اختتمت بمنطقة عبان رمضان «أشداي» PK 50 ببلدية برج باجي مختار فعاليات المهرجان السنوي لعيد الجمل في طبعته الثامنة والعشرين لسنة 2025، تحت الشعار الدال: «الإبل مطية الأجداد وثروة الأجيال»، بعد ثلاثة أيام حافلة بالأنشطة الثقافية والتراثية والرياضية والاقتصادية التي جسّدت بكل عمق متانة الرابط بين الإنسان الصحراوي وبيئته الطبيعية، وبين الماضي الذي يفيض بالقيم والأصالة والحاضر الذي يبحث عن التنمية المستدامة دون التفريط في الجذور.
جرت مراسم الاختتام في أجواء احتفالية شعبية بهيجة، اتسمت بحضور واسع للسلطات المحلية والمنتخبين وممثلي الهيئات والمنظمات والجمعيات الناشطة في مجالات الفلاحة وتربية الإبل والسياحة والصناعات التقليدية، إلى جانب حضور جماهيري كبير من سكان المنطقة وضيوف قدموا من ولايات عديدة. وتمت الإشادة، خلال كلمات المداخلين، بنجاح هذه الطبعة تنظيمياً ومضمونياً، وبالروح العالية التي طبعت مشاركة الشباب والمربين والفرق الفنية، ما جعل المهرجان حدثاً جامعاً يعزز الإحساس المشترك بالانتماء والهوية.
لم يكن المهرجان مجرد فسحة ترفيهية أو استعراض فولكلوري عابر، بل كان مناسبة لإحياء تقاليد ضاربة في عمق التاريخ الصحراوي؛ تقاليد ارتبطت بعيد الجمل الذي يمثل رمزاً للحياة في الصحراء الجزائرية الواسعة. فقد عادت إلى الواجهة صور الأسواق القديمة، ومسابقات الهجن، والرحلات البعيدة على ظهور الجمال، والعادات الاجتماعية المصاحبة لها من كرم وضيافة وتكافل بين العشائر والقبائل. وأصبح فضاء المهرجان معرضاً حيّاً للثقافة الشعبية بكل مكوّناتها: الشعر الملحون، الأهازيج والأغاني الصحراوية، الرقصات الجماعية، اللباس التقليدي، والصناعات اليدوية التي صمدت أمام الحداثة بفضل عزيمة نساء ورجال المنطقة.
وتحوّلت سباقات الهجن والعروض الاستعراضية للجمال إلى محطة جذب رئيسية، حيث عبّر المشاركون من مختلف الفئات العمرية عن اعتزازهم بمهارات ترويض الإبل والعناية بها. كما قدم المربون شروحاً حول طرق تربية القطيع، وأساليب التدرّب على الركوب والسباق، وطرق الانتقاء والتسمين، بما يعكس تراكم خبرات طويلة تشكل رأسمالاً معرفياً غير مكتوب، تنتقل تفاصيله من جيل إلى آخر عبر الممارسة اليومية.
عيد الجمل… ذاكرة وهوية
يحمل عيد الجمل مكانة خاصة في الوجدان الجمعي لسكان برج باجي مختار والمناطق الصحراوية المجاورة، إذ لا يُنظر إليه على أنه احتفالية موسمية فحسب، بل باعتباره ذاكرة حية تختزن نمط العيش القديم ومعاني الصبر والتحمل والحرية المرتبطة بالترحال. فالجمل لم يكن مجرد وسيلة نقل، بل كان رفيق درب، وحارس أسرار الصحراء، ومصدراً للرزق والغذاء، وعنصراً حاسماً في توازن المنظومة الاجتماعية والاقتصادية للسكان.
ومن خلال الاحتفاء به اليوم، يؤكد المجتمع المحلي تمسكه بنقل هذا الإرث الرمزي إلى الأجيال الصاعدة، حتى لا تنقطع السلسلة بين الماضي والحاضر. فالأطفال والشباب الذين تابعوا العروض وتفاعلوا مع المسابقات وتعرّفوا على تسمية أنواع الإبل وألوانها وخصائصها الصحية والغذائية، هم ضمان استمرار هذا الموروث في المستقبل. وهكذا يصبح المهرجان مدرسة مفتوحة في الهواء الطلق، تجمع بين المتعة والتعلّم، وتحافظ على الذاكرة الثقافية من التآكل والنسيان.
انسجام الإنسان مع الصحراء
أبرزت فعاليات المهرجان أيضاً البعد البيئي الذي يطبع علاقة سكان المنطقة ببيئتهم الطبيعية. فالإبل حيوان متكامل القدرة على التكيف مع قساوة المناخ، وهي جزء من منظومة بيئية متوازنة قائمة على احترام الموارد الطبيعية وندرتها. وتم التأكيد خلال المداخلات وورشات التوعية على أهمية حماية المراعي، وتنظيم حركة القطيع، وترشيد استغلال المياه، ومكافحة التصحر عبر الحفاظ على الغطاء النباتي الهش.
وبذلك يصبح عيد الجمل مناسبة للتذكير بأن التنمية في الصحراء لا تنفصل عن حماية البيئة، وأن أي مشروع اقتصادي أو سياحي لا بد أن يراعي توازن الطبيعة. كما تم إبراز الدور المحوري الذي يلعبه مربو الإبل في مراقبة التحولات المناخية، ورصد التغيرات التي تطال النباتات الموسمية ومسارات الرعي التقليدية، وهو ما يجعلهم شركاء أساسيين في كل برامج التنمية المحلية.
البعد الاقتصادي والسياحي… من التراث إلى التنمية
لم يخلُ المهرجان من بعد اقتصادي واضح. فقد شكّل فضاءً لتسويق المنتجات المحلية المرتبطة بالإبل، من ألبان ولحوم ومشتقاتها، إضافة إلى الصناعات التقليدية الجلدية والصوفية التي تمثل مصدر دخل للعائلات. كما فتح المجال أمام عرض فرص الاستثمار في تربية الإبل، وإبراز دورها في الأمن الغذائي، وتطوير السياحة الصحراوية التي أصبحت تستقطب الزوار الباحثين عن الأصالة والهدوء وسحر المكان.
وتم خلال المهرجان التشديد على ضرورة تثمين «اقتصاد الإبل» عبر إدماجه في برامج الدعم الفلاحي والريفي، وتشجيع الشباب على إنشاء مؤسسات ناشئة في مجالات تحويل منتجات الإبل وإطعامها ونقلها، بما يسهم في خلق مناصب شغل وتحريك الدورة الاقتصادية المحلية.
المرأة والشباب… حضور فاعل في الفعل الثقافي
لفت الانتباه حضور المرأة بقوة في مختلف نشاطات المهرجان، سواء من خلال مشاركتها في الصناعات التقليدية وصناعة الألبسة والحلي، أو عبر مساهمتها في إعداد الأطباق التقليدية المعروضة للزوار. وأسهمت النساء في سرد الحكايات الشفوية والأمثال الشعبية المرتبطة بالجمل، مما أضفى على التظاهرة بعداً إنسانياً حميماً.
كما كان للشباب نصيب وافر من الأنشطة، حيث شاركوا في التنظيم والتأطير والعروض الفنية والرياضية، وأظهروا قدرة على الجمع بين اعتزازهم بالتراث وانفتاحهم على العصر. وقدمت الكشافة الإسلامية والهلال الأحمر الجزائري صورة مشرّفة من خلال تنظيم حركة الجماهير وتقديم خدمات إسعافية وتوعوية.
الأمن الثقافي وتعزيز الوحدة المجتمعية
ساهم المهرجان في تعزيز التلاحم الاجتماعي بين مختلف المكونات المحلية، إذ يعد عيد الجمل لحظة جامعة تذوب فيها الفوارق، وتتجدّد فيها صلات الرحم والتضامن. فالاحتفال بالجمل احتفال بمنظومة قيم كاملة: الكرم، الشهامة، الصبر، وحب الأرض. وهذا البعد الرمزي يعزز ما يمكن تسميته بـ«الأمن الثقافي»، أي الشعور بالاطمئنان لأن الهوية مصونة والذاكرة محفوظة.
تكريمات ورسائل في ختام الطبعة 28
اختتمت التظاهرة بتكريم الفائزين في سباقات الهجن والعروض الفنية، إلى جانب تكريم المربين القدامى وأبرز المشاركين في إنجاح التظاهرة من جمعيات ومتطوعين وإعلاميين. وقد عبرت شهادات المشاركين عن رغبة قوية في تطوير هذا الموعد السنوي وتوسيعه ليصبح قطباً ثقافياً وسياحياً على مستوى وطني ودولي.
وفي ختام المهرجان، جدّد المنظمون التأكيد على أن الاحتفاء بالإبل هو احتفاء بالإنسان الصحراوي ذاته، وبحكمته في التعايش مع الطبيعة وبنمط حياته القائم على البساطة والكرامة. وهكذا تُطوى صفحة الطبعة الثامنة والعشرين، لتُفتح أخرى عنوانها الاستمرارية، حتى تبقى الإبل كما كانت عبر التاريخ: مطية الأجداد وثروة الأجيال، ورمزاً للأصالة ورافعة للتنمية في ربوع الجنوب الكبير.

