أكد مدير الطرق واللوجيستيك بوزارة الداخلية والجماعات المحلية والنقل، عبد الغني حماني، اليوم الأحد، أن مشروع قانون المرور الجديد لا يستهدف السائقين بشكل عام، بل يركز على ردع السلوكيات الخطيرة بعد التحقق منها. وأوضح، في تصريح للقناة الإذاعية الأولى، أن تشديد العقوبات يقتصر على الحالات الخطيرة التي يثبتها التحقيق، مثل السياقة تحت تأثير الكحول أو المخدرات، مشددًا على أن تحميل المسؤولية يتم بعد الوقوف على أسباب الحادث بدقة، بما يضمن العدالة بين الجميع ويمنع تحميل أبرياء أعباء مخالفة لم يقترفوها.
تأتي هذه التصريحات في وقت تتصاعد فيه المخاطر على الطرق الجزائرية، بعد أن تحولت حوادث المرور إلى ما يعرف إعلاميا بـ”إرهاب الطرقات”، والذي يزهق آلاف الأرواح سنويا ويترك عشرات الآلاف يعانون من إصابات دائمة. الحوادث اليومية أصبحت مأساة مجتمعية، تطال جميع شرائح المجتمع، من الأطفال وكبار السن إلى العمال والطلاب، وهو ما دفع السلطات إلى إعادة النظر في التشريعات المرورية لضمان الحد من هذه الكارثة.
وأشار المدير حماني إلى أن إعداد مشروع القانون تم في إطار لجنة مختصة ضمت خبراء ومختصين في مجال المرور والسلامة المرورية، حيث تم إدراج جملة من الاقتراحات القانونية والتنظيمية التي تهدف إلى حماية المواطنين وضمان سير المرور بشكل آمن. وأكد أن القانون الجديد يوسع دائرة المساءلة لتشمل ليس فقط السائقين، بل أيضًا الهيئات المكلفة بإنجاز وصيانة الطرقات، إلى جانب مستوردي قطع الغيار المغشوشة، باعتبارها عوامل أساسية قد تسهم في وقوع الحوادث. هذه الخطوة تمثل نقلة نوعية في التشريع الجزائري، إذ تُقرّ مبدأ المسؤولية المشتركة بين مختلف الفاعلين في منظومة النقل، وتفرض رقابة مشددة على كل من يسهم بشكل مباشر أو غير مباشر في تهديد سلامة الطريق.
ويشير خبراء القانون المروري إلى أن هذا التوسع في المسؤولية القانونية يعكس تطورًا مهمًا في فلسفة التشريع، حيث لم يعد التركيز ينحصر فقط على معاقبة السائقين المخالفين، بل يشمل ضمان سلامة المركبات والبنية التحتية والمنتجات المستخدمة في النقل، بما يحقق فعالية الردع ويقلص الأضرار الناتجة عن الإهمال المؤسسي والفردي على حد سواء.
كما يؤكد المختصون أن القانون الجديد يتوافق مع المعايير الدولية في التشريع المروري، التي تعتمد مبدأ التناسب بين جسامة المخالفة وخطورتها على السلامة العامة، مع الأخذ في الاعتبار كافة العوامل المساهمة في وقوع الحوادث، من سلوكيات فردية إلى تقصير المؤسسات والمنتجين. هذا التوجه يعزز الثقة في النظام القانوني ويعيد الاعتبار للقيم الأخلاقية والاجتماعية المرتبطة بالسلامة على الطرق.
في سياق متصل، يرى خبراء السلامة المرورية أن تشديد العقوبات وحده لا يكفي لوضع حد لإرهاب الطرقات، بل يتطلب إصلاحا شاملا يشمل القانون، الرقابة، الثقافة المرورية، والتوعية المستمرة للمواطنين. ومن هذا المنطلق، يمثل مشروع القانون خطوة استراتيجية متكاملة، تهدف إلى حماية الأرواح، تعزيز المسؤولية الجماعية، وتثبيت الانضباط على الطرق الجزائرية.
إن إرهاب الطرقات في الجزائر ليس مجرد قضية مرورية، بل أزمة أخلاقية واجتماعية تتطلب تضافر جهود الدولة والمجتمع، وضمان تطبيق صارم للقوانين، مع تعزيز قيم الاحترام والمسؤولية الجماعية، ليصبح الطريق مكانًا آمنًا للجميع، لا مرتعًا للفوضى والإهمال.

