خديجة بن الصديق – غرداية | مراسلو الجنوب الكبير
شهد حي الحديقة بمدينة متليلي الشعانبة، بحر السبوع المنصرم، انطلاق فعاليات العرس الجماعي في أجواء تنظيمية مميزة، حيث جمع بين البعد الديني والتراثي والاجتماعي في صيغة تعكس عمق التقاليد المحلية وقدرة المجتمع على إنتاج الفرح الجماعي بوصفه فعلًا اجتماعيًا منظمًا.
وانطلقت فعاليات هذا الحدث بمجرى الواد (الشعبة)، أين شهدت الأجواء عروضًا تراثية مميزة تمثلت في ألعاب الفانتازيا (الفروسية التقليدية)، التي شكلت لوحة احتفالية نابضة بالحياة، استحضرت الذاكرة الثقافية للمنطقة وأبرزت رمزية الفروسية كجزء من الهوية المحلية، في لحظة تلاقت فيها المهارة والفرجة والانتماء الجماعي.
وفي اليوم نفسه، جرت مراسم عقد الزواج الشرعي داخل مسجد العباس بن عبد المطلب، في أجواء روحانية هادئة اتسمت بالسكينة والوقار، حيث اكتسب الحدث بعده الديني والمؤسساتي، مؤكّدًا أن الزواج في هذا السياق ليس مجرد رابطة فردية، بل فعل اجتماعي مؤسس يُؤطر داخل المرجعية الدينية والقيمية للمجتمع.
ومع انتقال التظاهرة إلى يوم التالي، بلغت الفعاليات ذروتها خلال ليلة احتفالية كبرى، تم خلالها تتويج 32 عريسًا دفعة واحدة، وسط حضور رسمي لافت ضم السلطات المحلية والأمنية وممثلي وسائل الإعلام، إلى جانب حضور جماهيري واسع من سكان الحي والضيوف، ما منح الحدث طابعًا شبه عمومي يعكس تداخل المجتمع مع مؤسساته الرسمية.
وقد تميزت هذه السهرة بتعدد الفاعلين وتنوع المرجعيات المشاركة، حيث تولى الشيخ الأستاذ علي بن صيفية تقديم وتنشيط فقرات الحفل، مسهمًا في ضبط إيقاع السهرة وتنظيم مداخلها بروح تجمع بين الخطاب الديني والبعد الاجتماعي.
كما قدّم الدكتور بن قومار لخضر، أستاذ جامعي بجامعة غرداية، مداخلة ذات طابع توعوي، ركزت على مكانة الأسرة بوصفها الخلية الأساسية لبناء المجتمع، وأهمية الزواج في تحقيق الاستقرار الاجتماعي ونقل القيم بين الأجيال.
وشارك الإمام مختار الرمة بمداخلة دينية أبرز فيها البعد الشرعي والأخلاقي للزواج، ودوره في ترسيخ التوازن الاجتماعي وحماية الروابط الأسرية.
أما المداخلة البارزة، فكانت للدكتور توفيق المخزومي، المختص في التكنولوجيا الصناعية وتطوير الكفاءات البشرية، حيث تناول في عرضه الأبعاد الإنسانية والاجتماعية للمعرفة، مبرزًا العلاقة بين بناء الإنسان وتطوير المجتمع، ومؤكدًا أن الأسرة تمثل النواة الأولى لتشكيل الاستقرار النفسي والاجتماعي، وأن الزواج ليس فقط ارتباطًا عاطفيًا، بل مشروعًا اجتماعيًا لإنتاج التوازن والاستمرارية داخل المجتمع.
وقد أضفت هذه المداخلات مجتمعة بعدًا معرفيًا وقيميًا على الحدث، جعلت من العرس الجماعي فضاءً للحوار بين الدين والمعرفة والمجتمع، وليس مجرد احتفال عابر.
وفي المجمل، يعكس هذا العرس الجماعي بحي الحديقة بمدينة متليلي الشعانبة نموذجًا اجتماعيًا متكاملًا، تتقاطع فيه الدولة والدين والكفاءات العلمية والفاعلون المحليون، في لحظة رمزية تُعيد إنتاج معاني التضامن والتكافل، وتؤكد قدرة المجتمع المحلي على تنظيم حدث جماعي يزاوج بين الأصالة والحداثة، ويجسد في الآن ذاته استمرارية تقاليد الفرح الجماعي بوصفها آلية لإعادة بناء الروابط الاجتماعية وتعزيز الانتماء الجماعي.

