه.
إن المضحك المبكي في المشهد القائم اليوم، يتمثل في تلك التراجيديا التي نشاهدها يوميا، من خلال السلوكات الصبيانية التي نقوم بها، في تعاملنا مع معطيات الثورة الاتصالية الجارفة، والتي أصبحنا فيها في موقع الأطفال وعلاقتهم بالألعاب الجديدة التي تمنح لهم وهي غريبة عنهم ولا تتناسب مع مستوى أعمارهم، والأكثر غرابة هي السطحية التي نتعامل بها مع البيانات والمعلومات التي نستهزئ بقوتها ونسخر من طاقتها ونتجاهل أهميتها، في الوقت الذي يحاربنا بها خصومنا وينسجون من خيوطها المشاريع والمخططات التي تدير منطقتنا وتضبط حياتنا.
الحياكة الذكية
إن الإنجيليون الجدد الذين يمثلهم اليوم لورنس جوزيف إليسون، الذي يقوم بإعادة إحياء مخطط جده (توماس لورنس)، من خلال فنون تكنولوجيات إدارة قواعد البيانات في العالم، متجنبا أي احتمال للعواطف وأبعاد لكل نفحات الأمزجة، لأن القضية عند هؤلاء مصيرية ولا تحتمل التبختر بالظهور أو التبجح بالاستعراض، وإنما تعتمد على التفكير العميق والحساب الدقيق لكل درجات الخطوات وتكاليف المراحل، والاعتماد على المعطيات المتوفرة والسيل وفق قواعد البيانات في العالم.
إن انتصار القضايا ونجاح المخططات لا يتم اليوم إلا عبر القدرة العالية من التحكم في المعطيات والبيانات، وإدارتها وفق منطق منصات الثورة التكنولوجية الاتصالية الحديثة، وهو ما يفتح المجال أمام مساحة جديدة في أدوات الصراع ووسائل الخصومة، مما يجعل من الاستمرار في المواجهة بالأنماط التقليدية مضيعة للوقت وتحمل المزيد من الخسائر، وفي هذه الحالة نكون أقرب إلى زمن القرون السابقة عندما كان الغرب يحاربنا بالبواخر البخارية وكان أجدادنا يواجهونه بقراءة صحيح البخاري، وهناك فرق شاسع بين الذهنية التي تعتمد على نصوص البخاري والعقلية التي تستخدم طاقة البخار.
نقل ملف إدارة منطقة الشرق الأوسط من الأيادي الأمريكية إلى الذهنية الإنجليزية، يشكل عودة إلى مرحلة تشكيل هذه المنطقة التي تولتها الذهنية الانجليزية في بداية القرن التاسع عشر، مما يجعل من الفشل والاضطراب الذي حصل بعد تولى الأيادي الأمريكية إدارته خلفت الكثير من المشاكل المستعصية، وفتحت الأبواب أمام العديد من القوى والتيارات المحلية في ممارسة رغباتها في الحصول على تطلعاتها في ظل العنجهية التي تتميز بها الطريقة الأمريكية في إدارة المنطقة.
الأدوار المتوارية
إننا هنا لن نتأخر في التفاعل مع من يعاجلنا باللمز في نشر التخاذل أو التهويل من قدرات وإمكانيات الآخرين وبالذات (الإنجيليون الجدد)، ولكننا نشير وننبه إلى أن هؤلاء يعاملوننا بنفس المخططات ولا يتعبون أنفسهم في إعادة استخراجها من الأدراج، ولا يبذلون من الجهد إلا تغيير العناوين، لأنهم أدركوا أننا ما نزال نتعامل مع مصير منطقتنا بأدوات الاندفاع العاطفي وطاقة الأمزجة المتقلبة، والتهور غير محسوب العواقب.
فلن نخسر شيئا إذا أقدمنا على مراجعة _مهما كانت تكلفتها _ في تعاملنا مع مستجدات الواقع وما يطرأ من مشاكل وتحديات ترهن مستقبل منطقتنا، ونتجه نحو التفكير في الأساليب والطرق الكفيلة بالارتقاء بمصالح شعوبنا وحماية أوضاعها، وتجنيبها المخاطر التي تتضمنها مخططات الإنجيليون الجدد، الذين يتبادلون الأدوار ويرثون المخططات ويستمرون في قيادة المشاريع التي تستهدف تدمير المنطقة وتخريبها والدفع بشعوبها إلى جغرافية التيه التاريخي.
إن المؤشرات القائمة اليوم في مقام الحقائق الساطعة تظهر أن وقت الاستمرار في الاعتماد على (طاقة العاطفة وقوة الأمزجة)، والإصرار على السير في طريق المراهنة على مستوى التجييش الشعبي للجماهير التي استعذبت الانتصارات الوهمية والمغامرات الساذجة والمقامرة الخاسرة، واقتنعت بالحلول السرابية، كنوع من أنواع مداواة الجروح الغائرة، بالأدوية منتهية الصلاحية، وتعويض الإخفاقات المخيبة للآمال، التي لن ترث سوى الإحباط والعبثية والجري وراء الأوهام.

