تحاول الإدارة الأمريكية، سيما في عهد الرئيس ترامب، فرض حل لقضية الصحراء الغربية غير الذي يقتضيه القانون الدولي وميثاق منظمة الأمم المتحدة في احترام حق الشعوب في تقرير مصيرها، ليجد الصحراويون أنفسهم أمام حتمية التمسك بحقهم والدفاع عنه، وإقناع الإدارة الأمريكية بالعودة إلى قرارات الأمم المتحدة وإلزام المخزن المغربي بالامتثال إليها.
لقد حافظت الولايات المتحدة الأمريكية طوال فترة طرح ملف قضية الصحراء الغربية على الهيئة الأممية كقضية استعمار منذ الفترة الإسبانية على موقف ثابت إزاء القانون الدولي واحترام مبدأ تقرير المصير، الشعار الذي حملته الولايات المتحدة الأمريكية في سياستها الخارجية وكان أحد المبادئ الأساسية لتأسيس رابطة عصبة الأمم ومنظمة الأمم المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية. هذا الموقف كان يستند إلى تضحيات الأمريكيين في ثورتهم المجيدة والتحرر من الاستعمار البريطاني واستقلال بلدهم من أي قيد أو رابط يحد من سيادتهم، فتقرير المصير كان يتماشى مع المصلحة الأمريكية ولم تعارضه دومًا أو على الأقل لم تعرقله أو تقف ضده. وفي هذه الفترة بالذات والمرحلة المفصلية التي تمر بها قضية الصحراء الغربية، انتقل موقف الإدارة الأمريكية في ظل الرئيس ترامب من الحياد الصامت والداعم إلى الأطروحة المغربية المخزنية بشكل خفي وغير مباشر إلى الدعم العلني، والانتقال إلى الداعم الحقيقي للطرح المخزني وفرض الرؤية التي تتماشى مع طموحاته الاستعمارية. في هذه النقطة تبرز العديد من العوامل التي ساهمت في هذا التحول والانتقال المفاجئ للدور الأمريكي الذي تعتبر صاحبة القلم ومن يضع المسودة المتعلقة بقرارات مجلس الأمن الدولي بخصوص ملف الصحراء الغربية، آخر مستعمرة في القارة الإفريقية والمدرجة ضمن اللجنة الأممية الرابعة التي تعتبر الإقليم لم يمارس حقه القانوني غير القابل للتصرف والتقادم في تقرير مصيره.
موقف الإدارة الأمريكية في عهد الرئيس ترامب من ملف الصحراء الغربية تزامن مع نهاية عهدته الأولى، حيث أعلن الرئيس الأمريكي ترامب أن الولايات المتحدة الأمريكية تدعم الطرح المغربي المخزني في حل القضية، ويعترف له بالسيادة على الإقليم، مع وعود لم يتم ترجمتها إلى غاية اللحظة بفتح ممثليات دبلوماسية في الإقليم. قد يكون هذا الإعلان المفاجئ تزامن مع حركة التطبيع المجانية التي عرفتها المنطقة العربية مع الكيان الصهيوني، وانخراط المغرب في هذا الاتجاه بشكل جنوني وغير عقلاني، وتقديم عديد التنازلات دون مقابل على حساب كرامة الشعب المغربي. ومع ذلك، عادت الإدارة الأمريكية إلى رشدها في فترة الرئيس بايدن، لكن مع عودة ترامب على رأس الإدارة الأمريكية بدأ التساؤل يطرح نفسه من جديد من خلال فرض الطرح المغربي لحل القضية وتجاوز فكرة تقرير المصير. في هذا الطرح يُلاحظ أن مستشاري الرئيس الأمريكي هم من يتولون الترويج له، وليس الرئيس نفسه أو على الأقل كاتبه للشؤون الخارجية، مما يشير إلى أن ملف قضية الصحراء الغربية ليس من أولويات طاولة الرئيس الأمريكي، كالقضية الفلسطينية أو الأزمة الأوكرانية الروسية أو حتى الملف النووي الإيراني. وحقيقة الأمر أن ذلك مؤشر جد خطير، فملف قضية الصحراء الغربية ومصير شعبها وُضع بيد اللوبيات وأصحاب المصالح، وهو ما كان المخزن يرغب فيه دومًا ويعمل من أجله بشكل دؤوب.
تعلل الإدارة الأمريكية دعمها للطرح المخزني بناءً على عديد النقاط، أبرزها أن المشكل طال كثيرًا، وهيئة المينورسو تستنزف ميزانيات ضخمة من الأمم المتحدة دون أن تتمكن من تنفيذ مهامها وتنظيم استفتاء حر ونزيه يعبر من خلاله الشعب الصحراوي عن حقه ويمارس تقرير مصيره. كما تتحجج الإدارة الأمريكية بأن الرؤية المغربية المخزنية هي الأكثر واقعية وقابلية للتطبيق رغم خلوها من أي تفاصيل وبقائها مجرد دعاية إعلامية للتسويق، وهي تقارب العشرين عامًا من إطلاقها وعجز المخزن عن وضع خطة مدروسة. كما أن الدعاية الأمريكية تجانب القانون الدولي وتفتح المجال لمزيد من التعقيدات والمشكلات التي العالم في غنى عنها.
لم تكن الصحراء الغربية ضمن أولويات الرئيس الأمريكي ترامب الانتخابية، لكن الملاحظ أن المخزن المغربي، ومن خلال علاقاته مع اللوبيات الأمريكية، سيما الصهيونية منها، تمكن من نسج شبكة علاقات مع مستشاري الرئيس الأمريكي ترامب مقابل مصالح متبادلة لدعم أطروحته، وعمل بجد على أن يتم حسم الموضوع خلال عهدة الرئيس الأمريكي ترامب لتفادي أي مفاجآت، وحتى إن لم يتمكن من حسمه فهو يعمل على تسجيل نقاط لصالحه. أما الاستراتيجية الثانية التي يعمل المخزن عليها، في حال لم تقتنع الإدارة الأمريكية، فهي تعقيد القضية أكثر فأكثر وتوريط فاعلين آخرين وتأجيل الحل إلى وقت آخر وإطالة معاناة اللاجئين الصحراويين.
قد لا يجد الصحراويون ما يقدمونه للإدارة الأمريكية حتى تدعم حقهم المشروع في تقرير مصيرهم وإقامة دولتهم كاملة السيادة، مثلما يفعل المخزن المغربي واللوبيات التي تدعمه. ومع ذلك، يذكّر الصحراويون بأن مبدأ تقرير المصير كان أبرز شعار للدولة الأمريكية، وما يعانيه الصحراويون من مراوغات وتملصات مخزنية من تنفيذ قرارات الأمم المتحدة هو الأمر ذاته الذي عانى منه قادة الثورة الأمريكية في مفاوضات استقلالهم مع البريطانيين. ويتطلع الصحراويون إلى أن تكون الإدارة الأمريكية أكثر عقلانية ورشدًا، سيما بعد المبادرة الأخيرة التي قدمتها جبهة البوليساريو، الممثل الشرعي والحصري للشعب الصحراوي، من حسن النوايا إزاء جميع جيرانها والانخراط بشكل جدي وفعلي في التنمية الإقليمية والإفريقية والحفاظ على الأمن والسلام الدوليين.
