في ردها على الأبواق التي تروج لسرديات الطغمة الانقلابية، الخارجية تؤكد:
الحل السياسي أساس استقرار مالي والساحل
لا تنطلق الجزائر في تصورها لمسالة أمنها الداخلي من مقاربة متقوقعة على القطرية ، وإنما تعتمد مند الاستقلال على مقاربة شاملة تأخذ في الحسبان أمن أشقائها في كل أرجاء المنطقة، خصوصاً في الساحل الصحراوي. هذا المنظور الاستراتيجي يجعل من الجزائر فاعلاً أساسياً في الحفاظ على السلم والأمن الإقليميين، إذ ترى أن أي تهديد لدولة مجاورة يُعتبر تهديداً مباشراً لأمنها القومي واستقرار شعوب المنطقة.
ويؤكد هذا الموقف الالتزام التاريخي للجزائر بمبادئ التضامن والشراكة، ويُبرز إدراكها العميق بأن الأمن الجماعي هو أساس التنمية والاستقرار، لا يمكن الفصل بينه وبين حماية مصالحها الوطنية وحق شعوب المنطقة في العيش في سلام وأمان.
مالي: قلق جزائري مشروع أمام تصاعد الإرهاب
ما تشهده اليوم دولة مالي من تعاظم الأخطار الإرهابية التي بلغت مستويات غير مسبوقة يثير القلق الجزائري بشكل عميق، أكثر مما يثيره لدى غيرها من الدول. هذا القلق ينبع من عاملين رئيسيين: القرب الجغرافي لمالي من الجزائر، والتزام الجزائر التاريخي بدعم هذا البلد في كل محنته وأزماته منذ استقلاله.
فالجزائر، منذ عقود، كانت وما تزال من أشد المدافعين عن وحدة دولة مالي أرضاً وشعباً ومؤسسات؛ وصون حرمة أراضيها؛ إعلاء سيادتها كاملة غير منقوصة وغير مبتورة.
إن استمرار هذا التهديد الإرهابي اليوم يثبت صحة تحذيرات الجزائر السابقة منذ عامين، حين تنصلت السلطات المالية من اتفاق السلم والمصالحة المنبثق عن المسار الجزائري. حينها أكدت وزارة الشؤون الخارجية في بيانها بتاريخ 26 جانفي 2024 أنّ: الخيار العسكري هو التهديد الأول والأبرز لوحدة دولة مالي وسلامة أراضيها، فهذا الخيار يحمل بذور الحرب الأهلية ويُقوض جهود المصالحة الوطنية ويشكل تهديداً فعلياً للأمن والاستقرار الإقليميين.”
وبذلك، تؤكد الجزائر على صواب نهجها المبني على التوقعات الاستباقية والتحليل الدقيق لمخاطر أي انحراف عن المسار السياسي في مالي، معتبرة أن التصعيد العسكري يهدد ليس فقط مالي، بل المنطقة الساحلية والصحراوية بأسرها.
الحل السياسي.. الطريق الوحيد للخروج من الأزمة
اليوم، ومع تحقق التحذيرات الجزائرية، لا يملك القائمون على مالي سوى العودة إلى المسار السياسي لضمان استقرار بلادهم. فالجزائر ترى أن:
الحل لا يمكن أن يكون خياراً عسكرياً أو أسلوباً إقصائياً؛ بل يتطلب سبلا سلمية وسياسية جامعة، تشمل جميع الأطراف الوطنية دون استثناء؛ و يكمن كذلك في حوار مسؤول ومصالحة شاملة بين كافة أبناء مالي، بعيداً عن أي تدخلات خارجية، سواء كانت سياسية أو عسكرية.
وترى الجزائر أن الوحدة الوطنية الأصيلة والمتأصلة هي وحدها الكفيلة بمواجهة الإرهاب وصد كل التحديات في المنطقة الساحلية والصحراوية، وضمان قدرة الدولة الماليّة على الصمود أمام الأزمات المستقبلية.
الجزائر.. صبر استراتيجي لا ينضب
الجزائر، من جانبها، تبقي يدها ممدودة لأشقائها في مالي لأسباب واضحة: صبر استراتيجي لا ينضب للتعاطي مع كل التحديات في جرها؛ إيمان راسخ بالوحدة التاريخية والمصيرية بين الشعوب الشقيقة؛ إرادة قوية وعزيمة ثابتة تمكّنها من خدمة أمن واستقرار ورفاه جوارها وفضاء انتمائها.
هذا الالتزام يعكس قوة الدبلوماسية الجزائرية وعمق المسؤولية تجاه الأمن الجماعي، ويؤكد أن الجزائر لا تكتفي بالدفاع عن مصالحها وحدها، بل تعمل بشكل دائم على حماية استقرار وأمن المنطقة ككل.
وفي هذا السياق، أكد وزير الشؤون الخارجية والجالية الوطنية بالخارج، أحمد عطاف، خلال ندوته الصحفية الأخيرة، أن الجزائر تعتمد في تعاملها مع الأزمة المالية على رؤية استباقية واستراتيجية، تجمع بين الدبلوماسية النشطة والمتابعة الدقيقة للمستجدات الأمنية في المنطقة، لضمان استقرار مالي وسلامة الفضاء الساحلي الصحراوي بأسره.
وأوضح الوزير أن هذه الرؤية ترتكز على شقين أساسيين، يحددان سياسة الجزائر تجاه الملف المالي: الأول يرتبط بـ الالتزام التاريخي للجزائر بوقوفها إلى جانب مالي في كل الظروف، والثاني مرتبط بـ الإرهاصات الأمنية وعدم الاستقرار الذي يهدد المنطقة بأسرها.
وقوف الجزائر مع مالي في كل الظروف
يشكل الشق الأول قاعدة ثابتة في السياسة الجزائرية، ويبرز الدور التاريخي للجزائر كشريك استراتيجي وموثوق لدولة مالي منذ استقلالها. وقد أشار وزير الخارجية إلى أن هذا الالتزام يتجسد في: الدفاع عن وحدة الدولة الماليّة أرضاً وشعباً ومؤسسات؛ صون حرمة أراضيها وسيادتها الوطنية؛ تعزيز مكانتها الدولية كدولة مستقلة وكاملة السيادة.
وأوضح عطاف أن الجزائر لم تكتفِ بالمواقف الدبلوماسية فقط، بل ترجمت هذا الالتزام إلى مبادرات فعلية في مجال المصالحة الوطنية وحل النزاعات الداخلية، مما ساهم في الحفاظ على الاستقرار الجزئي وتفادي انزلاق الأوضاع نحو مزيد من التوتر.
أما الشق الثاني من الرؤية الجزائرية، فيتعلق بالإرهاصات الأمنية التي تنذر بالخطر قبل وقوعه. وأكد وزير الخارجية أن الجزائر تتابع بشكل دقيق كل المؤشرات الأمنية في مالي والمنطقة المحيطة، بما يشمل نشاط الجماعات الإرهابية، التوترات السياسية، والانقسامات الاجتماعية التي قد تؤدي إلى تفاقم الأزمة.
وأشار عطاف إلى أن النهج الجزائري استباقي، إذ لا يقتصر على الرد على الأحداث بعد وقوعها، بل يهدف إلى: دعم المسارات السياسية السلمية لمنع تفاقم النزاعات؛ تعزيز التأهب الأمني والمراقبة الاستراتيجية لمواجهة أي تهديد محتمل للجزائر وللجوار؛ التنسيق مع الفاعلين الإقليميين والدوليين لضمان استقرار مالي والسيطرة على التطورات قبل أن تتحول إلى أزمات مفتوحة.
الجزائر: شريك فاعل ومسؤول في استقرار الساحل والصحراء
كما أبرز وزير الخارجية أن الجزائر لا تكتفي بمراقبة الوضع فقط، بل تتخذ دوراً فاعلاً في تعزيز الأمن والاستقرار في المنطقة. فهي تعمل على دعم الحوار الوطني الشامل في مالي، بعيداً عن أي تدخلات خارجية، سواء كانت سياسية أو عسكرية، مؤكدة أن وحدة مالي الوطنية الأصيلة هي الضمان الحقيقي لمواجهة الإرهاب والتحديات الأمنية في الساحل الصحراوي.
وأردف السيد عطاف قائلاً إن الجزائر تبقي يدها ممدودة لأشقائها في مالي، مستندة إلى: صبر استراتيجي لا ينضب في التعامل مع الأزمات؛ إيمان راسخ بالوحدة التاريخية والمصيرية بين شعوب المنطقة؛ إرادة قوية وقدرة على اتخاذ الإجراءات اللازمة لحماية الأمن والاستقرار الإقليمي.
أبو الفضل بهلولي للجنوب الكبير: “الجزائر تعزز دورها الاستراتيجي في أمن الساحل والصحراء”
يعتبر أستاذ العلوم السياسية والقانون الدولي، أبو الفضل بهلولي، أن الجزائر لم تنظر يوماً لأمنها من منظور انفرادي، بل اعتمدت دائماً على رؤية شاملة تربط أمنها بأمن أشقائها في المنطقة، خصوصاً في الساحل الصحراوي. ويضيف أن هذا النهج يجعل الجزائر فاعلًا أساسيًا في الحفاظ على السلم والأمن الإقليميين، إذ ترى أي تهديد لدولة مجاورة كتهديد مباشر لأمنها القومي.
“الخيار العسكري هو التهديد الأول والأبرز لوحدة دولة مالي وسلامة أراضيها، ويحمل بذور الحرب الأهلية ويقوض جهود المصالحة الوطنية.”
الحل السياسي.. الخيار الوحيد
يشدد الخبير على أن العودة إلى المسار السياسي هي الحل لضمان استقرار مالي، مؤكداً أن: الحل لا يكون عسكرياً أو إقصائياً؛ يتطلب سبل سلمية وسياسية جامعة لجميع الأطراف؛
يقوم على حوار مسؤول ومصالحة شاملة بعيداً عن أي تدخلات خارجية.
ويخلص إلى أن الوحدة الوطنية الأصيلة في مالي هي الضمان لمواجهة الإرهاب وصد التحديات في الساحل والصحراء، وضمان قدرة الدولة على الصمود أمام الأزمات المستقبلية.

