الجنوب الكبير ويب الجنوب الكبير ويب
  • الوطني
  • أخبار الجنوب
  • مجتمع
  • رياضة
  • دولي
  • ثقافة
  • رأي
  • آخر الأخبارآخر الأخبار
  • الجنوب الكبير TVالجنوب الكبير TV
  • النسخة الرقميةالنسخة الرقمية
الجنوب الكبير ويبالجنوب الكبير ويب
  • الوطني
  • أخبار الجنوب
  • مجتمع
  • رياضة
  • دولي
  • ثقافة
  • رأي

الفيديو

سجل القراءة

للقراءة لاحقًا

إليزي
41° 30°
25 كلم/سا
13 ماي 2026 الأربعاء
الشروق 05:40
الغروب 19:05
الفجر 04:09
الظهر 12:22
العصر 15:52
المغرب 19:05
العشاء 20:28
يتبقى لصلاة
  • من نحــن
  • الإشهار
  • اتصل بنا
  • الفريق
انضم إلينا
أقلام

من الحريقة إلى الحديقة: طقوس الفرح وإعادة بناء الذاكرة الجماعية

د. خديجة بن الصديق
آخر تحديث: 11 أبريل 2026
د. خديجة بن الصديق
 د. خديجة بن الصديق
دكتورة في علم الاجتماع الثقافي بجامعة غرداية، نالت درجة الدكتوراه في مارس 2024 عن أطروحة بعنوان "أساليب الحياة اليومية والقيم الاجتماعية"، ونشرت عدة مقالات علمية منها:...
من الحريقة إلى الحديقة: طقوس الفرح وإعادة بناء الذاكرة الجماعية
من الحريقة إلى الحديقة: طقوس الفرح وإعادة بناء الذاكرة الجماعية

بصوتٍ جهوريٍّ حمله الحماس والإحساس الجماعي، قدّم الأستاذ علي بن صيفية افتتاح العرس الجماعي بحي الحديقة في مدينة متليلي الشعانبة بأسلوبٍ بليغ أضفى على اللحظة قيمة رمزية مضاعفة، مُعلنًا انطلاق مراسيم تتويج اثنين وثلاثين عريسًا. ولم تكن كلماته مجرد إعلان، بل أسهمت في شحن الفضاء العام بطاقة جماعية، وجعلت من لحظة الافتتاح جزءًا من التجربة الاجتماعية والاحتفالية نفسها.

 من الحريقة إلى خلية نحل تؤسس لبناء مجتمع — التحول الرمزي والوظيفي للفضاء المحلي

لم يعد حي الحديقة في مدينة متليلي الشعانبة مجرد فضاء سكني يُختزل في تسميات محلية أو طبقات من الذاكرة الحضرية، بل أصبح مجالًا اجتماعيًا ديناميكيًا يُعيد إنتاج ذاته عبر الزمن، من خلال فعل جماعي منظم يُشبه في بنيته ووظائفه “خلية نحل” تعمل بصمت وتنتج فعلًا اجتماعيًا مركبًا. إن الانتقال الرمزي من “الحريقة” كاسمٍ يحيل إلى ذاكرة المكان والتحولات العمرانية والاجتماعية، إلى “الحديقة” كهوية حضرية واجتماعية جديدة، لا يُفهم فقط كتبدل في التسمية، بل كـ تحول أنثروبولوجي في تمثلات المكان، حيث يُعاد بناء العلاقة بين السكان والفضاء، وبين الذاكرة والانتماء، في إطار ما يمكن أن تسميه الأنثروبولوجيا الحضرية بـ إعادة ترميز المجال الاجتماعي (Re-symbolization of space).

وفي هذا السياق، يتجاوز العرس الجماعي في الحي وظيفته الاحتفالية التقليدية ليصبح بنية اجتماعية ممتدة في الزمن، تُدار عبر تخطيط جماعي يبدأ قبل سنة كاملة من لحظة التتويج، ويعتمد على توزيع غير رسمي للأدوار بين مختلف الفاعلين المحليين. فالإطارات المهنية، والكفاءات، والفاعلون الجمعويون، ورجال الدين، جميعهم يندمجون في شبكة تنظيمية مرنة تقوم على الثقة الاجتماعية، والتكافل، والعمل غير المُمأسس. ومن منظور سوسيولوجي جزائري، يمكن قراءة هذا النموذج في ضوء أعمال عبد القادر جغلول حول التنظيم الاجتماعي المحلي، حيث يُنظر إلى الجماعة المحلية باعتبارها وحدة إنتاج اجتماعي للتماسك، وليس مجرد تجمع سكاني. كما يلتقي هذا التحليل مع مقاربات عبد الله حمودي في فهم البنية الرمزية للسلطة والمعنى داخل المجتمعات المغاربية، حيث لا تنفصل الطقوس عن إنتاج الشرعية الاجتماعية.

أما أنثروبولوجيًا، فإن هذا النمط من التنظيم يعكس ما يشبه “الاقتصاد الأخلاقي المحلي” الذي تحدث عنه أحمد بن نبي في سياق الفكر الإصلاحي العربي، حيث تتداخل القيم (التضامن، السمعة، المكانة) مع الفعل الاجتماعي في إنتاج أشكال من التعاون المستدام.وبذلك، يصبح العرس الجماعي في حي الحديقة ليس مجرد مناسبة اجتماعية، بل نموذجًا لإعادة إنتاج المجتمع لنفسه من الداخل، عبر تعبئة رأسماله البشري والمعرفي، وتحويل الفضاء المحلي إلى مجال إنتاج اجتماعي متجدد، تتقاطع فيه الذاكرة، والهوية، والتنظيم، والمعنى.

 الفضاء الطقوسي وإعادة إنتاج المعنى — من الملعب إلى المجال الرمزي المتعدد

يشكّل الفضاء الذي يحتضن مراسيم العرس الجماعي في حي الحديقة بمدينة متليلي الشعانبة عنصرًا محوريًا في فهم البنية الطقوسية للحدث، إذ لا يُستعمل الملعب بوظيفته الرياضية الأصلية، بل يُعاد تشكيله كليًا عبر عملية تحويل رمزي وجمالي تجعله فضاءً احتفاليًا متعدد الدلالات.فمن منظور أنثروبولوجي، نحن أمام ما يمكن تسميته بـ “إعادة إنتاج الفضاء”، حيث يتحول المكان من بنية وظيفية محايدة إلى مجال مشحون بالرموز والمعاني. إذ يُعاد تزيين الملعب بالإنارة، والزرابي، والأعلام، والفراش، في عملية تطهير رمزي للفضاء تُخرجه من اليومي إلى الطقوسي، ومن العملي إلى الاحتفالي، بما يجعل الحضور يشعر بأنهم داخل “حدث” لا داخل “مكان”.

وفي هذا السياق، يتخذ الفضاء طابعًا مركبًا، إذ تتداخل فيه عدة طبقات رمزية:

  • الطبقة الجمالية: عبر الزينة والإنارة التي تُحوّل المكان إلى مشهد بصري احتفالي.
  • الطبقة الاجتماعية: من خلال تجمع العائلات والضيوف، وإعادة إنتاج الروابط الاجتماعية في شكل علني ومكثف.
  • الطبقة الرمزية/الوطنية: حيث يُعاد توظيف الفضاء للتعبير عن الانتماء الجمعي، كما يظهر في الرموز البصرية التي تمتد خارج الملعب نحو الجبل الذي رُسمت عليه خريطة غزة بالإنارة، وهو ما يُدخل البعد التضامني والرمزي العابر للمحلي في قلب الطقس.

كما أن حضور الفروسية (الفنتازيا) في مجرى الوادي، المعروف محليًا بـ“الشعبة”، يضيف بعدًا أنثروبولوجيًا مهمًا، حيث يُستعاد التراث الشفوي والحركي للمنطقة في شكل عروض رمزية تجمع بين البارود، والخيل، والإيقاع الجماعي. هذا التوظيف للعناصر التراثية يعكس ما تشير إليه الأنثروبولوجيا الثقافية العربية، خاصة لدى أحمد شارف وعبد الله العروي في تحليل حضور التراث كآلية لإعادة إنتاج الهوية في السياقات الحديثة.

ومن زاوية سوسيولوجية، يمكن قراءة هذا التعدد في الفضاءات (الملعب/الوادي/الجبل) باعتباره تفكيكًا للفضاء الواحد وإعادة تركيبه كفضاء طقوسي موسّع، حيث لا يعود الحدث محصورًا في نقطة واحدة، بل يصبح شبكة من الأمكنة المتصلة دلاليًا، تُنتج تجربة جماعية ممتدة.إن ما يميز هذا النموذج هو أن الفضاء لا يُستهلك فقط، بل يُعاد خلقه اجتماعيًا وجماليًا ورمزيًا، بحيث يصبح العرس الجماعي لحظة إنتاج مكثف للمعنى عبر المكان، وليس مجرد احتفال يُقام في مكان جاهز.

عدد الفاعلين وبناء الشرعية الاجتماعية — تداخل الدولة والدين والكفاءات المحلية

يبرز العرس الجماعي في حي الحديقة بمدينة متليلي الشعانبة كفضاء تتقاطع فيه مستويات متعددة من الفاعلين الاجتماعيين والرسميين، بما يحوله من مجرد مناسبة محلية إلى حدث ذي طابع شبه عمومي، تُعاد فيه صياغة معاني الشرعية الاجتماعية والانتماء الجماعي. فمن أبرز سمات هذا النموذج الاحتفالي الحضور المكثف لممثلي الدولة بمختلف مستوياتها، من السلطات الولائية وعلى رأسها الوالي، إلى المنتخبين المحليين رئيس البلدية إبراهيم بوعامر . تميّز الحفل أيضًا بحضور نائب رئيس المجلس الشعبي الوطني، السيد علي طرباقو، ابن حي الحديقة، الذي يُعدّ من أبرز الوجوه الداعمة والمرافقة لمختلف المبادرات الاجتماعية بالمنطقة، إلى جانب حضور الأجهزة الأمنية والعسكرية والإعلام. هنا تتحول المناسبة الاجتماعية إلى لحظة لتجسيد التقارب بين المجتمع ومؤسساته. في المقابل، لا يغيب البعد الديني عن هذا التشكيل، إذ يشارك الأئمة ووجهاء الدين في المراسيم، وعلى رأسهم الإمام مختار الرمة. هذا التنوع يمنح الحدث بعدًا شرعيًا ورمزيًا إضافيًا، ويؤكد أن العرس الجماعي لا يُفهم فقط كتنظيم اجتماعي، بل كمنظومة شرعية متعددة المستويات تتكامل فيها المرجعيات الدينية والاجتماعية والسياسية.

شهدت هذه الليلة حضور ضيف الشرف الدكتور توفيق مخزومي، المختص في التكنولوجيا الصناعية وتطوير الكفاءات البشرية، الذي قدّم مداخلة تناولت الأبعاد الإنسانية والاجتماعية للمعرفة، مع التركيز على قيمة الزواج والأسرة ودورهما في استقرار الفرد والمجتمع. كما قدّم الدكتور والأستاذ الجامعي لخضر بن قومار من جامعة غرداية مداخلة ذات طابع توعوي، ركّزت على أهمية الأسرة كخلية أساسية في بناء المجتمع، وعلى القيم الاجتماعية التي تؤسس للحياة المشتركة. وتتوزع القيادة داخل هذا الفعل الجماعي بين فاعلين متنوعين، من أبرزهم: الحاج حيجوج مهاية، الإمام عبد العزيز، رئيس جمعية التعاون طريح إبراهيم، وجمعيات أخرى ارتبطت بالحي،  إلى جانب شخصيات دينية و جمعوية  وتنظيمية ووجوه اجتماعية معروفة داخل الحي، وهو ما ينتج نموذجًا من القيادة التشاركية غير الرسمية القائمة على الثقة الاجتماعية أكثر من السلطة المؤسساتية. إن تداخل هذه الفواعل (الدولة، الدين، المعرفة، النخب المحلية، والمجتمع) يجعل من العرس الجماعي فضاءً لإنتاج شرعية اجتماعية مركبة، تُعاد فيه صياغة صورة الانسجام بين مختلف مكونات المجتمع. فبدل أن تكون هذه العناصر في حالة انفصال، نجدها تتقاطع داخل لحظة احتفالية واحدة تُظهر المجتمع في حالة توازن رمزي وتكامل وظيفي.وبذلك، لا يمكن فهم هذا الحدث بوصفه مجرد احتفال اجتماعي، بل كـ مسرح لإعادة إنتاج الشرعية الاجتماعية المحلية، حيث تُعرض علاقات الانتماء، والثقة، والتعاون، في صيغة جماعية تُعيد تثبيت مكانة الحي داخل محيطه الاجتماعي والمؤسساتي الأوسع.

يكشف العرس الجماعي في حي الحديقة بمدينة متليلي الشعانبة عن كونه أكثر من مجرد احتفال اجتماعي، بل تجربة لإعادة إنتاج المجتمع المحلي عبر رأسماله البشري وشبكاته التضامنية ورموزه الثقافية والدينية.فهو حدث لا يُفهم بمنطق اللحظة، بل بمنطق الاستمرارية الاجتماعية، حيث تتداخل الذاكرة بالممارسة، والتنظيم غير الرسمي بالتخطيط الجماعي، في نموذج يعكس قدرة الحي على تحويل موارده الداخلية إلى قوة إنتاج اجتماعي فعّالة.كما يُبرز العرس الجماعي كفضاء لإعادة صياغة العلاقة بين المجتمع والدولة، وبين المحلي والوطني، في لحظة احتفالية تُعيد إنتاج معنى الانتماء وتعزز التماسك الاجتماعي. وفي المحصلة، يتجلى هذا النموذج كآلية لإنتاج التضامن وإعادة تشكيل الهوية الجماعية، تُظهر أن المجتمعات المحلية قادرة على بناء مشاريعها الاجتماعية بنفسها، وتحويل الفرح إلى ممارسة لبناء المجتمع لا مجرد التعبير عنه.

رابط دائم: eljk.me/763q

زوارنا يتصفحون الآن

بلومي يقود هال سيتي لنهائي الصعود إلى “البريميرليغ”

بلومي يقود هال سيتي لنهائي الصعود إلى “البريميرليغ”

سوناطراك في صلب الشراكة الطاقوية الجزائرية-الصومالية

سوناطراك في صلب الشراكة الطاقوية الجزائرية-الصومالية

شبيبة الساورة تتعادل أمام شباب بلوزداد وتحافظ على الوصافة

شبيبة الساورة تتعادل أمام شباب بلوزداد وتحافظ على الوصافة

رئيس الجمهورية يترأس اجتماع عمل حول التحضيرات الأخيرة للانتخابات التشريعية

رئيس الجمهورية يترأس اجتماع عمل حول التحضيرات الأخيرة للانتخابات التشريعية

توقعات الطقس

موجة حر على عدة ولايات من الوطن

قد يهمك أيضاً

في اليوم العالمي لحرية التعبير.. لماذا نقضت الزوايا غزل الصحافة من بعد قوة؟

في اليوم العالمي لحرية التعبير.. لماذا نقضت الزوايا غزل الصحافة من بعد قوة؟

3 مايو 2026
دماء الصحراء: هندسة حروب الساحل الإفريقي

دماء الصحراء: هندسة حروب الساحل الإفريقي

29 أبريل 2026
مالي

أزمة مالي الراهنة.. عندما تتقاطع العزلة الدبلوماسية مع التصعيد الميداني

27 أبريل 2026
مخيم الدّاخلة

مخيم الدّاخلة: رحلة في جغرافيا الصّبر ودفء الإنسان.

27 أبريل 2026
الجنوب الكبير ويب
  • من نحن
  • اتصل بنا
  • الإشهار
  • الفريق
  • الخصوصية

الجنوب الكبيــر ويب موقع إخباري ليومية الجنوب الكبير الجزائرية المستقلة التي تأسست في 12 نوفمبر 2019، ومديرها العام الإعلامي: جانتي محمود

حساباتنا على شبكات التواصل

جميع الحقوق محفوظة  | الجنوب الكبير ويب © 2026 

Welcome Back!

Sign in to your account

اسم المستخدم أو عنوان البريد الإلكتروني
كلمة المرور

هل نسيت كلمة المرور؟

من الحريقة إلى الحديقة: طقوس الفرح وإعادة بناء الذاكرة الجماعية

بصوتٍ جهوريٍّ حمله الحماس والإحساس الجماعي، قدّم الأستاذ علي بن صيفية افتتاح العرس الجماعي بحي الحديقة في مدينة متليلي الشعانبة بأسلوبٍ بليغ أضفى على اللحظة قيمة رمزية مضاعفة، مُعلنًا انطلاق مراسيم تتويج اثنين وثلاثين عريسًا. ولم تكن كلماته مجرد إعلان، بل أسهمت في شحن الفضاء العام بطاقة جماعية، وجعلت من لحظة الافتتاح جزءًا من التجربة الاجتماعية والاحتفالية نفسها.
د. خديجة بن الصديق · 11 أبريل 2026 - 11:37 تحديث: 11 أبريل 2026 - 11:46
من الحريقة إلى الحديقة: طقوس الفرح وإعادة بناء الذاكرة الجماعية

 من الحريقة إلى خلية نحل تؤسس لبناء مجتمع — التحول الرمزي والوظيفي للفضاء المحلي

لم يعد حي الحديقة في مدينة متليلي الشعانبة مجرد فضاء سكني يُختزل في تسميات محلية أو طبقات من الذاكرة الحضرية، بل أصبح مجالًا اجتماعيًا ديناميكيًا يُعيد إنتاج ذاته عبر الزمن، من خلال فعل جماعي منظم يُشبه في بنيته ووظائفه “خلية نحل” تعمل بصمت وتنتج فعلًا اجتماعيًا مركبًا. إن الانتقال الرمزي من “الحريقة” كاسمٍ يحيل إلى ذاكرة المكان والتحولات العمرانية والاجتماعية، إلى “الحديقة” كهوية حضرية واجتماعية جديدة، لا يُفهم فقط كتبدل في التسمية، بل كـ تحول أنثروبولوجي في تمثلات المكان، حيث يُعاد بناء العلاقة بين السكان والفضاء، وبين الذاكرة والانتماء، في إطار ما يمكن أن تسميه الأنثروبولوجيا الحضرية بـ إعادة ترميز المجال الاجتماعي (Re-symbolization of space).

وفي هذا السياق، يتجاوز العرس الجماعي في الحي وظيفته الاحتفالية التقليدية ليصبح بنية اجتماعية ممتدة في الزمن، تُدار عبر تخطيط جماعي يبدأ قبل سنة كاملة من لحظة التتويج، ويعتمد على توزيع غير رسمي للأدوار بين مختلف الفاعلين المحليين. فالإطارات المهنية، والكفاءات، والفاعلون الجمعويون، ورجال الدين، جميعهم يندمجون في شبكة تنظيمية مرنة تقوم على الثقة الاجتماعية، والتكافل، والعمل غير المُمأسس. ومن منظور سوسيولوجي جزائري، يمكن قراءة هذا النموذج في ضوء أعمال عبد القادر جغلول حول التنظيم الاجتماعي المحلي، حيث يُنظر إلى الجماعة المحلية باعتبارها وحدة إنتاج اجتماعي للتماسك، وليس مجرد تجمع سكاني. كما يلتقي هذا التحليل مع مقاربات عبد الله حمودي في فهم البنية الرمزية للسلطة والمعنى داخل المجتمعات المغاربية، حيث لا تنفصل الطقوس عن إنتاج الشرعية الاجتماعية.

أما أنثروبولوجيًا، فإن هذا النمط من التنظيم يعكس ما يشبه “الاقتصاد الأخلاقي المحلي” الذي تحدث عنه أحمد بن نبي في سياق الفكر الإصلاحي العربي، حيث تتداخل القيم (التضامن، السمعة، المكانة) مع الفعل الاجتماعي في إنتاج أشكال من التعاون المستدام.وبذلك، يصبح العرس الجماعي في حي الحديقة ليس مجرد مناسبة اجتماعية، بل نموذجًا لإعادة إنتاج المجتمع لنفسه من الداخل، عبر تعبئة رأسماله البشري والمعرفي، وتحويل الفضاء المحلي إلى مجال إنتاج اجتماعي متجدد، تتقاطع فيه الذاكرة، والهوية، والتنظيم، والمعنى.

 الفضاء الطقوسي وإعادة إنتاج المعنى — من الملعب إلى المجال الرمزي المتعدد

يشكّل الفضاء الذي يحتضن مراسيم العرس الجماعي في حي الحديقة بمدينة متليلي الشعانبة عنصرًا محوريًا في فهم البنية الطقوسية للحدث، إذ لا يُستعمل الملعب بوظيفته الرياضية الأصلية، بل يُعاد تشكيله كليًا عبر عملية تحويل رمزي وجمالي تجعله فضاءً احتفاليًا متعدد الدلالات.فمن منظور أنثروبولوجي، نحن أمام ما يمكن تسميته بـ “إعادة إنتاج الفضاء”، حيث يتحول المكان من بنية وظيفية محايدة إلى مجال مشحون بالرموز والمعاني. إذ يُعاد تزيين الملعب بالإنارة، والزرابي، والأعلام، والفراش، في عملية تطهير رمزي للفضاء تُخرجه من اليومي إلى الطقوسي، ومن العملي إلى الاحتفالي، بما يجعل الحضور يشعر بأنهم داخل “حدث” لا داخل “مكان”.

وفي هذا السياق، يتخذ الفضاء طابعًا مركبًا، إذ تتداخل فيه عدة طبقات رمزية:

  • الطبقة الجمالية: عبر الزينة والإنارة التي تُحوّل المكان إلى مشهد بصري احتفالي.
  • الطبقة الاجتماعية: من خلال تجمع العائلات والضيوف، وإعادة إنتاج الروابط الاجتماعية في شكل علني ومكثف.
  • الطبقة الرمزية/الوطنية: حيث يُعاد توظيف الفضاء للتعبير عن الانتماء الجمعي، كما يظهر في الرموز البصرية التي تمتد خارج الملعب نحو الجبل الذي رُسمت عليه خريطة غزة بالإنارة، وهو ما يُدخل البعد التضامني والرمزي العابر للمحلي في قلب الطقس.

كما أن حضور الفروسية (الفنتازيا) في مجرى الوادي، المعروف محليًا بـ“الشعبة”، يضيف بعدًا أنثروبولوجيًا مهمًا، حيث يُستعاد التراث الشفوي والحركي للمنطقة في شكل عروض رمزية تجمع بين البارود، والخيل، والإيقاع الجماعي. هذا التوظيف للعناصر التراثية يعكس ما تشير إليه الأنثروبولوجيا الثقافية العربية، خاصة لدى أحمد شارف وعبد الله العروي في تحليل حضور التراث كآلية لإعادة إنتاج الهوية في السياقات الحديثة.

ومن زاوية سوسيولوجية، يمكن قراءة هذا التعدد في الفضاءات (الملعب/الوادي/الجبل) باعتباره تفكيكًا للفضاء الواحد وإعادة تركيبه كفضاء طقوسي موسّع، حيث لا يعود الحدث محصورًا في نقطة واحدة، بل يصبح شبكة من الأمكنة المتصلة دلاليًا، تُنتج تجربة جماعية ممتدة.إن ما يميز هذا النموذج هو أن الفضاء لا يُستهلك فقط، بل يُعاد خلقه اجتماعيًا وجماليًا ورمزيًا، بحيث يصبح العرس الجماعي لحظة إنتاج مكثف للمعنى عبر المكان، وليس مجرد احتفال يُقام في مكان جاهز.

عدد الفاعلين وبناء الشرعية الاجتماعية — تداخل الدولة والدين والكفاءات المحلية

يبرز العرس الجماعي في حي الحديقة بمدينة متليلي الشعانبة كفضاء تتقاطع فيه مستويات متعددة من الفاعلين الاجتماعيين والرسميين، بما يحوله من مجرد مناسبة محلية إلى حدث ذي طابع شبه عمومي، تُعاد فيه صياغة معاني الشرعية الاجتماعية والانتماء الجماعي. فمن أبرز سمات هذا النموذج الاحتفالي الحضور المكثف لممثلي الدولة بمختلف مستوياتها، من السلطات الولائية وعلى رأسها الوالي، إلى المنتخبين المحليين رئيس البلدية إبراهيم بوعامر . تميّز الحفل أيضًا بحضور نائب رئيس المجلس الشعبي الوطني، السيد علي طرباقو، ابن حي الحديقة، الذي يُعدّ من أبرز الوجوه الداعمة والمرافقة لمختلف المبادرات الاجتماعية بالمنطقة، إلى جانب حضور الأجهزة الأمنية والعسكرية والإعلام. هنا تتحول المناسبة الاجتماعية إلى لحظة لتجسيد التقارب بين المجتمع ومؤسساته. في المقابل، لا يغيب البعد الديني عن هذا التشكيل، إذ يشارك الأئمة ووجهاء الدين في المراسيم، وعلى رأسهم الإمام مختار الرمة. هذا التنوع يمنح الحدث بعدًا شرعيًا ورمزيًا إضافيًا، ويؤكد أن العرس الجماعي لا يُفهم فقط كتنظيم اجتماعي، بل كمنظومة شرعية متعددة المستويات تتكامل فيها المرجعيات الدينية والاجتماعية والسياسية.

شهدت هذه الليلة حضور ضيف الشرف الدكتور توفيق مخزومي، المختص في التكنولوجيا الصناعية وتطوير الكفاءات البشرية، الذي قدّم مداخلة تناولت الأبعاد الإنسانية والاجتماعية للمعرفة، مع التركيز على قيمة الزواج والأسرة ودورهما في استقرار الفرد والمجتمع. كما قدّم الدكتور والأستاذ الجامعي لخضر بن قومار من جامعة غرداية مداخلة ذات طابع توعوي، ركّزت على أهمية الأسرة كخلية أساسية في بناء المجتمع، وعلى القيم الاجتماعية التي تؤسس للحياة المشتركة. وتتوزع القيادة داخل هذا الفعل الجماعي بين فاعلين متنوعين، من أبرزهم: الحاج حيجوج مهاية، الإمام عبد العزيز، رئيس جمعية التعاون طريح إبراهيم، وجمعيات أخرى ارتبطت بالحي،  إلى جانب شخصيات دينية و جمعوية  وتنظيمية ووجوه اجتماعية معروفة داخل الحي، وهو ما ينتج نموذجًا من القيادة التشاركية غير الرسمية القائمة على الثقة الاجتماعية أكثر من السلطة المؤسساتية. إن تداخل هذه الفواعل (الدولة، الدين، المعرفة، النخب المحلية، والمجتمع) يجعل من العرس الجماعي فضاءً لإنتاج شرعية اجتماعية مركبة، تُعاد فيه صياغة صورة الانسجام بين مختلف مكونات المجتمع. فبدل أن تكون هذه العناصر في حالة انفصال، نجدها تتقاطع داخل لحظة احتفالية واحدة تُظهر المجتمع في حالة توازن رمزي وتكامل وظيفي.وبذلك، لا يمكن فهم هذا الحدث بوصفه مجرد احتفال اجتماعي، بل كـ مسرح لإعادة إنتاج الشرعية الاجتماعية المحلية، حيث تُعرض علاقات الانتماء، والثقة، والتعاون، في صيغة جماعية تُعيد تثبيت مكانة الحي داخل محيطه الاجتماعي والمؤسساتي الأوسع.

يكشف العرس الجماعي في حي الحديقة بمدينة متليلي الشعانبة عن كونه أكثر من مجرد احتفال اجتماعي، بل تجربة لإعادة إنتاج المجتمع المحلي عبر رأسماله البشري وشبكاته التضامنية ورموزه الثقافية والدينية.فهو حدث لا يُفهم بمنطق اللحظة، بل بمنطق الاستمرارية الاجتماعية، حيث تتداخل الذاكرة بالممارسة، والتنظيم غير الرسمي بالتخطيط الجماعي، في نموذج يعكس قدرة الحي على تحويل موارده الداخلية إلى قوة إنتاج اجتماعي فعّالة.كما يُبرز العرس الجماعي كفضاء لإعادة صياغة العلاقة بين المجتمع والدولة، وبين المحلي والوطني، في لحظة احتفالية تُعيد إنتاج معنى الانتماء وتعزز التماسك الاجتماعي. وفي المحصلة، يتجلى هذا النموذج كآلية لإنتاج التضامن وإعادة تشكيل الهوية الجماعية، تُظهر أن المجتمعات المحلية قادرة على بناء مشاريعها الاجتماعية بنفسها، وتحويل الفرح إلى ممارسة لبناء المجتمع لا مجرد التعبير عنه.

أأ
فيسبوك إكس واتساب تيليجرام
أأ
فيسبوك إكس واتساب تيليجرام
تم نسخ الرابط ✓
لا يتوفر إصدار صوتي حالياً
أ أ
فيسبوك إكس واتساب تيليجرام
0:00 / 0:00
هذا الصوت مولد آلياً بالذكاء الاصطناعي، وقد يحتوي على أخطاء بالنطق