الدكتور محمد بغداد | مراسلو الجنوب الكبير
قرابة مليون ونصف مليون صوت انتخابي، تحتكره الجامعة اليوم وهو ما يمثل ربع مقاعد البرلمان، طاقة رهيبة وقوة قاهرة، بإمكانها حسم مصير المواعيد الانتخابية، مهما كانت طبيعتها، وهي القوة التي تملك، زيادة على قدرة حسم الانتخابات، تملك ما هو أهم من ذلك، وهو صورة الوطن ومصيره في المستقبل، وهو ما يضع التحدي الأكبر أمام النخب السياسية التقليدية، القريبة إلى الماضي، والمتباعدة عن المستقبل، في مواجهة مع النخب القريبة من المستقبل، والبعيدة من الماضي.
المعايير الجديدة
إن المواجهة الحقيقة، ستكون يوم الانتخابات، لتبرز ملامح مستقبل الوطن، الذي تحدده النخب التي تتولى وحدها، تحديد من يمثل المجتمع في البرلمان، ومن هو محاصر بمتاريس الاقصاء وحواجز التهميش وجروح الاهمال، عندها يمكن معرفة مستقبل الوطن، من السلوك الانتخابي لطلبة الجامعة.
إن أكبر التحديات التي تواجه النخب السياسية اليوم، بمختلف تياراتها وأمزجتها وأنماط ممارستها، يتمثل في مواجهة ترسبات الإهمال والإقصاء، الذي تعرضت له الأجيال القادمة من المستقبل، وفي مقدمتها طلبة الجامعات، الذين يمثلون اليوم ذلك المارد، الذي تمكنت التكنولوجيات الاتصالية الجديدة، من اخراجها من قمقمها، التي وضعتها تعسفا فيه النخب التقليدية، التي استعذبت إقصاء أجيال المستقبل، وتصر على استمرارية السيطرة البغيضة، والهيمنة الهشة، والتسلطية المتهالكة، للبقاء في العيش في دهاليز الماضي، ووضع المتاريس والعوائق، أمام قدوم المستقبل لهذا الوطن.
إن المعايير الجديدة التي حملتها المفاهيم الحديثة للسياسة والعيش الجديد، تؤكد أن الأوطان القوية، والشعوب السعيدة، والدولة المهابة، تلك التي تعيش بأحلام شبابها، وبالذات المثقف منه، والذي زودته التكنولوجيات الجديدة، بقوة ازالة الحواجز بينها وبين المستقبل، فأصبحت قادرة على رسم ملامحه، والعيش فيه حسب رغباتها، وتطلعاتها وطبيعة أحلامها، وهي اليوم تجد نفسها تحت قساوة قهر الاقصاء والتهميش، من مجرد المشاركة في إعطاء رأيها، فيمن سيمثلون المجتمع في البرلمان، وستكون لهم سلطة تقرير مصيرهم.
حكمة الانكماش
لم يفكر حزب واحد من عشرات الأحزاب، ولم تجرأ نخبة من النخب السياسية، أن يضع القائمة الانتخابية، وليس البرنامج، أمام طلبة الجامعات، والاستماع لأرائهم فيها، دون عوائق وحواجز السرية والتواري عن الأعين، والأمر كان سيكون قاعدة متعبة وسنة ممارسة، لو انتبهت هذه النخب إلى ما يمارسه السياسيون في الشعوب الحية، فتكون الكتلة البشرية الحية في هذا الوطن، التي أدركت حجم قوتها، مبعدة عن هموم الوطن، ومهمشة في اتخاذ القرار، ومبعدة من مصير الوطن، ومحرومة من فرص التدريب والتكوين، على إدارة الشأن العام.
إن هذه الممارسة المستمرة، دفعت بهؤلاء الطلبة، وهم في الجامعة أن يتابعوا يوميا تلك السلوكات والممارسات والقيم المتبعة، عند الشعوب الأخرى، التي تمكنت تكنولوجيات الاتصال الحديثة، جلبها إليهم ووضعها بين أيديهم، في وقت أن الكثير من كتل النخب القديمة، لم تسمع بثمرات التكنولوجيات الاتصالية الجديدة، ولم تقنع بمعجزاتها الكبرى، التي جعلت من طلبة الجامعة، ينظرون في كل لحظة، إلى تلك الشخصيات التي تدير مجتمعات كبرى، وتتولى أكبر المشاريع وتسير أعقد الملفات، وهي في سنها وربما أقل منها، وهي المجتمعات التي تعطي الفرصة لهؤلاء، فرصة المشاركة وإبداع من هم في سن هؤلاء، في الوقت الذي يتقلص الوطن في نظر هؤلاء يوميا، بتقلص قيمتهم في ممارسات النخب التقليدية.
تواري التصدع
تشكلت المواعيد السياسية محطة خطيرة، خاصة في الظروف الحالية، لأن الممارسة السياسية، انتقلت من مستويات الإدارة التقليدية، ووضعتها التكنولوجيات الاتصالية، أمام تحدى كبير، حتى أنها أصابت الكثير من المفاهيم العتيقة، بالتصدع والتشظي، فالأوطان خرجت مفاهيمها، من الحدود الجغرافية وامتدت إلى مستويات الإعتراف بكينونة الذات، وشرعية المواهب ومشروعية القدرات، وما يمكن أن ينتج عن ذلك من أساليب استثمارية جديدة، وآفاق عيش ممكنة.
إن صورة الأوطان اليوم، ترسم من خلال الأحلام والرغبات والأهداف والطموحات، التي تتجاوز مجرد بطاقات انخراط بليدة في حزب، أو طقوس ولاء غبية لزعيم، أو إصفاف في جهة من الجهات ضد أخرى، وإنما الأوطان تحمل هويتها من نوعية أحلام تلك الأجيال التي ستعيش فيها مستقبلا، وليس من أضغاث الأجيال المغادرة لها، مما يجعل من سلوكات وأمزجة طلبة الجامعة، الفرصة المناسبة لإعطاء المزيد من الشرعية للوطن، والحصول على تلك المتعة، التي تنتج من حيوية أحلام الشباب، التي بالضرورة لن تكون ملتصقة بترسبات تخلف النخب البليدة، التي ما تزال تعيش في أوهام الطيش والمراهقة.
عوازل القهر
إن تسارع الأيام، وما حملته من مستجدات مستحدثة، كشفت الكثير من العورات وأدمت العديد من الجروح، وأبرزت المزيد من الآلم، وفتحت الأعين عن تلك الضربات المؤلمة، التي توجهها النخب المسيطرة على فضاءات الشأن العام، والتي تكون قد استعذبت ممارسة القهر والإيغال في السيطرة، والاستمرار في الاقصاء والتهميش، خاصة عندما تصر على إبعاد قرابة مليون ونصف مليون، من المواطنين عن هموم المجتمع وقضايا الوطن، ولا تضع هؤلاء إلا في خانة التصفيق وملأ المدرجات، وتطلب منهم فقط الهتاف لخطبهم الخشبية التي لا تسمع ولا تغني من جوع، وهي الخطب التي لا تملك أدني القدرات للوصول إلى آذان هؤلاء الشباب.
لقد تمكنت التكنولوجيات الاتصالية الجديدة، من فتح أعين طلبة الجامعة، على الممارسات القهرية، التي تمارسها ضدهم النخب القادمة من الماضي، والتي تستعذب إبعادهم وتحتقر قدراتهم، وتستهزئ بإمكانياتهم، خاصة عندما تجعلهم مجرد أطفال صغار، يجب إبعادهم عن المشاركة في الصراعات لاجتماعية الطبيعية، التي تقام حول إعداد القوائم الانتخابية، وفتح الأبواب أمامهم للمساهمة بآرائهم وأفكارهم في من يمثلونهم في البرلمان، وهو القهر والظلم الذي برزت جروحه في سلوكات طلبة الجامعة، والذين يعبرون عنه اليوم بخطاب يحمل في طياته خطورة كبيرة، توازي تلك الخطورة التي تمثلهم أساليب العزل والقهر، الذي تصر النخب القديمة ممارسته ضدهم.
وعكة التواصل
مع ارتفاع هدير هندسة قوائم الراحلون إلى البرلمان، يجد طلبة الجامعات أنهم مبعدون عن هموم ومناورات الكبار، المشرفون على نسج خيوط رحلة الوصول إلى البرلمان، وهؤلاء الذين تجاوزوا القدر الأكبر من الزمن، يصرون على تهميش من هم في نظرهم من الصغار، فيأتي رد فعل طلبة الجامعات معاكسا في الاتجاه، ومساويا في القوة، فإن كان هؤلاء الشيوخ يفضلون جلسات المقاهي والأماكن المعزولة، والاتصال التقليدي، حتى يتواروا من القوم بأحاديث مؤامراتهم ضد بعضهم البعض، فإن طلبة الجامعة، يرفعون أصواتهم بالسخرية والتهكم والتمتع بالإزدراء، في الفضاءات الزرقاء، التي تصل أخبارهم فيها إلى كل سكان الأرض، جاعلين من تلك السلوكات، الضربة التي يوجهونها للكبار، مما يعجزون عن العيش في الأزمنة الافتراضية، التي تشكل لهم واحات الراحة وممارسة الحرية واثبات الشخصية، والانتقام ممن يحقرون العلم، ويزدرون المعرفة، ويقللون من أهمية طاقة عنفوان الشباب، فهم يعلنونها صراحة، أنهم قادرون على إدارة الشأن العام، أكثر من غيرهم، وليست قضايا البرلمان أصعب من ملفات مدرجات الجامعات.

