تويقر عبد العزيز | مراسلو الجنوب الكبير
تبدو الدبلوماسية الفرنسية اليوم كمن يرقص رقصة “الديك المذبوح”، وهي تتخبط بين ملفات علاقتها بالجزائر. فبينما يطرق وزير داخليتها أبواب الحوار، تطلق مؤسساتها القضائية وأبواق يمينها المتطرف حملات تصعيد ممنهجة. هذا التناقض الصارخ يعكس عقلية استعمارية لا تزال تسيطر على مفاصل القرار في باريس، خاصة بعد “الإهانة” الدولية التي تجرعتها فرنسا من الإدارة الأمريكية، لتبحث عن “كأس مر” تصبه في اتجاه الجزائر.
وما يؤكد انعدام الجدية هو ملف الأموال المنهوبة؛ فمن بين 61 إنابة قضائية جزائرية، لم تجد واحدة منها طريقاً للتنفيذ، في وقت أبانت فيه الجزائر عن ندية سيادية غير مسبوقة، واضعةً فرنسا أمام مرآة عجزها التاريخي والدبلوماسي.
وتواجه العلاقات الجزائرية الفرنسية منعطفاً حاداً يكشف عن صراع أجنحة داخل المؤسسات الفرنسية. ففي الوقت الذي تسعى فيه أطراف فرنسية لفتح قنوات حوار ندي مع الجزائر، تتحرك “الدولة العميقة” في الاتجاه المعاكس عبر تصعيد قضائي وإعلامي غير مبرر. ولعل الخروج المتهور للمدعي العام الفرنسي لمكافحة الإرهاب، التي وصفها مصدر من الخارجية الجزائرية لوكالة الأنباء بـ”المتهورة”، وحديثه غير المسؤول عن “إرهاب الدولة”، ليس إلا محاولة بائسة لصناعة “كبش فداء” يغطي على الأزمات الداخلية الفرنسية. وتفتح الباب واسعاً للتساؤل عن تداعيات هذا “الابتزاز السياسي” على مستقبل التعاون الثنائي.
هذا التوتر لا ينفصل عن واقع الأزمات التي تعصف بفرنسا دولياً، ومحاولتها الهروب نحو افتعال أزمات مع الجزائر لتصدير مشاكلها. ولعل لغة الأرقام هي الأصدق؛ حيث يبرز ملف “الإنابات القضائية الـ61” العالقة كدليل قاطع على عدم جدية الجانب الفرنسي في طي ملفات الماضي واسترجاع الحقوق، مما يضع العلاقات في نفق مظلم تزداد فيه الفجوة بين “استجداء الحوار” و”ممارسات العداء”.
وكالة الأنباء الجزائرية مستندة إلى مصدر رسمي بالخارجية أوضحت أن:”المدعي الفرنسي تطرق, بشكل عابر وغير مسؤول ومتهور, إلى الجزائر في إطار إجراءات مفتوحة تتعلق بإرهاب الدولة. ليضيف أن “هذا الاتهام غير المبرر لا يمكنه طبعا إلا أن يثير الاستنكار والازدراء”.هذا الاتهام البائس يراه مصدر وكالة الأنباء “مدان لما هو عليه في الحقيقة: تهجم يائس على بلد, الجزائر, إذ يسعى سياق فرنسي متهالك إلى البحث عن كبش فداء ومتنفس لمواجهة كل التحديات التي تعصف بفرنسا, والتي تعجز عن تجاوزها”.
البروفيسور عبد السلام فيلالي ، أستاذ العلوم السياسية العلاقات الدولية بجامعة باجي مختار عنابة ل ” الجنوب الكبير” : خرجة المدعي العام، اتهام سياسي بحث، يندرج ضمن مسار التهجم على الجزائر

قال البروفيسور عبد السلام فيلالي في تصريح ل “الجنوب الكبير” في تعليقه على خرجة المدعي العام الفرنسي أن تصعيدا جديدا قادم من فرنسا ضد الجزائر، تصعيد غير مسبوق وخطير جدا، ينم عن غياب حسن التدبر والتعامل الكيِّس مع الجزائر، يدرج في سياق التدهور المستمر لخطاب تيار سياسي يميني يمكن وصفه بالعدائي تجاه بلادنا. وذلك عقب تصريح المدعي العام الوطني الفرنسي لمكافحة الإرهاب أوليفيي كريستان في مقابلة مع إذاعة “فرانس أنفو” حول وجود قضايا تحقيق مفتوحة في فرنسا تتعلق بما أسماه “إرهاب الدولة”، يحصره في دول بعينها منها الجزائر، بأن قام بتوجيه تهم بوجود “عمليات أو أنشطة على الأراضي الفرنسية تستهدف معارضين لها في الخارج”، لكن دون تقديم تفاصيل محددة أو اتهامات قضائية مباشرة ضد الجزائر. بما يجعلنا نستدعي قضية توقيف وسجن المسؤول القنصلي الجزائري “صلاح الدين سلوم” منذ سنة.
وأضاف البروفيسور، “إن هذا الأمر يجعلنا نعتقد بأن الوصول إلى هذا المستوى من التصعيد الذي صار يعني الدولة الجزائرية وليس مواطنا جزائريا، هو اتهام سياسي بحث، يندرج ضمن مسار التهجم على الجزائر الذي صار ديدن بعض الساسة والإعلاميين الفرنسيين، والذي هدفه النيل من الجزائر شعبا وحكومة والسعي إلى تحقيق مكاسب ظرفية فيما يتعلق بملفات تخص العلاقات الجزائرية-الفرنسية”.
و أوضح انه وإزاء هذا القرار الذي يمكن وصفه بالاستفزازي، يمكن توقع الرد الجزائري الرسمي بالرفض والاستهجان. فقد وصف “مصدر مأذون من وزارة الشؤون الخارجية” كما ورد في برقية لوكالة الأنباء الجزائرية هذا القرار بالعابر وغير المسؤول والمتهور ويضيف بأنه قرار غير مبرر و:”لا يمكنه طبعا إلا أن يثير الاستنكار والازدراء”، وبالتالي يتم إدانته. ثم يختتم :”…تهجم يائس على بلد، الجزائر، إذ يسعى سياق فرنسي متهالك إلى البحث عن كبش فداء ومتنفس لمواجهة كل التحديات التي تعصف بفرنسا، والتي تعجز عن تجاوزها”.
و حسب عبد السلام فيلالي دائما، فإنه وعكس ما هو منتظر في العرف الديبلوماسي ومنطق التعامل مع الشركاء وتبعا لتصريح المدعي العام الوطني الفرنسي لمكافحة الإرهاب، نحن أمام غلق لباب الحوار وتغييب لغة التهدئة، إذ لا يمكن للجزائر أن تتغاضى عن هذا التقدير السلبي لموقف السلطات السياسية الفرنسية ومن وراءها السلطة القضائية. فإن وضع اسم الجزائر بجانب اسمي دولتي إيران وروسيا ينم عن سوء نية بغاية الإحراج نظرا لحساسية وخطورة ملف “الإرهاب”. بالتالي ما يمكن توقعه مستقبلا من مواقف وإجراءات تصعيدية تبديها الجزائر. وأضاف يقول أن هذا الأمر يجعلنا نقول أننا أمام “حرق لسفن العودة”، فيما يتعلق بتطبيع العلاقات بين الجزائر وفرنسا. بما يعني مزيدا من التصعيد والتدهور والابتعاد أكثر فأكثر عن أي بادرة لحلحة الانسداد ومعالجة ملفات دبلوماسية عالقة والشراكة بين البلدين.
الدكتور فؤاد منصوري أستاذ العلوم السياسية بجامعة باجي مختار ل ” الجنوب الكبير” العلاقات الجزائرية الفرنسية : رهينة اليمين المتصهين !
من جهته أكد الدكتور فؤاد منصوري، ان المتتبع لمسار العلاقات الجزائرية الفرنسية بعد الاستقلال إلى اليوم يلاحظ تميزه بما يمكن أن نطلق عليه ظاهريا ” العلاقات المزاجية ” التي تتحدد في حزمة التوترات الغالبة على طبيعة هذه العلاقات.
وهذا بالنظر إلى تداخل عوامل معقدة ولا سيما التاريخية منها. ومما زاد المسألة حدة هو تحكم نخب قدامية ومتطرفة – رغم ما تبديه من حداثة واستنارة- مع نخب منتفعة منسلخة وفاقدة للهوية – وموظفة لهذه الورقة – في إدارة الصراع و تغذيته في شواهد زمنية مقصودة للانتقال إلى وضعيات تفاوضية أكثر مفاضلة تسمح لطرف بالنفوذ والاستغلال.
و أضاف ان اتفاقية 27 ديسمبر 1968 بين الجزائر وفرنسا الاتفاقية تعد الإطار الذي يضبط حركة الأشخاص وإقامتهم بين البلدين. و تتضمن جملة من الامتيازات التي تعود بالنفع على الطرفين اجتماعيا واقتصاديا . في جوهرها الاتفاقيات هي شكل تنظيمي وقانوني يرتب العلاقات بين الدول في جملة التزامات وامتيازات متبادلة، مترجمة بذلك لتوجهات السياسة الخارجية لكل دولة. هذه السياسة تتأثر بجملة فاعلين من بينهم الأحزاب السياسية المؤثرة في السلطة السياسية.إضافة إلى الجماعات الضاغطة التي تمارس تأثيرها ونفوذها بواسطة الشبكات التي تملكها أو تتحالف معها على مجموعة أهداف وغايات تسعى لتحقيقها وتستخدم في ذلك كل الوسائط: وسائل الإعلام بكل تشكيلاتها مثلا.
وفي تتبع لهذا المسار الذي يقوده غلاة اليمين أوضح منصوري، انه وفي الآونة الأخيرة تعالت أصوات فرنسية يمينية متصهينة نذكر أهمها : السفير الأسبق الفرنسي لدى الجزائر كزافيي دريانكور، مرشح الرئاسة الفرنسية إيريك زمور و رئيس الحزب الجمهوري اليميني إريك سيوتي… تدعو إلى الغاء اتفاقية 1968. والتي حسبهم تعطي للجزائريين امتيازات لا يتحصل عليها غيرهم. متناسين المنفعة المتبادلة بين مواطني البلدين ومتناسين التاريخ الأسود لفرنسا وما خلفته في الجزائر طيلة 132 سنة من الاستدمار المقيت .
وكان آخر تلك الأصوات الناعقة تصريح المدعي الفرنسي لمكافحة الإرهاب حول الجزائر والتي تعبر عن التخبط والانحياز لأطروحات اليمين المتصهين المتطرفة.
هذه الأطراف اليمينية المتطرفة تحركها نزعات سيكولوجية مصدرها العقد النفسية والأحقاد التاريخية. وأيضا حسابات انتخابية ضيقة. فكلما اقتربت المواعيد الانتخابية كلما تحركت هذه الدعوات المتطرفة التي تهدف إلى اكتساب مصالح انتخابية وإضعاف التقارب بين الشعبين والدولتين. مع عدم إغفال الأطراف واللوبيات التي تدفع إلى تأزيم العلاقات بين البلدين والتي تستثمر في فترات الأزمات بما يتماشى مع أجندتها الإقليمية والدولية .
وكشف الدكتور منصوري عن اعتقاده بان مصير الدولتين محكوم بتعاون مبني على الاحترام ، وبعيدا على عقلية الهيمنة التي طالما أفسدت العلاقة وجعلتها متأزمة في كثير من الأحيان.
ليختم بان المراهنة في المستقبل يجب أن تكون قائمة على نخبة سياسية فرنسية تدرك أن الجزائر بلد مستقل له سيادة كاملة، ومن حقه تنويع العلاقات التجارية والاقتصادية بما يخدم مصالحه. وتدرك أيضا أن موازين القوى قد تتغير لعدة معطيات، و أن الجزائر كقوة إقليمية متوسطية صاعدة تملك أوراقا إستراتيجية رابحة كثيرة، وهذا ضمن قراءة واقعية غير مغلوطة للتاريخ والجغرافيا.

