من بين رمال الصحراء الغربية، حيث يمتد الأفق بلا حدود وتختفي معالم الطريق بين كثبان الرمال، يواجه الصحفيون تحديات قاسية بحثًا عن المعلومة ونقلًا للحقيقة. في كتابه “صحفيون في الصحراء“، يقدم الكاتبان إبراهيم الأنصاري وعثمان الشريف شهادة حيّة عن معنى أن تكون صحفيًا في أقسى الظروف، حيث تتحول الكلمة إلى زاد، والكاميرا إلى رفيق، والخطر إلى جزء من اليوميات.
في هذا الحوار، يحدثنا الأنصاري عن دوافعه لتوثيق هذه التجارب، وكواليس جمع القصص، وما تكشفه عن الصحافة في واحدة من أصعب البيئات على وجه الأرض.
الدافع؟
لم يكن هناك دافع واحد، بل جملة أسباب متشابكة، أولها الحس المهني، فتوثيق مثل هذه القصص هو في ذاته عمل صحفي يستحق أن يرى النور، يضيف أن إبراز الدور الكبير للصحفي الذي يعمل في بيئات قاسية، وصورة المخاطر التي يعيشها، كما أن مشاركة هذه التجارب ليستفيد منها الآخرون، وليتجنبوا الأخطاء التي قد يقع فيها الصحفي الميداني.
أما السبب الأهم فهو المعايشة المباشرة لمعاناة قد تصل إلى حد الموت عطشًا في الصحراء، أو الاعتقال لأسباب غير واضحة، أو حتى الاغتيال سواء بقصد أو بغير قصد. هذه القصص كانت تدفعنا دوماً للتفكير في ضرورة التوثيق، حتى لا تضيع هذه التجارب الإنسانية والمهنية في طي النسيان.”
جمع القصص؟
جمع القصص لم يكن بالأمر السهل، كنا في كثير من الأحيان نُرهق في التواصل مع الزملاء الصحفيين، خصوصًا أن بعضهم كان لا يجد الوقت الكافي للكتابة. لكن في الوقت نفسه، كانت العملية ممتعة وغنية، حين يبدأ الصحفي في سرد تجربته، كثيرًا ما يمنحك أكثر مما تتوقع. بعض القصص كانت مرعبة إلى حد كبير، تعكس الخطر المباشر الذي عاشه الصحفيون، فيما كان بعضها الآخر طريفًا، يحمل مواقف إنسانية أو مشاهد مضحكة وسط المعاناة. هذه المفارقة بين المأساوي والساخر جعلت الكتاب أكثر تنوعًا وواقعية.
الصعوبات؟
أكبر التحديات كان ضيق الوقت، وصعوبة التواصل مع الصحفيين الذين يعيشون في مناطق متباعدة جغرافيًا، لكن مع ذلك، كان تجاوبهم كبيرًا، فقد رحبوا بالفكرة، وحرصوا على تزويدنا بقصص ذات أبعاد مهنية وإنسانية عميقة. كل قصة حملت في طياتها دروسًا للآخرين، ورسائل عن قيمة المهنة، وعن معاناة يعيشها الصحفي بعيدًا عن الأضواء.
اختيار القصص؟
تركنا الحرية المطلقة للزملاء، أردنا أن يُعبّر كل صحفي عن نفسه بطريقته الخاصة، وأن ينقل التجربة كما عاشها. نحن لم نكن نريد ممارسة أي انتقائية قد تظلم التجربة الأصلية، والنتيجة أن القصص جاءت متنوعة، بعضها مليء بالمخاطر، وبعضها يسلط الضوء على تفاصيل يومية صغيرة لكنها عميقة المعنى. في النهاية، كان الهدف أن يوصل الصحفي رسالته بنفسه، دون وسطاء.
الدروس؟
الصحراء تعلّمك أشياء كثيرة، أولاً، ضرورة التخطيط المسبق وجمع أكبر قدر ممكن من المعلومات قبل الانطلاق. ثانيًا، الاستعداد بالمعدات اللازمة والاعتماد على دليل يعرف الطرق جيدًا. ثالثًا، أهمية التعاون مع السلطات والحصول على التراخيص اللازمة بدلاً من الدخول في مواجهات غير محسوبة. وأخيرًا، أخذ الوقت الكافي لإنجاز المهمة، لأن التسرع في بيئة قاسية كالصحراء قد يكون مميتًا. هذه ليست مجرد نصائح، بل شروط للبقاء على قيد الحياة.
الصحافة في الصحراء؟
الصحافة سلطة رابعة، وعين على الحقيقة. وعندما تكون الصحافة حرة ومهنية، فهي أداة نقد وتقييم لعمل بقية السلطات، كما أنها وسيلة لتعريف الشعوب ببعضها. الصحافة الاستقصائية والتحقيقات الميدانية على وجه الخصوص هي أدوات ثقافية مهمة، تنقل المعرفة من مكان إلى آخر، وتساهم في تعزيز التفاهم بين الثقافات المختلفة. باختصار، الصحافة هنا ليست مجرد مهنة، بل جسر يربط العوالم المتباعدة.
المستقبل؟
المستقبل مرتبط بشرطين: بقاء الصحراء، وبقاء الصحفيين المغامرين. الصحراء باقية ما بقيت الأرض، لكن الصحفيين الذين يملكون روح المغامرة أصبحوا عملة نادرة. كثيرون يفضلون العمل في المدن حيث الأمان والبنية التحتية، بينما يقل عدد من يجرؤون على اقتحام الصحراء. هذا أمر مقلق، لأن فقدان هذه التجارب يعني فقدان زاوية مهمة من الحقيقة. لكننا ما زلنا نأمل أن تظل هناك أجيال من الصحفيين مستعدة لحمل هذه الرسالة.
رسائل الكتاب؟
هناك رسالتان واضحتان: الأولى أن وراء كثبان الرمال شعوبًا تعيش معاناة صامتة تحتاج إلى من ينقل صوتها إلى العالم، والثانية أن الصحفي قبل أن يكون ناقلًا للخبر، هو إنسان نبيل يغامر بأغلى ما يملك – حياته – من أجل إيصال الحقيقة. أردنا أن نشدد على أن الصحافة في جوهرها فعل إنساني قبل أن تكون مهنة.
كلمة أخيرة؟
لا يسعني إلا أن أتوجه بالشكر إلى صحيفة الجنوب الكبير على هذه المبادرة الكريمة. بالنسبة لي، هذا الحوار يساهم في نشر رسالة الكتاب، ويمنحنا فرصة أوسع لوصوله إلى القراء. وأحب أن أؤكد دائمًا أن الصحافة رحم بين أهلها، وأننا في صحيفة الرؤى الإفريقية التي أتشرف برئاسة تحريرها، منفتحون على أي تعاون يخدم هذه الرسالة. أشكر القراء أيضًا، فهم شركاؤنا في رحلة البحث عن الحقيقة.

حوار مديحة زيزاي
