أنتجت الثورة الصناعية إزاحة الجهد العضلي وعوّضته باستطاعة الآلة، فظهرت الحركة الاستعمارية التي استولت بها على ثروات الشعوب واستعبادها، أما الثورة الاتصالية فقد عطّلت الجهد الفكري (الأخلاقي)، وعوّضته بالطاقة العاطفية (التجييش)، ففتحت أبواب شهوة الظهور ليتم التحكم في الشعوب عن طريق غرائزها، من خلال فرض شركات الخوارزميات الكونية لمنطق إعادة هيكلة القيم وتعديل السلوك، وكِلا الثورتين عادَت ثمراتهما بالتضخيم العنيف لثروات الغرب وتوسيع مساحات نفوذه.
الحجم والكمية
يُعتبر نبي الله نوح عليه السلام التجربة الإنسانية الأبرز من حيث المسافة الزمنية (عشرة قرون) في مفهوم إدارة العلاقات البشرية (حالة الاتصال في مجتمع بشري) من خلال التداول للمفاهيم والقيم الموضوعة أمام منطق إعادة الهيكلة في سلّم الترتيب ومآل التجسيد، إلا أن ما حمله نوح من مفاهيم وقيم لم يتمكّن من الوصول إلى الحجم المتصوَّر من المسافة الزمنية وكمية الجهد المبذول. وتقدّم لنا سورة نوح في القرآن الكريم نموذجًا واضحًا ودقيقًا عن طبيعة وأساليب تدافع العلاقات الاجتماعية وحركة القيم المتداولة في ذلك المجتمع.
إلا أن المدهش والغريب في الموضوع يتمثل في النتيجة النهائية من هذه العملية، والتي لم تصل إلى جمع وحشد سوى عدد يسير من الأفراد (وما آمن معه إلا قليل)، بالرغم من القوة التأثيرية التي يحملها النبي نوح (قوة الأنبياء والتأييد الإلهي لهم)، في مقابل المنتوج البشري من القيم والسلوكات. فيكون منطق الحساب البشري أن قوة الخير والصلاح بالمعيار الإلهي لم تتمكّن من الحصول على عدد كبير من ذلك المجتمع الذي كانت أغلبيته الساحقة قد فضّلت المنظومة المتمثلة في الشر والفساد.
فالمنظور البشري، خاصة القائم اليوم عند الشعوب المستضعفة، جعلها تعتقد أن الحجم الكبير من التفاعل الافتراضي والكمية الواسعة من التأييد أو المصادمة كفيلة بتحقيق المراد من التطلعات، والنتيجة الأبرز هي سيطرة مفاهيم وقيم مصادمة للطبيعة البشرية أولًا ومخالفة للثقافة القائمة، كون هذه الشعوب لم تبلغ المستوى الحقيقي للمدينة ولم تُنتج مفهومًا واضحًا للدولة، مما يجعلها تغرق في مستنقعات الإرجاف وما يفرزه من أزمات تتجاوز قدرة الأجيال على فكّ شفراتها وإزالة كوارثها.
القدرة والاستطاعة
وعند التمثيل البسيط تبرز أمامنا حالة جديدة وقريبة منا، فقد استطاعت القضية الفلسطينية من خلال العدوان على غزة أن تجلب أكبر المؤثرين في الوسط الغربي، ومن خلالهم حشد قدر غير مسبوق من الجماهير المساندة للقضية الفلسطينية والغاضبة من الكيان الإسرائيلي، وهو ما ظهر في أكبر شوارع عواصم الغرب. وقد سبقتها حالات مشابهة، أهمها قوة الحشد الكبير الذي وقفت فيه الجماهير الأمريكية بمختلف فئاتها ورموزها الثقافية والفنية والشعبية ضد تدمير العراق، إلا أن القرار الرسمي اتجه نحو تنفيذ إرادته، وبعد سنوات طويلة تبيّن أن القيادة الرسمية استثمرت في الحشد الجماهيري الغربي وجعلته سلاحًا تضرب به عقول وإرادة شعوب المنطقة وتُغرقها في الأحلام والعواطف الجياشة.
إلا أن هذا المستوى من الحشد الجماهيري غير المسبوق لم يتمكن من الاقتراب من القرار الرسمي أو التأثير فيه، مما يدفع المتابع إلى ضرورة الانتباه إلى الفرق بين الحشد الافتراضي وبين صناعة القرار الرسمي، الذي تجلّى في قمة شرم الشيخ التي كانت لها الكلمة الحاسمة في مسار الموضوع، لتكون النتيجة غير المعلنة هي الثروات الرهيبة التي جنتها الشركات المسيرة لوسائط التواصل الاجتماعي نتيجة حجم الاندفاع العاطفي الكبير الذي صنعته واستثمرت فيه، ومنه استثمرت السلالات الرسمية الغربية في إدارة أزماتها الداخلية وحلحلة مشاكلها اليومية.
والمعروف اليوم أن القدرة على الانتشار والاستطاعة في التوسع بالمحتوى المصنوع تتحقق بطريقتين على الأقل، أولهما أن يكون المحتوى المصنوع تافهًا أو معارضًا للقيم السائدة، مما يجلب له المتابعة والاهتمام والقدر العالي من الاستهلاك، حسب الفيلسوف آلان دونو في كتابه نظام التفاهة، والمقصود بالتفاهة ليس المعنى التقليدي المستهجَن. أما الطريقة الثانية فتتحكم فيها الشركات الاتصالية المسيرة لوسائط التواصل الاجتماعي، التي تتحكم في المحتوى المصنوع، فإما تعدمه وتشلّ حركته، أو تفتح له آفاق الانتشار والتوسع ليس الإقليمي فقط بل الكوني، مستخدمةً إياه أداةً لفرض ما تريده من مفاهيم أو سلوكات.
المصلحة والرغبة
يفترض أن الزحف الذي تمارسه الثورة الاتصالية في أوطاننا يدفع المتابع للحركة الاجتماعية إلى الانتباه إلى مجموعة من المفاهيم تحتاج إلى فهمها واستيعاب مضامينها، وفي مقدمتها مفهوم الانتشار (الترند) وعلاقته (بالإرجاف وتجسيداته)، الذي يكون مرتبطًا بالمدنية، حيث تسود الموجات الافتراضية المحمّلة بالانطباعية والمزاجية والعاطفية، والتي تكون نهايتها ظهور العديد من النتائج غير المتوقعة، مثل شلل عمل المؤسسات وتضخم السلوك الاندفاعي الفردي وإزاحة العقل (التريث والتثبت) وهيمنة المزاج (ردود الأفعال). لأن إثارة (العامة) بالمفهوم التقليدي والرأي العام بالمفهوم المعاصر وفّرت لهما الثورة الاتصالية الأدوات الفاعلة، وبالذات عندما ربطت الإنسان وسجنته في مجرد جهاز صغير (الهاتف النقال) الذي يتم التعامل معه عبر قاعدة (إذ تلقونه بألسنتكم وتقولون بأفواهكم ما ليس لكم به علم)، وهي الحالة التي يساعد على انتشارها وتضخّمها طبيعة المجتمع الحديث والسيطرة الباطشة للمعطيات اليومية.
ولعل نموذج ما سُمّي بالربيع العربي خير ما يمكن التوقف عنده، فالشعوب التي وجدت نفسها منخرطة في هذه الموجة الاتصالية المشحونة بالغضب والامتعاض من أوضاعها القائمة، وصلت بها إلى حالة من التدمير والضياع والتشتت، ووجدت نفسها في النهاية بحاجة إلى سنوات، بل ربما إلى قرون، حتى تُعالج ما نتج عن هذه الموجة من مشاكل وأزمات. فهي لم تتمكن من إيجاد الحلول المناسبة لمشاكلها السابقة، وغير قادرة على معالجة آثار الموجة الافتراضية التي تورطت فيها، وهي نفس الحالة التي وجدت الشعوب المستضعفة نفسها غارقة فيها في وضعية الثورة الصناعية، فلم تتمكن من خلال الثورة الصناعية أن تحلّ مشاكلها وتزيح من طريقها صعوبات التخلف والانحطاط، وحتى بعد مرحلة الاستقلال عجزت عن معالجة آثار الاستعمار وتداعياته، بالرغم من امتلاكها للآلات والمصانع والتكنولوجيا.
المسافة والمساحة
قد يعاجلنا أحد باستغراب، مدّعيًا معارضتنا لما هو قائم ومفروغ منه من واقع سيطرة الثورة الاتصالية، فنبادر بالقول إن الأمر لا يتعلق بمعارضة أو رفض أو إنكار، ولكن يحتاج إلى رويّة وسبر أغوار الموجة الاتصالية المهيمنة، حتى لا تتكرر نتائج الثورة الصناعية التي أنتجت الموجة الاستعمارية والاستكبار الغربي وابتكرت من الأزمات والمشاكل المؤلمة للشعوب المستضعفة، التي صدّقت شعارات الثورة الصناعية وحلمت بأن الغرب أنتجها من أجل الإنسان، ولكنه أنتجها من أجل الإنسان الغربي واستعملها أداة استغلال لغيره من البشر خارج الدائرة الغربية.
إن المقصود هنا ليس المعنى المتبادر إلى الذهن سطحيًا، وإنما هي دعوة للانتباه إلى النتائج الأولية التي قد تبدو للبعض مسلّمات وحقائق، وهي في الحقيقة مجرد أوهام وقنابل موقوتة يغطي بريقها مخاطرها وسُقُمها. وفي النهاية هي دعوة لإعادة قراءة التاريخ ومحاولة تقليب صفحاته وتفحّص ثمرات مراحله وسبر أغوار اتجاهاته.
