مشروع غار جبيلات بوصفه أكثر من مجرد استثمار منجمي ذي أبعاد تقنية. فقد جرى تقديمه كعلامة دالّة على انتقال رمزي من اقتصاد قائم على منطق الريع إلى أفق تنموي يُعاد فيه التفكير في معنى الثروة، والعمل، والزمن الاقتصادي ذاته.
لا تكمن أهمية غار جبيلات في مردوديته الاقتصادية المحتملة فحسب، بل فيما يثيره من أسئلة اجتماعية وثقافية أعمق، تتصل بالمخيال الاقتصادي وبكيفية إعادة كتابة التاريخ الاقتصادي الوطني. غير أن مقاربة هذا التحول تقتضي العودة إلى الذهنية الريعية بوصفها بنية اجتماعية وثقافية متجذّرة، لا مجرد خيار اقتصادي ظرفي. فالريع لم يكن فقط موردًا ماليًا، بل مبدأً منظِّمًا للعلاقات بين الدولة والمجتمع، أسهم في ترسيخ منطق إعادة التوزيع على حساب منطق الإنتاج، وفي بناء تمثلات جماعية تجعل الاقتصاد مجالًا للتلقي أكثر منه فضاءً للمبادرة والعمل المنتج. وقد انعكس ذلك، سوسيولوجيًا وأنثروبولوجيًا، في تصورات النجاح والمكانة الاجتماعية، وفي إدماج الريع داخل المخيال الجمعي كعنصر “طبيعي” من عناصر التنظيم الاقتصادي. وعليه، فإن الانتقال نحو نموذج تنموي بديل لا يمكن أن يتحقق عبر الإصلاحات التقنية وحدها، بل يظل رهينًا بقدرة هذا التحول على تفكيك الذهنية الريعية بوصفها نظامًا للمعنى والتمثّل. وفي هذا الإطار، يبرز مشروع غار جبيلات باعتباره لحظة محتملة لإعادة تشكيل المخيال الاقتصادي الجزائري، وإعادة تعريف علاقة المجتمع بالثروة والعمل ودور الدولة في أفق تنموي جديد.
فهل يمثّل غار جبيلات بداية تحول فعلي في الذهنية الاقتصادية؟
القيادة السياسية كفاعل في إعادة هندسة المخيال الاقتصادي: غار جبيلات كحدثٍ مؤسِّس
في هذا السياق، يبرز دور رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون بوصفه فاعلًا مركزيًا في مسعى إعادة توجيه المخيال الاقتصادي الجزائري، ليس فقط عبر السياسات العمومية، بل من خلال الخطاب السياسي ذاته. فمنذ سنة 2019، يشتغل خطاب الرئاسة على تفكيك الرموز المؤسسة للذهنية الريعية، وإعادة بناء سردية جديدة قوامها الإنتاج، العمل، والاعتماد على الذات. ويكشف الإلحاح على مفاهيم مثل “خلق الثروة” و“تشجيع الاستثمار المنتج” عن سعي واعٍ لإعادة هندسة التمثلات الجماعية المرتبطة بدور الدولة وموقع المواطن داخل المنظومة الاقتصادية.ومن منظور سوسيولوجيا القيادة، يمكن قراءة هذا التوجّه بوصفه ممارسة للسلطة الرمزية، حيث لا تُختزل القيادة في القرار، بل في القدرة على إعادة تعريف الأفق الممكن للتنمية. وفي هذا الإطار، تكتسب المشاريع الكبرى بعدًا يتجاوز وظيفتها الاقتصادية، لتغدو أدوات رمزية تُجسّد هذا التحول وتمنحه قابلية الترسّخ في المخيال الجمعي.
ويُعدّ مشروع غار جبيلات أبرز تجليات هذا المسار، إذ يتجاوز كونه استثمارًا منجميًا استراتيجيًا ليغدو حدثًا مؤسِّسًا يعيد تنظيم التصورات الجماعية حول الاقتصاد والتنمية. وقد جرى تقديمه ضمن خطاب يستحضر الذاكرة التاريخية وفكرة “المشروع المؤجَّل”، بما يمنحه بعدًا رمزيًا يُعيد وصل الماضي بالحاضر. ومن منظور أنثروبولوجي، يتحول الحديد من مادة خام إلى رمز سيادي، وتُعاد صياغة الصحراء كفضاء استراتيجي للاقتصاد الوطني، عبر شبكة من الرموز من بينها القطار والعمل الصناعي بوصفهما قيمتين مؤسستين لمشروع النهضة الاقتصادية.وبهذا المعنى، يُقرأ غار جبيلات، في ظل القيادة السياسية الحالية، كحلقة مفصلية في مسار تراكمي لإعادة بناء المخيال الاقتصادي الجزائري، مسار يتشكّل تدريجيًا عبر التراكم المؤسسي وتجسيد الأفق التنموي في الواقع الاجتماعي.
الجنوب الجزائري: الخصوصية المجالية وإعادة تشكيل الرؤية التنموية
لطالما تشكّل الجنوب الجزائري داخل المخيال الجمعي بوصفه فضاءً واسعًا وممتدًا، لا من حيث الامتداد الجغرافي فحسب، بل من حيث الخصوصية الاجتماعية والثقافية التي تميّزه. فقد أسهم اتساع المسافة، وقساوة التضاريس، وصعوبة الولوج، في بناء علاقة خاصة مع المكان، جعلت من الجنوب مجالًا ذا إيقاع مختلف، تُفكَّر فيه التنمية بوصفها مسارًا طويل النفس، يتطلب أدوات خاصة وتخطيطًا يتلاءم مع طبيعة المجال. ولم يكن هذا التصوّر تعبيرًا عن إقصاء، بقدر ما هو انعكاس لعلاقة تاريخية مع الجغرافيا، تحوّلت فيها المسافة والتضاريس إلى عناصر منظِّمة للمخيال التنموي. وفي هذا السياق، لم يُعرف الجنوب أنه خزانًا للموارد الطبيعية، بل تمثّل كفضاء ذي خصوصية اجتماعية وثقافية، يفرض مقاربة تنموية تراعي إيقاعه وأنماط العيش فيه وعلاقته الخاصة بالزمن والمجال. وقد ساهم هذا الوعي في الانتقال من تصوّر تقني ضيّق للتنمية إلى مقاربة أكثر شمولًا، تُدرك أن الاستثمار في الجنوب لا يعني فقط تشييد البنى التحتية، بل الانخراط في فهم اجتماعي وثقافي عميق للمجال. ويأتي إدماج الجنوب في مشروع استراتيجي بحجم غار جبيلات، مدعومًا بإنجاز خط السكة الحديدية بشار–بني عباس–تندوف–غار جبيلات، ليجسّد هذا التحول في الرؤية التنموية. فهذه البنية التحتية لا تمثّل مجرد ربط جغرافي بين مناطق متباعدة، بل تشكّل رمزًا لإعادة بناء المجال الوطني وربط الجنوب ديناميكيًا بالمشروع التنموي الشامل. وهنا، لا تتجسّد التنمية فقط في حركة القطار أو نقل الموارد، بل في إعادة تشكيل علاقة الجماعة بالمجال وتعزيز الإحساس بالانتماء إلى مشروع وطني جامع. وفي هذا الإطار، يبرز وعي الدولة بأهمية البعد الثقافي والاجتماعي في إنجاح المسار التنموي، من خلال إدماج الخصوصيات المحلية في تمثيل المشروع ذاته. ويتجلّى ذلك في مظاهر الاحتفال بالإنجاز على المستوى المحلي، وفي استحضار الرموز الجمالية والثقافية المرتبطة بالجنوب الكبير، كما هو الحال في اختيار ألوان القطار المرتبطة بغار جبيلات، المستوحاة من منظومة الألوان الصحراوية بما تحمله من دلالات رمزية في الثقافة المحلية، حيث تُعدّ الألوان عنصرًا أساسيًا في تمثلات المكان والهوية والذاكرة الجماعية.
إن هذا الانتباه إلى البعد الثقافي لا يُقرأ بوصفه تفصيلًا شكليًا، بل كجزء من مقاربة تنموية واعية تسعى إلى إدماج الثقافة المحلية في النسق التنموي، وتؤكد أن التنمية لا تترسخ إلا حين تحاور المجال الذي تُمارَس فيه وتحترم أنماط العيش السائدة. فالجنوب، في هذا المنظور، يُعاد تأكيده كفضاء للعيش والذاكرة وبناء المعنى، وركيزة أساسية في المشروع التنموي الوطني، بما يعزّز مكانته ودوره في إعادة تشكيل المخيال التنموي الجزائري.
المخيال الاقتصادي وإعادة كتابة التاريخ: غار جبيلات بوصفه لحظة تحوّل رمزي
يتيح مفهوم المخيال الاقتصادي مقاربة الاقتصاد بوصفه بناءً ثقافيًا وسوسيولوجيًا مركّبًا، لا مجرد منظومة تقنية أو حسابية تُدار بمنطق الكفاءة المجردة. فالمخيال يشمل جملة التمثلات، والتوقعات، والسرديات التي تتشكل من خلالها تصورات المجتمع والدولة حول الثروة، والعمل، والاستثمار، والزمن الاقتصادي. وبهذا المعنى، لا يُعد المخيال عنصرًا تابعًا للسياسات العمومية، بل فاعلًا مركزيًا في توجيهها وفي إنتاج القبول الاجتماعي بها.في هذا الإطار، يمكن فهم مشروع غار جبيلات كأداة لإعادة هندسة المخيال الاقتصادي الجمعي، عبر الانتقال من سرديات تقوم على الريع والاستهلاك السريع إلى سرديات تُعيد الاعتبار للإنتاج، والجدوى، والاستثمار طويل المدى. فالمشروع لا يستهدف فقط تحويل مورد طبيعي إلى قيمة اقتصادية، بل يسعى إلى إعادة تعريف ما يُعتبر موردًا، وما يُنظر إليه كقيمة منتجة داخل أفق التفكير الاقتصادي.ومن ثمّ، لا يمكن مقاربة غار جبيلات بوصفه استثمارًا منجميًا معزولًا، بل كفعل رمزي يعيد كتابة التاريخ الاقتصادي من حيث أنماط التمثّل التي حكمت علاقة الجماعة بالثروة، والعمل، والدولة. فالتاريخ الاقتصادي لا يُصاغ فقط عبر السياسات والمؤسسات، بل أيضًا عبر المخيال الذي يحدّد معنى الإنتاج وحدود الجدوى وأفق الممكن الاقتصادي.ويمثّل غار جبيلات، في هذا السياق، قطيعة رمزية مع سرديات اقتصادية سابقة، إذ يُعيد إدراج مفاهيم الزمن الطويل، والاستثمار البنيوي، والعمل الصناعي الثقيل ضمن أفق التفكير الجماعي. فالانتقال من اقتصاد الموارد السريعة إلى مشاريع بطيئة العائد يفرض تحوّلًا في الذهنية الاجتماعية، من منطق الاستفادة الآنية إلى منطق الصبر الاستثماري، ومن ثقافة التلقي إلى ثقافة الفعل المنتج.و يتحول الحديد إلى رمز للاستمرارية والجهد طويل النفس، وتتحول الأرض من مخزون ساكن إلى فضاء إنتاج واستثمار.وعليه، فإن غار جبيلات لا يفتح فصلًا جديدًا في التاريخ الاقتصادي فحسب، بل يطرح إمكانية لإعادة تشكيل الذهنية الاجتماعية، شريطة أن يتجاوز هذا التحول مستواه الرمزي والخطابي، وأن يترسخ في الممارسات اليومية وقيم العمل، بما يعيد الاعتبار للإنتاج بوصفه أساسًا للاندماج الاجتماعي.
خاتمة:
يمثّل مشروع غار جبيلات، أكثر من كونه استثمارًا منجميًا، بداية مسار تحولي في الذهنية الاقتصادية الجزائرية، لما يحمله من دلالات رمزية تعيد الاعتبار للإنتاج، والعمل الصناعي، والزمن الاستثماري الطويل. غير أن هذا التحول لا يُقاس بنتائج اقتصادية فورية، بل بقدرته على إعادة تشكيل المخيال الاقتصادي وتغيير أنماط التمثّل المرتبطة بالثروة ودور الدولة.وعليه، يمكن القول إن غار جبيلات لا يحقّق قطيعة نهائية مع الذهنية الريعية، لكنه يفتح أفقًا جديدًا لإعادة بنائها تدريجيًا،
