نزهة التماسيني – تقــرت | مراسلو الجنوب الكبير
وسط غابةٍ كثيفة من النخيل، حيث يلتقي عبق الماضي برحيق الحاضر، يقف المعلم التاريخي ” قصر رانو ” بتوقرت كأنه فارسٌ منهك يحمل سيفاً مكسوراً، لكنه لا يزال واقفًا، متحدياً السنين والعوامل التي حاولت طمس ملامحه، إنه قصرٌ عتيق، كانت جدرانه يومًا شاهدة على أحاديث المعمرين والفلاحين وخطط الفلاحة ، وعلى فرح العابرين الذين احتموا بظلاله من لهيب الصحراء
حين تقترب منه، يتبدّى لك جماله رغم الخراب، تتسلل الشمس عبر الشقوق في جدرانه العتيقة كأنها رسائل مضيئة من زمن بعيد، النخيل المحيط به كحراسٍ أوفياء، تمتد جذوره عميقًا في الأرض، تتشابك مع حجارة القصر التي تئن تحت وطأة الزمن، كل حجرٍ فيه يحمل حكاية، هناك من بعيد يظهر البرج يشبه الصومعة ، ربما كانت مكانًا للحراسة، وهناك أقواس متهدمة يبدو كأنها تروي قصة انتصارٍ أو انهزام عظيم، الأعمدة المتآكلة تقاوم السقوط، كأنها ترفض الاستسلام لتعرية الرياح وأمطار الزمن، وفي الليل، عندما يعانق القمر القصر، يصبح المشهد ساحرًا، الظلال التي تلقيها النخيل تبدو كرقصة صامتة، وكأنها تحاول مواساة القصر، تحت هذا الضوء الخافت، يعود الماضي ليحيا؛ تسمع أصوات أقدام العمال وهم يدخلون البوابة، وصدى ضحكات الأطفال من خلف الشبابيك الحجرية، هكذا يبقى المعلم التاريخي شامخًا وسط غابة النخيل، حيث كان مقرًا للإدارة والاستيطان، مما جعله جزءًا من الذاكرة الجماعية للمنطقة، يبقى المعلم جزائريا برغم أن من سكنه معمرا فرنسيا ، صامدًا أمام عواصف الزمن ،إنه تذكيرٌ حي بأن تاريخ هاته المنطقة بمقاومتها لكل أشكل القهر والاستعمار، مهما طُمست معالمها، ستبقى محفورًة في الذاكرة، كجذور النخيل في أعماق الأرض
المعلم يتهاوى أمام أعين السلطات
نذكر أن غابة رانو نسبة إلى مؤسسها المعمّر الفرنسي ” رانو RANNOU ” التي تقع ببلدية النزلة تأسس في الفترة الممتدة من 1915 الى 1921 ، و التي تعتبر غاية في الروعة من حيث جمال النخيل والقصر المشيّد فيها ذو الطابع الهندسي المميز، كما لا يبعد كثيرا عن بحيرة مرجاجة الشهيرة ، حيث كان رانو من المعمرين الأوائل بالجنوب الذين استثمروا في مجال الفلاحة و استوطنوا بالمنطقة حيث قدر عدد النخيل بالمستثمرة حوالي 12000 نخلة بمختلف أنواع التمور.استنادا لما أوضحه المهتم بالتاريخ المحلي خميسي دباخ ، الذي قال أن المعلم يحتوي على برج بارتفاع 21 مترا و ينقسم البناء الى قسمين: قسم علوى و هو عبارة عن خزان ماء يستغل لساكنة البرج و القسم السفلي كمصعد لباقي طوابق البرج، وفي سنوات السبعينات قسمت مستثمرة برج رانو الى ثلاث مستثمرات باسم ثلاث شهداء منها مستثمرةعمران بوليفة، مستثمرة بن طرية لمنور و نصرات حشاني بمجموع 33 عاملا مستغلين ثروة النخيل و المياه دون البرج طبعا
ولعل ما يثير تخوفات السكان والمتابعين لتاريخ توقرت هو سقوط أطلال هذه المنشأة و بالتالي طمس حقبة من الذاكرة التاريخية للمنطقة ، وهو الأمر الذي بات يستلزم حسب بعض المهتمين – تدخل وزارة الثقافة والسلطات المحلية إلى جانب المجالس المنتخبة لترميم هذه المنشأة الكبيرة من أجل حفظ هذه القيمة التاريخية من الاندثار، وحسب جمعيات مهتمة بالشأن السياحي في المنطقة فإنه ليس هناك أيّة جهود للترميم أو للحفاظ على البناء قائما سواء بالدعامات الحديدية أو ما من شأنه أن يمنع سقوط هذه التحفة ، وهو ما بات يفرض إطلاق مشروع شامل لترميم هذه المعلم السياحي الذي كانت في السابق محجا للسياح من أوروبا وإفريقيا، و جعله قبلة سياحية بامتياز مع الحفاظ على طابعه المعماري ، لما يحمل في طياته من شواهد تاريخية و لمسات عمرانية.. . لتبقى هذه الحديقة تنتظر فرج المسؤولين عن السياحة و الثقافة في المنطقة من أجل إعادة الاعتبار إليها ودعمها ..
بصدد إعداد ملف لتسجيله في قائمة الجرد الإضافي
وحسب ما أوضحته المهندسة المعمارية سعاد سلامي المتحصلة على شهادة تأهيل مهندس معماري مختص في المعالم والمواقع المحمية من طرف وزارة الثقافة والفنون الجزائرية ، ومهتمة بالتراث المحلي، أنهم بصدد إعداد ملف لتسجيله في قائمة الجرد الإضافي كإجراء أولي لحمايته، بالتنسيق مع مديرية الثقافة، أما الخطوة الثانية ربما السعي من أجل تخصيص مبلغ مالي لترميمه، و قالت سلامي أن حالة القصر في الوقت الحالي متوسطة، مبرزة أن مشروع حمايته كمعلم تاريخي و معماري سيكون خطوة ملموسة من أجل النهوض بالتراث الثقافي العام لولاية توقرت المعروف بتنوعه و تميزه
سقط تصنيف القصر في سنة 2009 كون أن الملف لم يجد دفعا
وفي ذات السياق قال الناشط الجمعوي والمهتم بالشأن التنموي و التاريخي خميسي دباخ أنه لم يسمع بوجود دراسات أو برامج ترميم حول المعلم ، على اعتبار غياب الاهتمام من طرف مديريتي السياحة والثقافة ولا حتى من بلدية النزلة التي هو على أرضها وتحت وصايتها، و أوضح خميسي أن القصر وضع ضمن قائمة الجرد الاضافي لأجل تصنيفه كمعلم من طرف بعض اللاعبين و الجمعيات المعتمدة بالتراث لدى مديرية الثقافة بورقلة و كذا وزارة الثقافة منذ 2009 و لكن الملف لم يجد دفعا من طرف السلطات المحلية، علما أن ملف التصنيف لا تتجاوز مدة العشر سنوات و الا سيسقط من التنصيف وبالفعل سقط التصنيف في سنة 2009
اقتراح اعتماده كمتحف صحراوي و مزار سياحي.
و بالرغم من ذلك بالامكان تجديد مطلب التصنيف من جديد لصالحه و لباقي المعالم المهملة في توقرت كي تبقى هذه المعالم شواهد تاريخية تحكي حقبة تاريخية عامة مرت بها المنطقة و كذا مرجعا ماديا ملموسا للأجيال القادمة و عليه فان المهتمين بالشأن الثقافي، التاريخي و حتى السياحي في توقرت يناشدون الى :ضرورة الحفاظ على برج رانو، بتصنيفه و السعي لترميمه في أقرب الأوقات لتفادي انهياره بسبب الإهمال و العوامل الطبيعية ، و اعتماده كمتحف صحراوي و مزار سياحي يكون مصدر دخل للبلدية و الولاية ككل، فضلا عن تهيئة محيطه مع الحفاظ على الطابع العام بإلحاق بحيرة مرجاجة كمزار ملحق به ، واعادة احياء عيد التمور السنوي بتوقرت على محيط القصر كما كان في السابق لأن قصر رانو كان مهد و انطلاقة العيد السنوي بها، وتشجيع السياحة الفلاحية المحلية و الجهوية و لما لا حتى الوطنية بخلق برنامج سياحي سنوي على امتداد الفصول يكون فيها برج رانو محور الاستقطاب.
و في ذات السياق كشف الناشط الجمعوي عادل بلحمو أن بعض الجمعيات التابعة لولاية ورقلة سابقا أعادت طلب التصنيف إلى وزارة الثقافة خاصة بعد المطلب الأول سنة 2009 لكن للأسف لم يلق المطلب الدعم الكافي وهو ما يعزز من ما قاله الجمعوي خميسي ، و أشار بلحمو لبقية المعالم التاريخية بالولاية التي تحتاج إلى تصنيف كونها تعتبر من الشواهد، وقال ذات المتحدث الحل المستعجل و المقترح هو على المجلس الشعبي البلدي بالنزلة ترميمه و تخصيص مزانية خاصة، بعدها يحوّل إلى متحف أو معرض للصناعات التقليدية المحلية مع استغلال المحيط الإضافي و المستودعات الكبيرة التابعة له، و اقترح بلحمو بعد عملية الترميم أن يحوّل إلى نشاطه السابق وهو المجال الفلاحي والإستعانة بالتعاونيات الفلاحية وتأجير المستودعات الكبيرة منه لعرض التمور و مشتقاتها التحويلية و استغلاله في تنظيم الدورات التكوينية للفلاحين.
