يشهد قطاع غزة واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العصر الحديث، في ظل استمرار العدوان الصهيوني وما خلّفه من دمار واسع للبنية التحتية، وانهيار شبه كامل للخدمات الأساسية، وتفاقم غير مسبوق للأوضاع الصحية والمعيشية لملايين السكان. وفي هذا السياق، حذّر مسؤول أممي من أن ما يجري في القطاع يمثل “أحد أكبر المآسي من صنع الإنسان في عصرنا”، داعيًا إلى تمكين وكالات الأمم المتحدة من توسيع نطاق وصولها لتلبية الاحتياجات العاجلة.
تحذيرات أممية من كارثة ممتدة لسنوات
أكد مدير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، خلال أول زيارة ميدانية له إلى غزة منذ توليه منصبه، أن حجم المعاناة الإنسانية يفوق الوصف، مشيرًا إلى أن العائلات والأطفال يعيشون في ظروف قاسية وهم يحاولون البقاء على قيد الحياة وسط الدمار. ورغم ذلك، لفت إلى ما وصفه بالصمود اللافت لدى السكان، معتبرًا أن المجتمع الدولي يمتلك القدرة على تقديم حلول عملية إذا أُتيحت الإمكانات والظروف المناسبة لعمل وكالات الأمم المتحدة داخل القطاع.
ومن أبرز المؤشرات على حجم الكارثة، تقدير المسؤول الأممي بأن إزالة الأنقاض المتراكمة قد تستغرق نحو سبع سنوات كاملة إذا استمرت العمليات بالوتيرة الحالية، وهو ما يعكس حجم الدمار الهائل الذي طال الأحياء السكنية والمرافق الحيوية.
تحديات إنسانية متعددة الأبعاد
و تتمثل أبرز الأولويات الإنسانية العاجلة في إزالة الركام والنفايات ، حيث أدى الدمار الكبير إلى تراكم ملايين الأطنان من الأنقاض والنفايات، ما يهدد بانتشار الأمراض والأوبئة، خاصة في المناطق المكتظة بالسكان. وقد بدأت بالفعل عمليات نقل مئات آلاف الأطنان بعيدًا عن التجمعات السكنية، في محاولة لتقليل المخاطر الصحية والبيئية.
بالإضافة إلى أزمة الإيواء حيث يعيش مئات الآلاف من النازحين في خيام بدائية تفتقر إلى الحد الأدنى من مقومات الحياة، ما يزيد من معاناتهم في ظل الظروف المناخية القاسية. وتشير التقديرات إلى إمكانية توفير مساكن إغاثية أكثر أمانًا واستدامة إذا توفرت الإمكانات اللوجستية والدعم الدولي.
إلى جانب القطاع الصحي المنهك حيث يعاني النظام الصحي من نقص حاد في المعدات والأدوية، مع تزايد أعداد الجرحى والمرضى الذين يحتاجون إلى علاج عاجل، ما يبرز أهمية إدخال المساعدات الطبية وإتاحة إجلاء الحالات الحرجة إلى خارج القطاع.
إدانات عربية وإسلامية واسعة لقرار الاحتلال بشأن أراضي الضفة الغربية
أدان وزراء خارجية ثماني دول، هي جمهورية مصر العربية، المملكة الأردنية الهاشمية، الإمارات العربية المتحدة، جمهورية إندونيسيا، جمهورية باكستان الإسلامية، جمهورية تركيا، المملكة العربية السعودية، ودولة قطر، بشدة القرار الصادر عن الاحتلال الإسرائيلي بتصنيف أراضٍ في الضفة الغربية المحتلة على أنها ما يُسمّى «أراضي دولة»، والموافقة على الشروع في إجراءات تسجيل وتسوية ملكية الأراضي على نطاق واسع، وذلك للمرة الأولى منذ عام 1967.
وأكد الوزراء، في بيان مشترك، أن هذه الخطوة غير القانونية تمثل تصعيدًا خطيرًا يهدف إلى تسريع النشاط الاستيطاني غير المشروع، ومصادرة الأراضي، وترسيخ السيطرة الإسرائيلية، وفرض سيادة غير قانونية على الأرض الفلسطينية المحتلة، بما يقوّض الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني.
انتهاك صارخ للقانون الدولي
وشدد البيان على أن الإجراءات الإسرائيلية تمثل انتهاكًا صارخًا للقانون الدولي والقانون الدولي الإنساني، ولا سيما اتفاقية جنيف الرابعة، فضلًا عن مخالفتها لقرارات مجلس الأمن الدولي ذات الصلة، وعلى رأسها القرار 2334 الذي يؤكد عدم شرعية الاستيطان في الأراضي الفلسطينية المحتلة.
كما أشار الوزراء إلى تعارض القرار مع الرأي الاستشاري الصادر عن محكمة العدل الدولية بشأن الآثار القانونية للسياسات والممارسات الإسرائيلية في الأرض الفلسطينية المحتلة، والذي شدد على عدم قانونية التدابير الرامية إلى تغيير الوضع القانوني والتاريخي والديمغرافي لتلك الأراضي، وضرورة إنهاء الاحتلال، وحظر الاستيلاء على الأراضي بالقوة.
تهديد مباشر لحل الدولتين
ورأى البيان أن الخطوة الإسرائيلية تمثل محاولة لفرض واقع قانوني وإداري جديد يكرّس السيطرة على الأرض المحتلة، بما يقوّض حل الدولتين، ويبدد آفاق إقامة دولة فلسطينية مستقلة قابلة للحياة، ويعرّض فرص تحقيق سلام عادل وشامل في المنطقة للخطر.
وجدد الوزراء رفضهم القاطع لجميع الإجراءات الأحادية الرامية إلى تغيير الوضع القانوني والديمغرافي والتاريخي للأرض الفلسطينية المحتلة، مؤكدين أن هذه السياسات تمثل تصعيدًا خطيرًا من شأنه زيادة التوتر وعدم الاستقرار في الأراضي الفلسطينية والمنطقة بأسرها.
دعوة لتحرك دولي حاسم
ودعا البيان المجتمع الدولي إلى الاضطلاع بمسؤولياته واتخاذ خطوات واضحة وحاسمة لوقف هذه الانتهاكات، وضمان احترام القانون الدولي، وصون الحقوق غير القابلة للتصرف للشعب الفلسطيني، وفي مقدمتها حقه في تقرير المصير، وإنهاء الاحتلال، وإقامة دولته المستقلة ذات السيادة على حدود الرابع من يونيو 1967 وعاصمتها القدس الشرقية.
وفي سياق ذاته دعا الاتحاد الأوروبي الاحتلال إلى التراجع “الفوري” عن الإجراءات الجديدة، معتبرًا أنها تمثل خرقًا صريحًا للقانون الدولي وتقوض فرص حل الدولتين، وذلك عبر تصريحات رسمية صادرة عن متحدث باسم المفوضية الأوروبية.
كما أدانت رابطة العالم الإسلامي القرار، مطالبة المجتمع الدولي بتحمل مسؤولياته القانونية والأخلاقية، واتخاذ خطوات عملية لوقف الانتهاكات، وتنفيذ قرارات الشرعية الدولية المتعلقة بحقوق الشعب الفلسطيني.
من جانبها، اعتبرت جامعة الدول العربية الخطوة تصعيدًا خطيرًا وانتهاكًا صارخًا للقانون الدولي، مؤكدة أن أي إجراءات تهدف إلى تغيير الوضع القانوني أو التاريخي للأراضي الفلسطينية، بما فيها القدس الشرقية، باطلة ولا تترتب عليها آثار قانونية.
و تعكس المواقف الدولية الرافضة لسياسات الضم والاستيطان إدراكًا متزايدًا لمخاطر هذه الإجراءات على مستقبل عملية السلام، إذ يرى مراقبون أن استمرار التوسع الاستيطاني يهدد بشكل مباشر إمكانية تطبيق حل الدولتين، الذي لا يزال يمثل المرجعية السياسية الأساسية لمعظم الأطراف الدولية.
كما تبرز الأزمة الإنسانية في غزة تحديًا إضافيًا، إذ إن إعادة الإعمار ورفع المعاناة الإنسانية مرتبطان بشكل وثيق بالتطورات السياسية والأمنية، ما يجعل الحلول الإنسانية وحدها غير كافية دون معالجة جذور الصراع.
المجتمع الدولي أمام اختيار حقيقي
و تضع هذه التطورات الحالية المجتمع الدولي أمام اختبار حقيقي بين الالتزام بالمبادئ القانونية والإنسانية، أو الاكتفاء ببيانات الإدانة دون إجراءات عملية. فالأزمة في غزة لم تعد مجرد كارثة إنسانية طارئة، بل تحولت إلى مأساة ممتدة ذات أبعاد سياسية وقانونية عميقة، في وقت تتراجع فيه فرص التسوية السياسية مع استمرار التصعيد على الأرض
