في إطار الجهود الرامية إلى الحفاظ على التراث الثقافي الصحراوي وتعزيز الهوية المحلية، تحتضن ولاية برج باجي مختار الطبعة الثالثة من ملتقى “الحِلّة”، وهو حدث ثقافي بارز يسلط الضوء على أحد أهم المكونات التاريخية والاجتماعية في الصحراء الجزائرية.
ويهدف هذا الملتقى إلى إبراز قيمة الحِلّة باعتبارها تراثا أصيلا ومتجذرا في المجتمع الصحراوي، حيث كانت في فترات تاريخية سابقة بمثابة مركز اجتماعي وثقافي وعلمي، احتضن العلماء وطلبة العلم والحرفيين والرعاة، وشكّل فضاءً لتنظيم الحياة الاجتماعية والدينية.
أكد رئيس الجمعية عقباوي محمد الأمين أن الهدف الأساسي من تنظيم ملتقى “الحِلّة” يتمثل في الحفاظ على التراث الصحراوي وإبرازه، باعتباره تراثًا أصيلًا ومتجذرًا يعكس هوية المجتمعات الصحراوية، مشيرا إلى أن الحِلّة كانت تاريخيًا “بمثابة العاصمة” لساكنة الصحراء، بما احتوته من أدوار علمية واجتماعية ودينية.
وفي حديثه عن الطبعة الثالثة من الملتقى، أوضح أنها تُعد أول ملتقى من نوعه في ولاية برج باجي مختار يحظى برعاية رسمية من وزير الشباب، مبرزا أن ما يميزها هو الحضور القوي لفئة الشباب، الذين يشكلون غالبية المشاركين والفاعلين، في تجسيد واضح لوعيهم بأهمية حماية التراث والانخراط في تثمينه.
وأضاف أن الفئات المستهدفة تشمل المهتمين بالتراث الجزائري المنتشر عبر مختلف ربوع الوطن، إلى جانب الباحثين في التاريخ والمهتمين بالدراسات الثقافية، معتبرا أن هذه التظاهرة تشكل فضاء للحوار وإعادة إحياء الذاكرة الجماعية.
وأشار إلى أن أول طبعة من الملتقى نظمت سنة 2023 برعاية وزارة الثقافة والفنون، تلتها طبعة ثانية سنة 2024 بدعم من نفس القطاع، وقد حققتا نجاحا واستحسانا كبيرين، ما شجع على مواصلة هذا المسار الثقافي.
وفي سياق متصل، أوضح أن التحضير لهذه الطبعة انطلق منذ السنة الماضية بهدف جعلها أكثر تميزا، رغم التحديات المرتبطة خصوصا بنقص المرافق في هذه المناطق الحدودية واعتبار الولاية حديثة النشأة، إضافة إلى محدودية الدعم المخصص للتظاهرات الثقافية، معبرا عن أمله في أن تتحسن الظروف مستقبلًا بما يسمح باستضافة فعاليات أكبر وأكثر تأثيرًا.
و تابع قائلا أن مفهوم الحِلّة لا يزال حاضرا في المجتمعات الصحراوية رغم تغير النمط، مشيرا إلى أن “شيخ الحِلّة” لا يزال يحتفظ بمكانته الاجتماعية وكلمته المعتبرة داخل المجتمع.
وأضاف أن إحياء هذا الموروث يمكن أن يتم من خلال التظاهرات الثقافية التي تبرز قيمته، وهو ما دفعهم إلى تأسيس هذه الجمعية خصيصا لهذا الغرض، مع التأكيد على أهمية استثمار الوسائل الحديثة، خاصة التكنولوجيا الرقمية، في حماية التراث ونقله للأجيال القادمة.
ووجه رسالة إلى الشباب مفادها أن التراث الجزائري أمانة في أعناق الجميع، ويجب الحفاظ عليه وخدمته بكل الوسائل الممكنة.
كما اعتبر أن الحِلّة تجمع بين بعدين أساسيين؛ فهي من جهة تراث يمثل إرث الأجداد الذين جعلوها في فترات تاريخية سابقة مركزا للعلم والقضاء وفض النزاعات وإقامة الشعائر، ومن جهة أخرى تمثل هوية ثقافية عميقة للمجتمع الصحراوي، حيث وصلت إشعاعات علمائها إلى عدة قارات، وكتب عنها عدد من المستشرقين، من بينهم المستشرق الفرنسي بول مارتي الذي وصفها بأنها: “المخيم القائد في الصحراء”.
وتسعى هذه المبادرة إلى تحويل التراث من مجرد ذاكرة محفوظة إلى مشروع حي يعاد تقديمه عبر التظاهرات الثقافية والوسائط الرقمية، بما يضمن استمراريته ونقله للأجيال الجديدة.

