يرى الشاب محمد سالم كحلول، خريج المركز الجامعي المقاوم الشيخ آمود بن المختار بولاية إليزي، ماستر إدارة أعمال، أن الرهان الحقيقي على تنمية الاقتصاد الوطني يمرّ حتمًا عبر استغلال الإمكانات الهائلة التي تزخر بها ولايات الجنوب، لا سيما في مجال التجارة الحدودية وتجارة المقايضة، التي ما تزال بحاجة إلى آليات عصرية، مبتكرة، وقادرة على مواكبة التحولات الاقتصادية والتكنولوجية.
وفي تصريح لـ جريدة الجنوب الكبير، أوضح كحلول أن فكرة إنشاء مؤسسته الناشئة «الحدادة» لم تكن وليدة الصدفة، بل جاءت نتيجة مسار أكاديمي وميداني متكامل، انطلق من قاعات الدراسة وتبلور عبر الاحتكاك المباشر بواقع المتعاملين الاقتصاديين، خصوصًا في ولاية إليزي التي تُعد من الولايات الحدودية المشمولة بقانون تجارة المقايضة.
وأكد المتحدث أن مشروعه بدأ كمذكرة تخرج تناولت الإشكالات العملية التي تواجه المتعاملين في هذا النوع من التجارة، وعلى رأسها التعقيدات الإدارية، ثقل الإجراءات الجمركية، ضعف التنظيم اللوجيستي، وغياب أدوات رقمية تسهّل عمليات التبادل التجاري. وأضاف أن هذه الصعوبات كانت حافزًا أساسيًا لتحويل الفكرة الأكاديمية إلى مشروع اقتصادي واقعي يخدم الميدان ويستجيب لاحتياجاته.
وأشار محمد سالم كحلول إلى أن التحاقه بحاضنة أعمال المركز الجامعي المقاوم الشيخ آمود بن المختار بإليزي شكّل نقطة تحول مفصلية في مسار المشروع، حيث استفاد من التأطير العلمي والمرافقة التقنية على يد نخبة من أساتذة المركز الجامعي، وعلى رأسهم مدير الحاضنة الدكتور خثير شين، الذي ساهم، حسب قوله، في توجيه المشروع وصقله إلى غاية الوصول إلى النموذج الأولي للمنصة الرقمية.
وأوضح أن منصة “الحدادة” هي منصة رقمية متخصصة في مجال التجارة الخارجية، تجمع بين التصدير، الاستيراد، وتجارة المقايضة، وتهدف إلى رقمنة هذا النشاط من خلال تقديم حزمة متكاملة من الخدمات، تشمل التكفل بالإجراءات الجمركية والإدارية، تسديد الرسوم، توفير خدمات النقل، التخزين، والعبور، خاصة في مناطق المبادلات التجارية الحدودية.
وأضاف المتحدث أن المنصة تسعى بالأساس إلى تخفيف الأعباء البيروقراطية عن كاهل المتعاملين الاقتصاديين الجزائريين، لا سيما المصدرين وتجار المقايضة، من خلال تقليص الوقت، تقليل التكاليف، وتوفير مرافقة تقنية وإدارية شاملة، بما يسمح لهم بالتركيز على النشاط التجاري ذاته بدل الانشغال بالتفاصيل الإجرائية المعقدة.
وفي سياق حديثه عن التجربة الميدانية الأولى، كشف كحلول أن مؤسسته الناشئة قامت بأول عملية تصدير نحو موريتانيا، تمثلت في تصدير ثلاث حاويات من مواد البناء، معتبرا هذه العملية خطوة أولى لاختراق السوق الإفريقية، والتعرف عن قرب على متطلباتها، خصوصياتها، والتحديات التي تفرضها.
وأوضح أن هذه التجربة شجعته على توسيع نطاق خدمات المنصة، من خلال إدماج نشاط التصدير إلى جانب تجارة المقايضة، بهدف جلب العملة الصعبة للبلاد، والمساهمة في تعزيز الصادرات الوطنية، خاصة نحو الأسواق الإفريقية التي تمثل، حسب رأيه، فضاءً واعدًا للمنتجات الجزائرية.
وفيما يخص مشاركته في الفعاليات الوطنية، أكد محمد سالم كحلول أن حضوره في الصالون الوطني للذكاء الاصطناعي والابتكار وريادة الأعمال جاء تتويجًا لفوزه بالمرتبة الأولى ولائيًا في مسابقة نظمتها منظمة لقاء شباب الجزائر بالتنسيق مع وزارة الشباب، وهو ما أتاح له فرصة المشاركة في هذا الحدث الوطني الهام، إلى جانب مشاركته في الهكاثون المنظم بالقطب التكنولوجي عبد الحفيظ أحدادن بسيدي عبد الله.
واعتبر المتحدث أن هذه المشاركة كانت تجربة ثرية ومفيدة، سواء من حيث الورشات التكوينية التي أطرها أساتذة وباحثون مختصون، أو من خلال تبادل الأفكار والخبرات مع شباب ورواد أعمال من مختلف ولايات الوطن، يشتركون في نفس الطموح والرؤية المستقبلية.
وأشار كحلول إلى أن مشروع “الحدادة” حظي بإعجاب واستحسان عدد من الفاعلين الاقتصاديين والمختصين، خاصة كونه يعالج إشكالًا لوجيستيًا حقيقيًا ظل عائقًا أمام تطور تجارة المقايضة، فضلًا عن كونه يمثل خطوة أولى نحو رقمنة هذا النشاط، الذي يُعد من أقدم أشكال التبادل التجاري عبر التاريخ.
وفي ختام تصريحه، عبّر محمد سالم كحلول عن طموحه في أن تتحول “الحدادة” مستقبلًا إلى هيكل اقتصادي قوي في الجنوب الجزائري، يساهم في تنمية الاقتصاد الوطني، وخلق مناصب شغل لفائدة الشباب العاطل عن العمل، مع العمل على تجسيد مشروع إنشاء ميناء جاف بالجنوب، ليكون نقطة إمداد لوجيستي استراتيجية تخدم التجارة الوطنية والإفريقية.
كما تطرق إلى الدور الذي تلعبه تجارة المقايضة في توفير سلع مرتفعة السعر أو نادرة في السوق المحلية، مقابل تصدير سلع وطنية متوفرة وذات تكلفة أقل، بما يساهم في تحقيق نوع من التوازن، دعم الاكتفاء، والترويج للمنتجات الجزائرية في أسواق جديدة.
وختم المتحدث بالتأكيد على أن من أبرز العراقيل التي تواجه المشاريع الناشئة في الجزائر عمومًا، وفي الجنوب خصوصًا، هو غياب المستثمرين، ضعف الوعي بثقافة ريادة الأعمال، وتخوّف الشباب من خوض تجربة المخاطرة والاستثمار في المجالات الجديدة، داعيًا إلى تعزيز المرافقة، التحفيز، ونشر ثقافة المبادرة من أجل بناء اقتصاد وطني متنوع ومستدام.
