كتبه: أ. عبد الله لا طرش | مراسلو الجنوب الكبير
كانت هذه الرحلة استثنائية بكل المقاييس؛ لا لِبُعد المسافة فحسب، بل لِما تحمله من رمزية إنسانية وتاريخية. فقد تلقيتُ دعوةً كريمة لحضور مؤتمر الاتحاد العام للعمال الصّحراويين، والمشاركة في فعالياته، فضلًا عن إلقاء مداخلة تتناول نضالات الاتحاد العام للعمال الجزائريين، ولا سيما خلال مرحلة الكفاح الوطني والثورة الجزائرية المباركة، ومنذ اللّحظة الأولى، أدركنا أنّنا مقبلون على رحلة لا تُقاس بالكيلومترات، بل بالمعاني السّامية العميقة.
في يوم 17 أبريل 2025 ولما حان موعد الانطلاق، كنّا قد اتفقنا على أن نُقيم بين إخواننا الصّحراويين أربعة ليالي، نقتسم فيها اليومي والبسيط، وننصت لما تقوله الأرض والذّاكرة، كنّا أربعة من المدعوين، نمثّل نقابة الأساتذة بجامعة تندوف: الأستاذ حسيني حمزة، أستاذ بقسم علوم الأرض ومسؤول المكتب، والأستاذ بهي عبد الجليل، أستاذ بالقسم نفسه وعضو القيادة الوطنية لنقابة التعليم العالي، والأستاذ جاعة عبد المجيد، أستاذ بقسم اللغة العربية وآدابها، وأنا المتحدث من القسم ذاته، رفقةٌ جمعت بين العلم والنقابة، وبين السّؤال الأكاديمي والالتزام الإنساني.
امتطينا صهوة سيارتنا، التي يقودها عبد المجيد وبجانبه السّفير الصّحراوي في فنزويلا واسمه جمال الذي تحوّل فيما بعد إلى إسبانيا وقد وجدناه هادئا متواضعا يتكلّم فقط حين يجب أن يتكلّم وأعتقد أنّها عادة الدبلوماسيين، وانطلقنا نحو أراضي اللّجوء، حيث الوجهة مخيم الدّاخلة، على بعد نحو 180 كيلومترًا من مدينة تندوف، وما إن تغادر المدينة حتى تستقبلك الحمادة بامتدادها المهيب؛ فضاءٌ مفتوحٌ على الصّمت، تُحدّثك تضاريسه عن تاريخ طويل صاغته قسوة الحرّ وبرد القرّ، وعن أرض تعلّمت كيف تختزن الذّاكرة في الحجارة والرّمال، هناك، تصبح البساطة عنوانًا عريضًا للحياة، وتغدو التفاصيل الصّغيرة ذات معنى كبير.
انطلقنا من تندوف عصرًا، وبعد أن أدّينا صلاة العصر بمحطّة الوقود عند مخرج المدينة، شددنا الرّحال مجددًا، ومع كل كيلومتر نبتعد فيه عن العمران، كانت المدينة تنسحب رويدًا رويدًا من المرايا، لتحلّ محلها صحراء شاسعة، لا تُجيد الكلام، لكنها تُتقن الإيحاء.
هناك، يبدأ المسافر في إعادة ترتيب أسئلته، ويتهيأ للقاء مكان لا يُشبه الأمكنة، وناسٍ تعلّموا كيف يصنعون من اللّجوء وطنًا مؤقّتًا، ومن الصّبر أسلوب حياة.
وقبل أن نغوص أكثر في هذا الفضاء المترامي، كان لا بدّ من التوقف عند الحاجز الأمني الواقع على بعد نحو كيلومترين من آخر أحياء تندوف، حيٍّ يُعرف رسميًا باسم حي الحكمة، غير أنّ الناس اعتادوا تسميته بـ(زرقوه) أو (زرقني)، وهي كلمة حسّانية تحمل معنى الإبعاد أو الرّمي؛ وكأنّ الاسم ذاته يحيل إلى تخوم المدينة، حيث تبدأ رحلة الخروج من المألوف إلى المجهول، كان التحقّق من تصاريح المرور إجراءً ضروريًا وحازمًا، فالدّخول إلى المخيمات: الرّابوني، السمارة، بوجدور، أوسرد وغيرها، يخضع لتنظيم دقيق، تفرضه طبيعة المكان وحساسية الجغرافيا.
وكان مخيم الدّاخلة ينتظرنا في الأفق… لا كوجهة جغرافية فحسب، بل كحكاية مفتوحة على الألم والأمل معًا.
حين نغادر مدينة تندوف في اتجاه أرض المخيمات، يكون مخيم الرّابوني أول ما يستقبلنا، إذ لا يبعد كثيرًا عن المدينة، فالمسافة لا تتجاوز خمس عشرة دقيقة تقريبًا، ويُعدّ هذا المخيم، في تقديري، عاصمة المخيمات الصّحراوية، لما يحتضنه من الهيئات الرّسمية لجبهة البوليساريو، ومجمع الحكومة الصّحراوية، من رئاسة الجمهورية إلى مختلف الوزارات والمؤسّسات، في انتظام يُدهشك وسط هذا الفضاء الصّحراوي القاسي.
توقفنا قليلًا في الرّابوني، فابتعنا بعض الحاجيات من أحد المحال الصّغيرة، التي تؤدّي دورها بصمت، كأنّها حارسة للحياة اليومية في هذا المكان، ثمّ استأنفنا طريقنا نحو مخيم الدّاخلة، الذي يبعد عن تندوف قرابة مئة وثمانين كيلومترًا.
هناك، تبدأ الصّحراء في كشف وجهها الكامل، حمادة واسعة، ممتدة بلا نهاية، لا ترى فيها سوى أفق مفتوح يلتقي فيه زرقة السّماء بامتداد الأرض، مشهد يوحي بأنّك تسير داخل لوحة طبيعية لا إطار لها، حيث يغدو الإنسان نقطة صغيرة في فضاء شاسع، ويشعر- دون أن يدري – بقدر من التواضع أمام عظمة الخلق.
داخل السيارة، كنا نتجاذب أطراف الحديث في شؤون شتى: بين فكرةٍ جادة، ونكتةٍ عابرة، واسترجاع لذكريات الجامعة والنقابة، ومناقشة لقضايا الوطن والأمة؛ كان الحوار جسرًا نعبر به المسافة، فيخفّف عنّا وطأة الطريق، فلا نشعر بتعب ولا بضجر، كأنّ الكلمات كانت وقودًا آخر، غير البنزين، يدفعنا إلى الأمام.
وبينما نحن على تلك الحال، بلغنا نقطة تفتيش عسكرية، تقع بعد منعرج يقود إلى منطقة غارا جبيلات، حيث أُنشئ المشروع الاستراتيجي الضّخم لاستخراج الحديد، المادّة الأولية للصناعة وأساس النّهضة الاقتصادية، مشروع دخل حيّز الخدمة في تحدٍّ واضح، رفعته السلطات الجزائرية ضمن رؤية تنموية شاملة، تجعل من استثمار الثروات خيارًا سياديًا ومصيريًا.
من هناك، يتفرع طريقان: أحدهما يتجه نحو غارا جبيلات، والآخر يواصل السّير نحو مخيم الدّاخلة. سلكنا الطريق الثّاني، ولم تمضِ إلا لحظات حتى بدأ المخيم يلوح لنا من بعيد.
كان الوقت وقتَ غروب…
والشمس تميل رويدًا رويدًا نحو المغيب، ترسم بخيوطها الذّهبية ملامح الخيام والبيوت الطينية، وتُلبس الصّحراء ثوبًا من نور وهدوء، في تلك اللحظة، شعرنا أنّنا لا نصل إلى مكان فحسب، بل ندخل صفحة جديدة من الحكاية.
وكان مخيم الدّاخلة يستعدّ لاستقبالنا… بين ضوءٍ آفل، وأملٍ لا يأفل.
عند اقترابنا من نقطة التفتيش الأمنية المؤدية إلى المخيم، كان اللّيل قد أرخى سدوله، ولم يبقَ من ضوء النهار إلا أثرٌ خافت في الأفق، توقّفنا، وتقدّمنا بما يلزم من تعريف، فأخبرنا رجال الأمن بأنّنا ضيوف المؤتمر؛ استقبلونا بترحابٍ يشي بالمسؤولية والود معًا، ولم تمضِ دقائق حتّى تمّ التأكيد على أسمائنا عبر اتصالٍ هاتفي، فعادوا إلينا بابتسامةٍ أوسع، وأذنوا لنا بالدّخول، كأنّهم يفتحون لنا بابًا إلى عالمٍ آخر.
كان لا بدّ من لقاء من كُلّف باستقبالنا داخل المخيم، ليأخذنا إلى البيت الذي سيحتضننا طيلة أيام إقامتنا، غير أنّ الظلام، وغياب الطرقات المعبّدة أو الإشارات الواضحة، جعلا مهمتنا أشبه بمحاولة قراءة الخريطة في العتمة، تهنا قليلًا… بل مرتين تقريبًا، قبل أن تتقاطع الطرق أخيرًا عند النّقطة المتفق عليها، حيث تمّ اللقاء في صورةٍ عفوية، تليق ببدايات الحكايات.
بعد التحية والسّلام، أخذنا مرافقنا إلى البيت الذي سنقيم فيه، بيت محمود – هكذا استقر الاسم في ذاكرتي – وهو مهندس يعمل في المحطة الكهربائية بالمخيم، كان البيت بسيطًا في شكله، لكنّه مفعمٌ بروحٍ دافئة، تُشعرك منذ اللّحظة الأولى أنّك لست ضيفًا عابرًا، بل فردٌ من أهل المكان.
استقبلنا محمود وأهله بترحابٍ كبير، لا تكلّف فيه ولا تصنّع، ترحابٌ يشبه الصّحراء في صفائها، وبعد أن أخذنا قسطًا من الرّاحة وأدّينا الصّلاة، أكرمونا بوجبة عشاء دسمة، أعدّت بعناية وكرم، ثمّ جاء دور الشّاي الصّحراوي… ذاك الطّقس الذي لا يُشبه مجرّد شراب، بل هو لحظة صفاء، تُصالح فيها النّفس سكون اللّيل، وتطمئن.

