تمثل الصحراء الكبرى واحداً من أقدم المجالات الجيوحضارية التي حافظت على نظمها الاجتماعية رغم التحولات السياسية والإقليمية الكبرى. وتعد منطقة جانت، الواقعة على تخوم التاسيلي نازجر، فضاءً مثالياً لدراسة تداخل الملك والسلطة والذاكرة في مجتمع إيموهاغ، حيث تتشابك السرديات الشفوية مع معطيات التاريخ السياسي للعصور الوسيطة وما بعدها.
في هذا المجال الصحراوي المفتوح، نشأت أنماط حكم محلية تتأرجح بين العرف القبلي والمصالح الاقتصادية، وبين الامتداد الأسري والتأثيرات الدينية القادمة من طرق التجارة والزوايا العلمية في تادمكة وإقدز وغاو. وتبرز شخصية غاون بوصفها إحدى أهم العلامات التي استقرت في المخيال الجمعي للمنطقة، ليس فقط باعتباره سلطانا أو زعيما، بل كرمز لتوازن السلطة في سياق تتداخل فيه رابطة الدم مع مقتضيات العرف.
أصول غاون بين الروايات الشفوية والأنساب المحلية
تحضر شخصية غاون في روايات سكان إغرمان (القصور التاريخية بمدينة جانت) كعنصر محوري ضمن الذاكرة الأسرية والقبلية. وتختلف الرواة في نسبه اختلافا يعكس طبيعة المجتمع الايموهاغي نفسه، حيث تتناوب الأسر القيادية عبر الزمن تبعاً للظروف السياسية والصراعات الإقليمية.
تشير المرويات الشفوية والمقاربات التاريخية المتداولة في جانت إلى أنّ أصل غاوُن ظل محل اختلاف، غير أن هذا الاختلاف لا ينفي تقاطع الروايات حول كونه شخصية وافدة ذات خلفية قيادية. فبعض الروايات تُرجع نسبه إلى سلالات ملكية جنوبية ارتبطت ببلاد السنغاي، ولا سيما منطقة غاو، وهو ما يُفسَّر في الذاكرة المحلية بوجود ملامح تُنسب إلى الزعامات الزنجية القديمة، كما يُستدل عليه من الاسم ذاته وما يحمله من إيحاءات جغرافية وتاريخية. وفي المقابل، تذهب روايات أخرى إلى أنّ غاوُن جد لكيل جانت، كون أبناءه الذين تفرعوا منه هم من كونوا سلالات القصور التاريخية في مدينة جانت خصوصا “إدرون، تغورفيت، إيجيف”، ما يجعله جزءا من النسيج المحلي المبكر لا مجرد وافد عابر. ورغم هذا التباين، تكاد جميع الروايات تتفق على أن وصول غاوُن إلى جانت كان مرتبطا باضطرابات سياسية في موطنه الأول، دفعته إلى البحث عن مجال أكثر استقرارا، فوجد في القصور المحصّنة فضاء مناسبا لإعادة بناء نفوذه. وقد استُقبل في البداية بوصفه شخصية ذات هيبة، لا باعتباره حاكمًا مفروضًا، ثم ترسّخ حضوره عبر علاقات مباشرة مع سكان جانت، قوامها التحالف والمصاهرة وتقاسم المجال، وهو ما جعله جزءًا من البنية الاجتماعية لا سلطة فوقها. ومع مرور الزمن، تحوّل إلى رمز قيادي معترف به، وتداخل نسبه مع أنساب أهل القصور، الأمر الذي يؤكد ارتباطه العضوي بالمجتمع المحلي. ويكشف استمرار الجدل حول نسبه في الخطاب المعاصر عن بقاء أثر السلطة القديمة في الذاكرة الجماعية، إذ تسعى كل فئة إلى تأويل أصل غاوُن بما يخدم موقعها الحالي، إما بإدراجه ضمن سلسلة حكّامها لإضفاء شرعية تاريخية على ذاتها، أو بتقليص صلته بها لتأكيد استقلالها عن إرث الحكم القديم.
ملامح السلطة في جانت خلال فترة غاون
تُجمع السرديات الشفوية على أن غاون لم يكن ملكا متسلطا بقدر ما كان “شيخا صاحب صلاحيات واسعة”. وفي مجتمع ايموهاغ، لا يُقاس الحكم بالقوة العسكرية وحدها، بل بالقدرة على تحقيق التوازن وحماية القوافل وتثبيت السلم بين المكوّنات المحلية.
تكشف الأبحاث الحديثة أنّ جانت خلال القرون الثلاثة أو الأربعة الماضية كانت نقطة محورية على طريق القوافل بين إقدز والشمال الجزائري وطرق أخرى متنوعة. وكانت هذه الحركة التجارية بحاجة إلى زعامة قوية، وهو ما قد يفسّر بروز شخصية مثل غاون.
وتشير الشهادات الشفوية المبحوث عنها في أخذ ملامحه خصوصا من مرويات القصور التاريخية القديمة، أنه حتى السياسة الممارسة من طرفه كحاكم لم تكن بنمط تسلط عليهم بقدر ما كانت على الدواخل والطامعين بالنفوذ الاستبدادي في جانت.
ويظل الجانب الأبرز في سيرته مخفيا بين ثنايا ما يجمع وما يتداول وما يُقص، لنخلص في النهاية إلى عدم وجود روايات تشير إلى ثورات أو انقسامات كبرى خلال فترته. وهذا مؤشر على أن حكمه –مهما كانت مدته– كان مقبولا في إقليم جانت.
اختفاء غاون: بين الغياب التاريخي وصناعة الأسطورة
يمثل لغز اختفاء غاون أحد أكثر الجوانب إثارة في الذاكرة الجماعية لجانت. فالروايات لا تعطي تاريخا محددا لوفاته أو مكان دفنه، بل تتحدث عن “اختفاء مفاجئ” فتح باب التأويل أمام الأجيال اللاحقة.
تقول إحدى الروايات إن غاون خرج في مهمة خاصة ولم يعد، بينما تشير أخرى إلى أنه غادر قلعته العلوية بأعالي الجهة الجنوبية لجانت تحديدا منطقة أجاهيل -إيدي- بسبب تربص داخلي ومن تم مقتله. وهناك من يرى أنه عاد إلى موطنه الأصلي بعد أن استقرت الأمور في الجنوب.
غير أن ما يلفت الانتباه هو أنه لم يترك أثرا ماديا بارزا –قبر، نقش، أو ضريح– غير ما أنتجته لنا قلعته التاريخية الشاهدة على أحداث هذه الشخصية. وهذا الفراغ المادي ساهم في تحويل غاون إلى شخصية شبه أسطورية، تستحضر في المناسبات، ويُختلف حول تفاصيلها، ويعاد إنتاجها في كل جيل بما يتناسب مع حاجاته الاجتماعية والسياسية. ومهما كان سبب اختفائه، فإن غاون لم يختف من الذاكرة؛ بل على العكس، تحوّل إلى رمز يعبّر عن فصل مهم من تاريخ السلطة في المنطقة، وهو فصل يتقاطع فيه الصمت التاريخي مع قوة الرواية الشفوية، ويتداخل فيه الواقع مع المتخيَّل.
غاون بين الذاكرة الشفوية والقراءتين التاريخية والاجتماعية
يتيح تحليل سيرة غاون فرصة لفهم البنى الاجتماعية في جانت، إذ تكشف الروايات عنه طبيعة العلاقات بين القصور، ودور الزعامات، وكيفية تشكّل السلطة في بيئة تعتمد على العرف أكثر من النصوص المكتوبة.
فالذهنية الايموهاغية تبني سرديتها على “السلوك” أكثر من “اللقب”، وعلى “المكانة” أكثر من “النسب”، وهو ما يفسّر استمرار تأثير غاون رغم غياب وثائق تاريخية مكتوبة عنه إلا ما ترسّب في مذكرات المستكشفين الاستعمار أو ما شابههم. كما أن غياب السجل المكتوب في تلك الفترة يفرض على الباحث التعامل مع الشفوية بوصفها مصدراً أساسياً، مع إخضاعها لمبادئ النقد التاريخي والتحليل المقارن.
من جهة أخرى، تكشف المناقشات المعاصرة حول نسب غاون ودوره السياسي عن استمرار حضوره في الهوية المحلية. فالمجموعات التي تؤكد نسبته إليها تسعى إلى ترسيخ مشروعيتها الرمزية، بينما تحاول مجموعات أخرى التقليل من صلته بها لتأكيد استقلالها أو لإعادة قراءة تاريخ المنطقة بمنظور جديد.
ويبيّن هذا أنّ شخصية غاون لم تعد مجرد عنصر من الماضي، بل أصبحت “رهاناً رمزياً” في رواية الحاضر. فذكره حاضر في المنتديات المحلية والنقاشات الأسرية والأغاني القديمة وحتى في مقارنات الناس بين السلط القديم والإدارة الحديثة. وتدلّ هذه الحيوية على أن غاون لم يكن شخصية عابرة، بل مكوّناً بنيوياً للذاكرة الجماعية، وعنصراً من عناصر الهوية السياسية والاجتماعية لجانت، يُستعاد كلما برزت الحاجة إلى مرجعية جامعة أو نموذج قيادة متوازن.
ختاما، تكشف سيرة غاون عن مرحلة مفصلية في تاريخ جانت؛ مرحلة تتداخل فيها الهجرات والأسر القيادية والتجارات العابرة للصحراء، وتتقاطع فيها الذاكرة الشفوية مع التحولات السياسية. وبينما يبقى أصل غاون ومدة حكمه وسبب اختفائه محل نقاش واسع، فإن أثره في الوعي الجمعي لا يزال ثابتا. فقد مثّل نموذجا للسلطة التي تجمع بين الحكمة والوساطة، وبين الانتماء القبلي والانفتاح على المجال الإقليمي الواسع.
ويسمح هذا النموذج بفهم كيفية تشكل السلطة لدى مجتمع إيموهاغ، وكيف تحولت سردية فرد واحد إلى جزء من هوية مدينة كاملة. وفي غياب الوثائق، تبقى الرواية الشفوية –مع ما تحمله من تنوع وتناقض– مادة لا غنى عنها لإعادة بناء سردية هذا الفضاء الصحراوي الذي ما زال يحتفظ بأسراره بين كثبان التاسيلي وذاكرة قاطنيه.
