يكشف محمد كلغلغ، رائد أعمال ومكوّن في ريادة الأعمال، في تصريح لـجريدة الجنوب الكبير، أن ريادة الأعمال لم تعد خيارًا ثانويًا، بل أصبحت مسارًا اقتصاديًا حقيقيًا، خاصة في الولايات الجنوبية التي ما تزال تعاني من هيمنة ثقافة الاستهلاك على حساب ثقافة الإنتاج.
وأوضح المتحدث أن الرهان اليوم يتمثل في تغيير ذهنية المواطن من مجرد مستهلك إلى فاعل في العملية الإنتاجية، عبر إنشاء مشاريع ومؤسسات قادرة على خلق القيمة المضافة. وأكد أن ريادة الأعمال تمثل خيارًا استراتيجيًا للنمو الاقتصادي والبيئي والاجتماعي في هذه المناطق، ويمكن أن تشكّل بديلًا واقعيًا عن الوظيفة العمومية التي لم تعد تستوعب الأعداد المتزايدة من الشباب الباحث عن العمل.
وفي هذا السياق، يرى كلغلغ محمد أن العمل المقاولاتي يمنح حرية أكبر في إدارة الوقت والدخل، حيث يرتبط نجاح المشروع بحجم الخدمات المقدمة وجودتها، بعكس التوظيف العمومي المقيّد بزمن العمل والراتب الثابت، وهو ما يجعل المقاولاتية خيارًا جذابًا لشريحة واسعة من الشباب.
وبخصوص البيئة الاستثمارية في الجنوب، أقرّ المتحدث بأنها أقل تطورًا مقارنة بالشمال، غير أن ذلك – حسبه – لا يعد عائقًا حقيقيًا، بل مرحلة طبيعية تمر بها كل المناطق في بداياتها. وأضاف أن الجنوب يتميز بوجود رؤوس أموال تبحث عن أفكار استثمارية ناجعة، في مقابل قلة المنافسة مقارنة بالشمال، ما يجعل السوق الجنوبية “شبه فارغة” وقابلة للاستحواذ من قبل المشاريع الجادة.
وأشار رائد الأعمال إلى أن الجنوب الجزائري يزخر بفرص استثمارية واعدة، لاسيما في مجالات البيئة، الفلاحة، المحروقات، النقل، المواصلات، وحتى التجارة والمواد الغذائية والطبية، مؤكدًا أن أغلب هذه القطاعات ما تزال غير مستغلة بالشكل الأمثل، باستثناء النشاط التجاري الذي يعرف حضورًا أكبر.
وعن تثمين الموارد، شدد كلغلغ محمد على أن المورد البشري يعد أهم نقاط قوة الجنوب، بالنظر إلى النسبة الكبيرة للشباب الباحث عن فرص عمل، وهو ما يوفّر يدًا عاملة متاحة يمكن توجيهها نحو المشاريع الإنتاجية. أما الموارد الطبيعية، فهي – حسبه – مرتبطة بطبيعة كل مجال استثماري، وتبقى متوفرة وقابلة للاستغلال إذا ما أُحسن توظيفها.
وفي تقييمه لواقع التكوين، أكد أن التكوين الحالي لرواد الأعمال في الجنوب لا يستجيب بعد لمتطلبات السوق، مقارنة بالشمال حيث تتوفر الدورات والمسابقات والبرامج الداعمة، معتبرًا أن نقص التكوين يمثل أحد التحديات الأساسية أمام رواد الأعمال المبتدئين، رغم الجهود المبذولة لتدارك هذا الخلل مستقبلاً.
كما سجل المتحدث وجود بعض النقائص لدى الشباب المقبل على المشاريع، خاصة من الجانب التقني ومن حيث الجرأة في خوض التجربة، مرجعًا ذلك إلى حداثة ثقافة ريادة الأعمال في المجتمع الجنوبي، غير أنه أكد بالمقابل وجود إقبال متزايد واهتمام واضح من الشباب، يظهر من خلال كثرة الاستفسارات والبحث عن سبل إنشاء المشاريع.
وأكد كلغلغ محمد أن المرافقة بعد التمويل تُعد عنصرًا حاسمًا في نجاح المشاريع، لكونها لا تقتصر على الجانب المالي فقط، بل تشمل الجوانب الإدارية والقانونية والتسويقية، مشددًا على أن مرحلة ما بعد التمويل هي الأخطر والأكثر تأثيرًا على استمرارية المشروع.
وبخصوص العراقيل، أشار إلى صعوبة تقبّل الأفكار الجديدة، وضعف الثقافة المقاولاتية في بعض الأوساط الاجتماعية، إضافة إلى الإجراءات الإدارية التي تبقى – حسبه – موحّدة في مختلف ولايات الوطن، معربًا عن أمله في اعتماد تسهيلات وامتيازات خاصة بالجنوب لتحفيز المبادرات المحلية.
وفي ختام تصريحه، دعا كلغلغ محمد الشباب المتردد إلى خوض غمار ريادة الأعمال، مؤكدًا أنها مجال مليء بالفرص، يقوم على إيجاد حلول واقعية لمشاكل المجتمع، بعيدًا عن انتظار الوظيفة، مع ضرورة الانطلاق من احتياجات البيئة المحلية والعمل على تجسيد الأفكار على أرض الواقع، خدمة للاقتصاد الوطني من الشمال إلى الجنوب.

