الدكتور محمد بغداد | مراسلو الجنوب الكبير
في غمرة الاحتفال باليوم العالمي لحرية التعبير، نجد أنفسنا أمام حتمية البحث عن مشاريع صناعة الإعلام الجزائري في العصر الحديث، ليقابلنا مشروع من أهم المشاريع التي أسست للتجربة الإعلامية الجزائرية، وهو المشروع الذي قام على أكتاف شيوخ وطلبة الزوايا، والاهم من ذلك الأرضية التأسيسية لهذا المشروع التي يستغرب من يراجعها وكأنها تصاغ في ظروف اليوم واستجابة للمستجدات والتحديات الحاضرة، مما يوجب على النخب في هذه المناسبة الكشف عن حقيقة المشاريع المؤسسة للمنظومة الإعلامية الجزائرية.
الجرد الثقيل
لقد أعلن شيوخ الزوايا من اليوم الأول عن مضمون مشروعهم الصحفي قائلين (القصد من تأسيس المدارس والصحف محاربة الجهل وبث العلم في صدور فلذات أكبادنا، ليكونوا في مأمن من السموم التي منفك الخصوم ينفثونها في قلوب الناشئة)، ففي فترة ستة عشر سنة فقط من بداية القرن العشرين (1923 ـــــ 1939)، اصدر شيوخ الزوايا الجرائد التالية: جريدة كوكب إفريقيا ــ كحول محمود (1907 )، وجريدة لسان الدين (1923 )، وجريدة البلاغ الجزائري (1926)، وجريدة الإخلاص(1932)، وجريدة المعيار(1932)، وجريدة الرشاد(1938)، أن عملية الجرد التاريخي لمنتوج المشروع الإعلامي للزوايا، بإمكانه ليس توثيق منجزات هذا المشروع الذي يتغافل عنه أصحابه اليوم وينقضون غزل الرواد، ولكن الأهم من ذلك كيفية بناء الذاكرة الإعلامية للمجموعة الوطنية، التي تحتاجها اليوم الأجيال الإعلامية الوافدة.
لأن المراهنة على أفق إعلامي يتناسب مع الموجة الاتصالية الزاحفة اليوم، والتشبث بإمكانية الانتقال نحو انجاز المهمة التاريخية المنتظرة من هذه الأجيال في ظل اكراهات المستجدات الحالية، لا يمكن أن يتحقق والمرجعية التأسيسية الإعلامية الوطنية غير مكتملة، أو تعتريها الضبابية، لان الأمم الناجحة مشاريعها الإعلامية تلك التي تستند على التراكم وتستثمر في المنجزات السابقة، وتحولها إلى حوافز نفسية وثقافية وإبداعية، تحقق بها المصالح العليا للمجموعة الوطنية، دون الوقوع في إعادة إنتاج الماضي أو تكراره، وإنما البناء عليه والسعي إلى تطويره والاحتماء بمبادئه ومثله العليا، التي تمنح الأجيال الجديدة الميزة التفضيلية التي تطبع هويتها وتعرف شخصيتها وتميز إبداعاتها.
تشفير المقصود
من أجل فهم عميق لمضمون مشروع شيوخ الزوايا، نحتاج إلى الوقوف عند أغوار المحتوى الذي ظهر به المشروع في بعض المؤسسات الإعلامية، فجريدة الرشاد،كانت صحيفة أسبوعية دينية، إخبارية سياسية تصدر يوم الثلاثاء من كل أسبوع، صدر العدد الأول منها في اليوم الثاني من شهر جانفي 1923 في العاصمة، رئيس تحريرها هو مصطفى حافظ، الذي كان صاحب هذه المبادرة، برعاية أحمد بن مصطفى بن عليوة مؤسس الطريقة العليوية، وبعد العدد السابع الصادر بتاريخ 13 فيفري 1923 ينتقل تسيير الإدارة إلى الحسن بن عبد العزيز القادري)، ويظهر من خلال بعض أعداد الجريدة أنها كانت تمجد الطريقة العليوية، وتبين الأعمال الخيرية التي كانت تقوم بها، مؤكدة بأن من أهدافها نشر هذه الطريقة، كما كانت تطمح إلى ضم الطرق الصوفية في الجزائر إلى طريقة واحدة يتولى مشيختها أحمد ابن عليوة كما بينت بأن غرضها الأساسي هو إعلاء كلمة الدين وتخليصه من الشوائب، حيث وردت جل مقالاتها نصف الحالة الدينية في المجتمع الجزائري، وتستهجن الفساد الأخلاقي الذي ساد بعد الحرب العالمية الأولى، وتدعوا الناس إلى التمسك بالقيم الإسلامية وقد جاء في افتتاحية الجريدة بأنه : ” قد بلغ بهذه الأمة إلى انعدام الإدراك.
وصحيفة البلاغ الجزائري، جريدة أسبوعية صدرت يوم 24 ديسمبر سنة 1926 في مستغانم، ثم انتقلت إلى العاصمة، تحت إشراف الطريقة العليوية الدرقاوية الشاذلية، وقد أسسها أحمد بن عليوة شيخ الطريقة العليوية لتكون لسان حالها، وهي أول جريدة في الجزائر مصدرها طريقة صوفية، ولكن صحيفة البلاغ” لم تكن فقط جريدة طرقية بل كانت أيضا جريدة إخبارية عامة، وضعت عدة شعارات بهدف تحديد أهدافها للقراء ومن تلك الشعارات ” نحن مسلمون قبل كل شيء، وقد تناولت جريدة البلاغ الجزائري مواضيع متنوعة مست مختلف المجالات السياسية والاجتماعية والاقتصادية والدينية، فإلى جانب مدافعتها عن التصوف والطرقية، وقفت ضد التنصير ودافعت عن اللغة العربية، واهتمت بالحياة العامة، بما فيها السياسة ويقول الشيخ المدني، إن لها برنامج ديني وإسلامي وطني. وكان يشرف عليها محمد محي الدين حدوني.
المنعرج والمنجز
وأما صحيفة الإخلاص، فهي جريدة أسبوعية، دينية علمية، إخبارية، ظهر العدد الأول منها يوم 14 ديسمبر 1932 بالعاصمة، يحررها نخبة من العلماء تحت إشراف المولود ابن الصديق الحافظي الأزهري، أحد علماء الفلك البارزين ومن خريجي جامع الأزهر، ولكن الطموح الشخصي وربما الميول والضغوطات الاجتماعية جعلته يتبنى الاتجاه المعارض للإصلاح، وقد تزامن ظهور هذه الجريدة مع انفصال العلماء الطرقيين عن جمعي العلماء المسلمين الجزائريين فلم يكن بين تكوين جمعية علماء السنة وبين صدور الجريدة سوى ثلاثة أشهر، ولذلك كانت تعارض الإصلاح وتتهم أصحابه بالتدخل في السياسة ومسايرة الحداثة، بإيعاز من السلطات الفرنسية، بالإضافة إلى ذلك فقد تبنت مقالات دافعت من خلالها عن المذهب المرابطي الصوفي، لكنها لم تعمر طويلا فسرعان ما توقفت عن الصدور بعد سنتين أو ثلاث فقط من ظهورها.
وأما صحيفة المعيار ، فقد صدر العدد الأول منها يوم 18 ديسمبر 1932 بالعاصمة، وهي جريدة نصف شهرية جاء في عددها الأول جريدة أدبية، انتقادية، فكاهية تصدر مرتين في الشهر في أربع صفحات شعارها الآية الكريمة: إن الأبرار لفي نعيم وإن الفجار لفي جحيم) وهي تعني بالأبرار جمعية علماء السنة ومن سار على نهجهم من طرقيين وغيرهم، وتعنى بالفجار حزب الإصلاح المتمثل في جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، وهذه المهاترات التي كانت بين الجمعيتين قد أدت إلى إنشاء صحف متمايزة ساهمت في كشف نوايا الجميع وصقل الأقلام أكثر، ومهما يكن الأمر فإن جريدة المعيار قد كانت لسان حال جمعية علماء السنة، المناهضة للحركة الإصلاحية استعملت العبارات الساقطة ضد جمعية العلماء المسلمين ورجالها، ولكن هذه الجريدة كانت خاتمتها كباقي الجرائد العربية، فسرعان ما توقفت عن الصدور، استمرت حوالي ستة أشهر فقط.
وأما صحيفة الرشاد ،فهي من أهم الصحف، أنشأها عبد القادر القاسمي سنة 1938 وهي جريدة أسبوعية كان يشرف على تحرير الشيخ محمد العاصم، صدر العدد الأول منها يوم 16 ماي 1938، شعارها الآية الكريمة (وقال الذي آمن يا قوم اتبعون أهديكم سبيل الرشاد)، وتعتبر جريدة الرشاد لسان حال الطرق الصوفية وجامعة اتحاد الزوايا.
وقد صرحت الجريدة بأن مقاصدها هي نفس مقاصد الطرق الصوفية، التي ترى بأن لا بد لها من جريدة تسعى إلى حفظ الدين والفضيلة ضد المعتدي، وشرحت الصحيفة الهدف من تأسيسها فيما يلي: ” وشرحنا لكم بأن القصد من تأسيس المدارس والصحف محاربة الجهل وبث العلم في صدور فلذات أكبادنا، ليكونوا في مأمن من السموم التي منفك الخصوم ينفثونها في قلوب الناشئة.

