كشفت دراسة علمية حديثة أجراها باحثون من جامعة “غافل” السويدية عن نتائج لافتة تتعلق بأداء محطة الطاقة الشمسية التجريبية بمنطقة وادي نشو في ولاية غرداية، التي أنشئت سنة 2016 بقدرة 1.12 ميغاواط، لتكون بمثابة مختبر مفتوح يختبر مدى قدرة تكنولوجيات الطاقة الشمسية على الصمود في مواجهة التحديات المناخية القاسية للصحراء الكبرى.
تجربة رائدة بتنوع تقني
تتكون المحطة من ثمانية حقول فرعية: ستة منها بقدرة إجمالية تبلغ 918 كيلوواط مزودة بهياكل ثابتة، فيما تعتمد الحقول المتبقية، بقدرة 203 كيلوواط، على أنظمة تتبع شمسية متحركة ترافق حركة الشمس على مدار اليوم.
ولتعزيز القيمة العلمية للتجربة، تم توزيع القدرة الإنتاجية على أربع تقنيات مختلفة من الألواح الشمسية:
100 كيلوواط من الألواح المصنوعة من السيليسيوم غير المتبلور.
100 كيلوواط من تيلوريد الكادميوم.
315 كيلوواط من الألواح أحادية البلورة.
606 كيلوواط من الألواح متعددة البلورات.
هذا التنوع مكّن الباحثين من إجراء مقارنة دقيقة بين مختلف التكنولوجيات وأنظمة التثبيت، ما جعل المحطة نموذجاً علمياً مرجعياً في المنطقة المغاربية والساحل الإفريقي.
مفاجأة الشتاء الصحراوي
اعتمدت الدراسة على بيانات دقيقة جُمعت على مدار سنة كاملة، حيث تم تسجيل القياسات كل نصف ساعة وفق المعيار الدولي IEC 61724. وأظهرت النتائج تأثيراً مباشراً للعوامل المناخية على الأداء الطاقوي.
فرغم أن متوسط الإشعاع الشمسي اليومي تراوح بين 5.4 و7.1 كيلوواط ساعي لكل متر مربع، إلا أن العامل الأكثر حسماً كان درجة الحرارة. فقد سجلت أعلى القيم في جويلية (42°م)، وأدناها في ديسمبر (16°م).
وبخلاف الاعتقاد السائد، أبانت النتائج أن أشهر الشتاء كانت الأكثر إنتاجية وكفاءة، حيث أدت البرودة إلى تقليل الفقد الحراري في الألواح وزيادة المردودية الكهربائية. وهو ما يفتح آفاقاً جديدة لفهم ديناميكية عمل المحطات الشمسية في بيئات شديدة الحرارة.
أداء يضع الجزائر في الريادة الإقليمية
بلغ معدل الأداء الإجمالي (Performance Ratio) للمحطة 82%، وهو مستوى يضع التجربة الجزائرية في صدارة التجارب الإقليمية، متفوقة على محطة موريتانيا (66%) والمغرب (79%)، وقريبة من محطة الكويت (84.5%).
وأكد الباحثون أن هذه النتائج “تبرز كفاءة عالية للمحطة الجزائرية مقارنة بمشاريع أخرى في ظروف بيئية مشابهة”، ما يعزز مصداقية الجزائر كفاعل جاد في مجال الطاقات المتجددة.
انعكاسات وطنية واستراتيجية
تكتسي هذه النتائج أهمية مزدوجة: علمية وتقنية من جهة، واستراتيجية واقتصادية من جهة أخرى. فمن الناحية العلمية، توفر المحطة قاعدة بيانات متكاملة تساعد الباحثين على تحسين تصميم المحطات المستقبلية وتكييفها مع المناخ المحلي. أما من الناحية الاستراتيجية، فهي تدعم التوجه الوطني الذي أقره رئيس الجمهورية في تسريع الانتقال الطاقوي وتقليص الاعتماد على الوقود الأحفوري.
كما أن التجربة تمثل دليلاً عملياً على إمكانية استغلال المساحات الشاسعة في الجنوب الجزائري لإطلاق مشاريع طاقة شمسية كبرى، ما يجعل الجزائر مرشحة للعب دور محوري في تزويد شمال إفريقيا وأوروبا بالطاقة النظيفة خلال العقود المقبلة.
نحو جيل جديد من المحطات الشمسية
تفتح هذه الدراسة الباب أمام تطوير جيل جديد من المحطات الشمسية في الجزائر، أكثر قدرة على مواجهة تحديات المناخ الصحراوي عبر:
تحسين اختيار المواد والتقنيات الأكثر مقاومة للحرارة والغبار.
اعتماد أنظمة تبريد مبتكرة للألواح.
دمج الذكاء الاصطناعي في إدارة أنظمة التتبع والتشغيل.
استغلال البيانات الضخمة لتحسين الكفاءة الطاقوية على المدى الطويل.
تشكل محطة وادي نشو تجربة رائدة تتجاوز بعدها المحلي لتصبح مرجعاً علمياً دولياً في مجال الطاقة الشمسية. فهي تثبت أن الصحراء، رغم قسوة مناخها، قادرة على أن تكون خزّاناً نظيفاً ومستداماً للطاقة، يساهم في تنويع الاقتصاد الوطني ويدعم طموحات الجزائر في التحول إلى قوة طاقوية متجددة على المستويين الإقليمي والعالمي.

