لا يختلف اثنان أن مستوى الحضيض الذي وصلت إليه الدبلوماسية الفرنسية في العشر سنوات الأخيرة لم تصل إليه من قبل حتى في أسوأ مراحل الجمهورية الخامسة منذ نشأتها في خمسينيات القرن الماضي، الدبلوماسية الفرنسية والتي يحتكر ممارستها رئيس الجمهورية وفق الدستور الفرنسي باتت في الآونة الأخيرة تتلاعب بها قوى غير دستورية ونخب مجتمعية استغلت ضعف شخصية الرئيس الفرنسي وقلة خبرته بدهاليز السياسة لتصفية حساباتها مع الجزائر، هذه النخب الفرنسية في العادة هم أحفاد الحركى الذين اختاروا ان يكون ضد الثورة التحريرية المباركة وساهموا في أذية الشعب الجزائري وساعدوا الاستعمار الفرنسي في جرائمه ونخب أخرى من احفاد المعمرين ومن يحن الى الفترة الاستعمارية التي قبرها الشعب الجزائري ورمي بها البحر، هكذا باتت الدبلوماسية الفرنسية باتت تدار خارج أسوار الاليزي، في وقت يعرف فيه العالم تحركات عميقة في مركزه، والتفاهمات الكبرى التي تدار بين الولايات المتحدة الامريكية وروسيا بشأن إعادة رسم الحدود الأمنية للقارة الاوربية، في غياب الاوربيين أنفسهم، يفترض على الدبلوماسية الفرنسية ان تكون حاضرة بما انها كانت دوما ترفع شعار أوربا قوية ومحررة لا تابعة ولا منقاذة.
دبلوماسية الديك المذبوح المثال الأصح لما تسير عليه الدولة الفرنسية التي دخلت في صراعات عقيمة مع دول الساحل الافريقي كلفها فقدان العديد من الامتيازات لصالح قوى جديدة وافدة روسيا الصين وتركيا، بل أن أداء القوى الوظيفية يتفوق على أداء الدولة الفرنسية التي لم يعد مرحبا بوجودها، بل الأكثر من ذلك وقبل اربع سنوات فقدت الدولة الفرنسية صفقة تسليح هامة تقدر بمليارات الدولارات مع استراليا لصالح الولايات المتحدة الامريكية، كان من الأولى مساءلة الأداء الهزيل لهذه الدبلوماسية التي يتراجع أداءها يوما بعد يوم في المسرح الدولي ولم يعد لها أي تأثير واضح، بل صارت دبلوماسية الرسائل الداعمة للمخزن المغربي في قضية احتلال الصحراء الغربية التي هي قضية تصفية استعمار مدونة في اللجنة الرابعة لمنظمة الأمم المتحدة ودعمتها قرارات المحكمة العليا الأوربية.
دبلوماسية الديك المذبوح فقدت البوصلة واختارت الاتجاه الخطأ في معاداتها للمصالح الجزائرية، دبلوماسية دولة عظمى عضو دائم في مجلس الامن الدولي اختارت ان تقوم بدور الشرطي المرتشي الذي ينفذ الأوامر المخالفة لمبادئه وباتت تنتهك الأعراف الدبلوماسية وحرمة القنصليات والدبلوماسيين الذين هم محميين بموجب اتفاقية فينا، دبلوماسية الديك المذبوح التي كانت ترفع شعار الدفاع عن الحرية والمساواة والعدالة تبعا لمبادئ الثورة الفرنسية لم تحرك ساكنا أمام المجازر البشعة التي يتعرض لها الفلسطينيين في قطاع غزة المحاصر والمنكوب، في وقت آلة الدبلوماسية الجزائرية تعمل دون كد أو ملل لإيقاف المجازر والانتهاكات الجزيمة التي يمارسها الكيان الصهيوني.
دبلوماسية الديك المذبوح وفي آخر خرجاتها يعلن الرئيس الفرنسي انه سيفرض تأشيرات دخول للدبلوماسيين الجزائريين لدى مرورهم على الأراضي الفرنسية في خطوة متأخرة أضرت بسمعة فرنسا اكثر، هذه الدبلوماسية باتت تنقاد بإملاءات المؤثرين الهاويين وليس بالمبادئ الدولية، في وقت تجري فيه الولايات المتحدة الامريكية وروسيا الترتيبات لعقد قمة بين رئيسي الدولتين لبحث مستقبل العالم وإعادة رسم التوازنات الدولية دون إعطاء أي أهمية للجانب الفرنسي الذي دبلوماسيته فقدت بوصلتها وطريقها.
الدبلوماسية الفرنسية تصدم بمبادئ الدبلوماسية الجزائرية التي لا تقبل المساومة والانصياع فهي تستمد ثباتها وقوتها من قيم الثورة المجيدة في الدفاع عن الحقوق والاصطفاف مع العدالة، ما وصلت الية الدولة الفرنسية مؤخرا يكشف عن حقيقة واحدة أن الجمهورية الخامسة وصلت إلى مراحل جد متقدمة في شيخوختها، هذه الجمهورية انتقلت من التناقضات المجتمعية وادماج المهاجرين الى التناقضات الدولية والصراعات العقيمة.
الجزائر بعد الحراك الشعبي المبارك لم تعد كما كانت قبل، الدبلوماسية الجزائرية طالبت بمراجعة عديد الاتفاقيات مع الاتحاد الأوربي التي كانت مجحفة استغل فيه الظرف الأمني الذي مرت به الدولة الجزائرية في مرحلة ما، ومراجعة الاتفاقيات حتى مع الجانب الفرنسي بما يضمن حق الدولة الجزائرية هذه الندية ازعجت كثيرا الجانب الفرنسي مما جعل دبلوماسيته تتحرك في رقصة الديك المذبوح ويتحرك في جميع الاتجاهات ويفقد العديد من المزايا قبل ان يواجه مصيره المحتوم.

