آلة الإجرام والكيان الصهيوني يصعب عد أوجهها والاحاطة بحجم بشاعتها، هذا العدو الذي لا يتقيد بالمواثيق والأعراف الدولية، يستهدف المدنيين العزل والأطفال وحتى البيئة لم تسلم من جرائمه، يبرز وجه آخر قبيح له وهو استهداف وتصفية المراسلين والصحفيين الذين يغطون الاحداث وينقلون الحقيقة ويوثقون جرائمه بالصوت والصورة، معركة الحقيقة ميدان آخر يخوضه الابطال من مراسلين وصحافيين في قطاع غزة المنكوب.
لم يكتف الكيان الصهيوني بتدمير قطاع غزة أو ما تبقى منه بصريح العبارة بعد حصار دام لسنوات، وكأنه يستلهم من التجربة الأمريكية في حرب وغزو العراق، ليقوم في الفترة الأخيرة باستهداف الصحافيين والمراسلين الذين يعملون ليل نهار على توثيق جرائمه وكشفه أمام العالم والهيئات الدولية الحقوقية، فجرائم الكيان الصهيوني تعدت كل الخطوط وتجاوزت الأعراف الإنسانية وكأنها تذكر العالم في القرون الوسطى وحروب الإبادة التي لا حسيب ولا رقيب لها، فبعد ان كان الاستهداف يقتصر على حالات عرضية كما يسميها الكيان الصهيوني، بات الامر ممنهج وضحايا بالعشرات.
لماذا يستهدف الكيان الصحافيين والمراسلين رغم أنهم جميعا يحوزون على الشارة الدولية لممارسة النشاط ويتخذون كل الاحتياطات الضرورية، بارتدائهم للخوذة والسترات الواقية والواضحة التي تبرز انهم صحافيين ومراسلين فضلا عن معدات التصوير وغيرها، بل ان بعضهم تم استهدافه وتصفيته اثناء النقل المباشر للأحداث، الأكيد وغير الخافي للعيان ان الكيان الصهيوني يرمي من وراء الامر كله إخفاء الحقيقة وان كان هذا الامر يستحيل، فهو يعمد إلى تأجيل ظهورها حتى يكمل مخططه الاجرامي بعيدا عن ضغط الراي العام الدولي وحتى الجبهة الداخلية للكيان الصهيوني ذاته، ومن جهة أخرى هذا الكيان الصهيوني بعد ان بات قادته ملاحقين لدى الهيئات القضائية الدولية وممنوعين من الدخول الى الأراضي الاوربية باتوا يمعنون في جرائمهم ويستهدفون الصحافيين والمراسلين الذين يكشفون هذه الجرائم، سيما وانه في الآونة الأخيرة يستهدف جموع المواطنين الساعين وراء المساعدات الإنسانية الشحيحة والقليلة التي تدخل القطاع بصعوبة بالغة جدا، ومن جهة أخرى يحاول الكيان الصهيوني نشر وبث الرعب في بقية الصحافيين والمراسلين وتحديرهم من مغبة نقل الحقيقة وتوثيق جرائم الكيان الصهيوني وان الثمن سيكون حياتهم، كما يظهر وجه بشع آخر لجرائم الكيان الصهيوني في معركة قتل الحقيقة، ألا وهو غياب التضامن الحقيقي من بقية الصحافيين والمراسلين في العالم مع نظرائهم في قطاع غزة، هل لأن الصحافيين الذين يستهدفهم الكيان الصهيوني يحملون الجنسية الفلسطينية فقط، ويقوم الاحتلال الصهيوني بادعاء انهم ينتمون للجماعات الإرهابية، الجميع يتذكر في حرب العراق وحتى أفغانستان أن القوات الامريكية والغربية عندما تقوم باستهداف صحفي او مراسل غربي يقوم بتغطية مجريات الحرب حتى عن طريق الخطأ تصدر عشرات البيانات والعرائض المنددة لاستهدافه بل والمطالبة بإجراء تحقيق حر مستقل يكشف ملابسات الاستهداف، لكن في قطاع غزة رغم ان عدد الصحافيين والمراسلين الذين تم استهدافهم يتجاوز بكثير عدد الصحافيين والمراسلين الذين تم استهدافهم في حرب العراق وأفغانستان مجتمعين معا، وهو أمر مؤسف حقا ينم عن ازدواجية في المعايير الإنسانية في عالم ما بعد الحرب العالمية الثانية الذي ينبذ كل أشكال العنف والتمييز وينصف حق الشعوب في تقرير مصيرها ويتشكل ككتلة واحدة في الدفاع عن حقوق الانسان، هذه الحقوق أساسها الحق في الحياة كانسان قبل ان يكون صحفي، الحق في المعلومة وكشف ملابسات الجريمة، حتى تكون دليل قاطع لإدانة المجرمين والمتورطين من قادة الكيان الصهيوني، فجرائم الإبادة وفق القانون الدولي لا تسقط بالتقادم، وعليه ما يقوم به المراسلين والصحافيين الفلسطينيين في قطاع غزة عمل بطولي وجبار في كشف وكسب معركة الحقيقة التي يريد ويسعى الكيان الصهيوني الى طمسها واخفائها، دماء الصحافيين والمراسلين تنضم الى قوافل شهداء الحق والحرية، ووصمة عار للمجتمع الدولي امام جبروت وانتهاكات الكيان الصهيوني الغاشم، علما أنه في عديد المرات قام باستهداف المراسلين والصحافيين في الضفة الغربية والعديد منهم يحملون جنسيات غربية وحتى من الغرب ذاته، دون ان ينال الكيان وجنوده الذين يرتكبون الجريمة العقاب اللازم والرادع مما يشجعهم على ارتكباها.
طوفان الأقصى ليس عملية جريئة قام بها فلسطينيو قطاع غزة ضد الكيان الصهيوني، بل هو طوفان الحقيقة لتحقيق العدالة والنصر، الثمن كان غاليا ولا يزال يدفعه الغزاويين، لكن في ذات الوقت يكشف الحقيقة المرة لتخاذل المنتظم الدولي، الذي يسارع الوقت وينظم الاجتماعات الدورية ومن اعلى المستويات لإيقاف العملية العسكرية الروسية في أوكرانيا وإنقاذ ما يمكن إنقاذه، في حين يقف موقف المتفرج ضد جرائم الكيان الصهيوني في غزة رغم توثيقها من قبل الصحافيين والمراسلين ليس فقط تقارير ورقية أو آلات ومعدات تصوير بل يقومون بتوثيقها بدمائهم وتضحياتهم الجسيمة من أجل إيصال الحقيقة وكسب المعركة التي سيخسرها الكيان الصهيوني بكل تأكيد.

