في قلب الجنوب الجزائري، وتحديدًا من ولاية إليزي، يبرز جيل جديد من الشباب الطموح الذي قرر أن يصنع الفرق، مستفيدًا من برنامج DZYOUNG Leaders التابع لـ المجلس الأعلى للشباب، والذي أصبح منصة حقيقية لصناعة القيادات الشابة في الجزائر.
شباب يؤمنون بالتغيير…
ضمن هذا البرنامج، يشارك القائد الشاب خالد إنتمات، طالب في شعبة الآداب والفلسفة، الذي يرى في هذه التجربة فرصة لصقل مهاراته القيادية والانخراط في العمل المجتمعي. ويؤكد أن البرنامج يستهدف الشباب الطموح الذين يمتلكون روح المبادرة والرغبة في التطور والقدرة على التأثير الإيجابي في محيطهم، إضافة إلى الانفتاح على التعلم المستمر واكتساب مهارات جديدة في مجالات العمل التطوعي وريادة الأعمال.
وقد اختار خالد أن يتمحور مشروعه حول البيئة تحت عنوان التوعية البيئية، انطلاقًا من واقع منطقته التي تعاني من تحديات بيئية ملحوظة، حيث يرى أن نشر الوعي البيئي أصبح ضرورة ملحة في ظل ضعف الثقافة البيئية وتزايد التحديات المرتبطة بالتلوث. ويصف مشروعه بأنه حلم يهدف إلى خدمة المجتمع وحماية المحيط الذي يعيش فيه، مؤكدًا أن مشاركته في البرنامج مكنته من الاستفادة بشكل كبير من الجلسات التكوينية رفيعة المستوى التي قدمها خبراء مختصون.
حفظ الذاكرة… مشروع مروة عبيدي
من جهتها، تقدم القائدة الشابة عبيدي مروة، وهي ممرضة في قطاع الصحة، رؤية مختلفة من خلال مشروع طموح يتمثل في إنشاء منصة رقمية لتوثيق التراث المادي واللامادي لولاية إليزي، بهدف أن تكون مرجعًا للطلاب والباحثين والمهتمين بالتراث، إضافة إلى التعريف بالموروث الثقافي المحلي واستقطاب السياح، مع المساهمة في حماية هذا التراث من الاندثار أو الضياع، خاصة في ظل التغيرات المناخية التي قد تساهم في تآكل بعض المعالم الأثرية القديمة، مما يجعل توثيقها ضرورة لحفظها للأجيال القادمة.
وخلال مشاركتها في البرنامج، استفادت مروة من سلسلة ورشات تكوينية ركزت على التخطيط الاستراتيجي، واكتشاف الذات وبناء الهوية القيادية، وتزويد الشباب بالأدوات اللازمة لمواجهة تحديات الواقع، إلى جانب تطوير مهارات حل المشكلات واتخاذ القرار، وصياغة الرؤية وبناء الأهداف الشخصية، وترسيخ القيم القيادية وتعزيز الوعي بما يساعد الشباب على التكيف مع عالم سريع التغير بثقة وكفاءة.
وقد عرفت هذه التجربة أيضًا انتقال المشاركين من الجانب النظري إلى التطبيق الميداني عبر ورشات تدريبية بإشراف نخبة من المدربين والخبراء، في بيئة محفزة تهدف إلى تطوير الكفاءات وصقل المهارات القيادية. وتؤكد مروة من خلال تجربتها أن القيادة ليست مجرد إصدار أوامر، بل وعي وشورى ورؤية واضحة، وأن القائد الحقيقي هو من يعرف متى يقرر ومتى يستمع وكيف يؤثر في الآخرين، مع ضرورة التحلي بالنزاهة والقيم الأخلاقية، لأن الشغف وحده لا يكفي ما لم يتحول إلى عمل واقعي.
كما شكلت هذه التجربة فرصة للتبادل الفكري بين شباب من مختلف ولايات الوطن وخارجه، ما ساهم في تعزيز روح الانفتاح والتعرف على تنوع العادات والأفكار داخل الجزائر.
مشروع “البوصلة – The Compass”… نحو توجيه الطاقات وصناعة الفرص
ومن بين أبرز المشاريع المشاركة أيضًا، يبرز مشروع “البوصلة – The Compass” لصاحبه القائد الشاب كحلول محمد سالم، وهو مبادرة شبابية تهدف إلى توجيه الشباب حاملي الأفكار نحو تحويلها إلى مشاريع حقيقية قابلة للتجسيد على أرض الواقع، إلى جانب مرافقة حاملي الشهادات والمهارات والحرفيين في الاندماج في سوق العمل، والتعريف بآليات وصناديق التمويل المتاحة لأصحاب المشاريع.
ويعتمد المشروع على نموذج عمل مزدوج يجمع بين العمل الحضوري من خلال مؤسسات الشباب على مستوى الولاية، والعمل الرقمي عبر منصة إلكترونية حديثة تضم شبابًا طموحين، ومستثمرين، وأرباب عمل، بما يخلق فضاءً تفاعليًا لتبادل الفرص. كما تساهم هذه المنصة في توفير مؤشرات دقيقة حول الكفاءات المتوفرة، بما يسمح بتوجيه عروض العمل بشكل يتناسب مع احتياجات السوق المحلي وخصوصيات المنطقة.
ولا يقتصر المشروع على التوجيه المهني فحسب، بل يسعى أيضًا إلى تنظيم فعاليات كبرى مثل الهاكاثون، و”ستارتاب ويكند”، وأمسيات مخصصة للحرفيين، بهدف إبراز الطاقات المحلية والتعريف بها كمطورين وخبراء تسيير وأصحاب مهارات واعدة.
ويحمل المشروع شعارًا يعكس فلسفته: “نحن نبحث عن التكامل”، في إشارة إلى بناء منظومة متكاملة تربط بين الأفكار، والفرص، والموارد البشرية.
تعكس تجربة شباب ولاية إليزي في برنامج DZ Young Leaders التابع لـ المجلس الأعلى للشباب صورة مشرقة عن جيل جديد يؤمن بأن التغيير ممكن، وأن المبادرة الفردية قادرة على صناعة أثر جماعي. ومن بين البيئة والذاكرة الثقافية وصولًا إلى التوجيه المهني وصناعة الفرص، تتشكل ملامح غدٍ يُبنى بسواعد شباب قرروا أن يكونوا جزءًا من الحل، لا مجرد متفرجين على الواقع.

