الجنوب الكبير ويب الجنوب الكبير ويب
  • الوطني
  • أخبار الجنوب
  • ملفات
  • رياضة
  • دولي
  • ثقافة
  • رأي
  • آخر الأخبارآخر الأخبار
  • الجنوب الكبير TVالجنوب الكبير TV
  • النسخة الرقميةالنسخة الرقمية
الجنوب الكبير ويبالجنوب الكبير ويب
  • الوطني
  • أخبار الجنوب
  • ملفات
  • رياضة
  • دولي
  • ثقافة
  • رأي

الفيديو

سجل القراءة

للقراءة لاحقًا

إليزي
41° 29°
8 كلم/سا
10 سبتمبر 2026 الخميس
الشروق 06:10
الغروب 18:36
الفجر 04:46
الظهر 12:23
العصر 15:54
المغرب 18:36
العشاء 19:52
يتبقى لصلاة
  • من نحــن
  • الإشهار
  • اتصل بنا
  • الفريق
انضم إلينا
أقلام

من الستر إلى الظهور.. تحولات القيم الجندرية في الفضاء الرقمي الجزائري

د. خديجة بن الصديق
آخر تحديث: 17 نوفمبر 2025
د. خديجة بن الصديق
 د. خديجة بن الصديق
دكتورة في علم الاجتماع الثقافي بجامعة غرداية، نالت درجة الدكتوراه في مارس 2024 عن أطروحة بعنوان "أساليب الحياة اليومية والقيم الاجتماعية"، ونشرت عدة مقالات علمية منها:...
الستر والظهور

في السنوات الأخيرة، انتشرت ظاهرة جديدة في المجتمع الجزائري، خصوصًا في المناطق الجنوبية، حيث بدأت بعض النساء والفتيات بنشر صور حفلات زفافهنّ أو مناسبات خاصة على صفحات فيسبوك وإنستغرام ذات متابعة واسعة. هذه الصور، التي تُظهر العروس أو المدعوات في كامل زينتهنّ، باتت جزءًا من مشهد رقمي يثير جدلاً بين من يراه تعبيرًا عن الحرية والاعتراف الاجتماعي، ومن يراه اختراقًا للحرمة وتفكيكًا لمنظومة القيم التقليدية. تبدو الظاهرة بسيطة على السطح، لكنها في عمقها مرآة لتحوّل رمزي كبير: كيف تغيّر معنى الستر؟ وكيف أعادت وسائل التواصل تعريف مفاهيم مثل الرجولة؛ الغيرة والحرمة؟

المحتويات
  • من الستر إلى العرض  بين الحياء التقليدي وثقافة الإشهار الذاتي
  • العرس كرمز اجتماعي: من الطقس الجمعي إلى المشهد الافتراضي
  • إعادة تعريف الأنوثة والرجولة في ظل الفضاء الرقمي
  • بين الاعتراف والانحراف الرمزي: قراءة نقدية في القيم الجندرية
  • خاتمة:

من الستر إلى العرض  بين الحياء التقليدي وثقافة الإشهار الذاتي

كانت المرأة المصونة عنوان شرف العائلة، ووجهها لا يُرى إلا في الفضاء الخاص. تلك كانت لغة الشرف الجماعي، حيث المرأة تمثل الحدّ الرمزي الذي لا يجوز تجاوزه. غير أن الفضاء الرقمي قلب المعادلة رأسًا على عقب. صارت الصورة – التي كانت تُخفى – عملة رمزية جديدة، تمنح من يعرضها رأس مالً اجتماعيً وشهرة رقمية. فالعروس التي تنشر صورها في “يومها الكبير” لا ترى نفسها خارقة لقيم الحياء، بل ترى أنها تُشارك فرحتها وتُثبت حضورها الرمزي في مجتمع افتراضي يقدّس الظهور حيث هنا يحدث التحوّل الخطير: من قيمة الحياء إلى قيمة الاعتراف ومن الستر كفضيلة، إلى العرض كآلية لإثبات الذات. هذه النزعة الجديدة – التي يمكن وصفها بـ ثقافة الإشهار الذاتي – لا تولد في فراغ، بل تغذيها المنصات نفسها.

خوارزميات اللايك والمتابعة والمشاركة تعمل كآليات رمزية تكافئ من يعرض أكثر، وتقصي من يختفي.

المرأة التي كانت تُكافأ مجتمعيًا على احتشامها، أصبحت اليوم تُكافأ رقمياً على جرأتها في الظهور.

في ظل هذه التحولات، تتآكل الحدود بين الحرام والمباح، والخاص والعام فالمنزل الذي كان فضاءً مغلقًا للأنوثة المحمية، صار استديو مفتوحًا تبث منه المرأة حضورها للعالم.

العرس كرمز اجتماعي: من الطقس الجمعي إلى المشهد الافتراضي

العرس في الثقافة الجزائرية ليس مجرد احتفال بزواج شخصين بل هو طقس جماعي للهوية، ومناسبة تُمارَس فيها قيم المجتمع وتُعاد إنتاج رموزه. في الجنوب الجزائري خصوصًا، يحمل العرس أبعادًا سوسيولوجية عميقة: هو لحظة اعتراف جماعي بالعروس كرمز للأنوثة الكاملة وللعائلة ككيان اجتماعي متماسك. كل تفاصيل العرس من اللباس التقليدي إلى الزغاريد، ومن الأهازيج إلى الموكب تشكّل لغة رمزية تعبّر عن الانتماء والاعتدال، عن الفخر والستر في آنٍ واحد. لكن حين تدخل الصورة الرقمية إلى الطقس، يتحول العرس من حدث اجتماعي مغلق إلى مشهد مفتوح على العالم. الكاميرا لم تعد مجرد أداة توثيق، بل أداة عرض. اللحظة التي كانت تُعاش ضمن جماعة محدودة، صارت تُبَثّ أمام جمهور مجهول، لا يعرف حدودًا للفضول ولا للخصوصية. وهكذا، تفقد الطقوس معناها الأصلي، وتتحوّل إلى استعراض للهوية أكثر من كونها تعبيرًا عنها. العروس التي كانت في الأمس “محميّة بالنظرة الاجتماعية”، تُقدَّم اليوم كصورة “مُعترف بها رقميًا”. حضورها لم يعد في القاعة فقط، بل على “الستوريات” والمنشورات، في مزيج غريب بين الفخر والجرأة، بين الحميمي والعام. هي لا تتزوج فقط، بل تُعلن زفافها للعالم. في المقابل، يجد الرجل نفسه أمام إعادة تعريف لموقعه الرمزي: هل يمنع؟ هل يشارك؟ هل يتغاضى؟ كل موقف من هذه المواقف يعيد تشكيل معنى “الرجولة” نفسها في المجتمع. فالرجل الذي يسمح بعرض زوجته أو أخته يُتَّهَم بأنه ضعيف أو ديّوث بينما الذي يمنع يُتَّهَم بأنه متسلّط وتقليدي بهذا المعنى، العرض الرقمي للعرس أصبح امتحانًا للقيم الجندرية في الجزائر المعاصرة. إنّ العرس، الذي كان رمزًا للانتماء، أصبح مساحة لتفكّك الرموز.من فضاءٍ يُؤكّد فيه المجتمع حضوره الجماعي، صار الفضاء الرقمي يُعيد إنتاج الفردانية والتمثيل الذاتي، في انقلاب صامت على بنية القيم التقليدية.

إعادة تعريف الأنوثة والرجولة في ظل الفضاء الرقمي

في الفضاء الرقمي الجزائري اليوم، يبدو أنّ مفاهيم الأنوثة والرجولة لم تعد ثابتة كما كانت في المخيال الاجتماعي التقليدي.فالأنوثة، التي كانت ترتكز على الحياء والستر والرمزية الأسرية، صارت تُعرَّف من جديد عبر الصورة الرقمية. المرأة اليوم لا تُقدَّر فقط بما تلتزم به من معايير الأخلاق، بل بما تُظهره للعالم من ذاتها — من ذوق، وجمال، وجرأة، وثقة. إنها أنوثة “ما بعد الحياء”، أنوثة مُعترف بها عبر “اللايك” أكثر مما يُعترف بها عبر الاحترام الاجتماعي. هذا التحول لم يأتِ من فراغ، بل من تحوّل في رأس المال الرمزي كما وصفه بورديو. في المجتمع التقليدي، كانت المرأة تملك رأس مالها الرمزي من سمعتها وحشمتها.

أما اليوم، فقد صار الاعتراف الرمزي يُمنح عبر الصورة والمنشور وعدد المتابعين.الأنوثة انتقلت من المجال الأخلاقي إلى المجال الجمالي–المرئي، حيث تُقاس القيمة بمؤشرات التفاعل لا بالسمعة. أما الرجولة، فهي الأخرى لم تسلم من هذا الزلزال الرمزي. الرجل الذي كان يُنظر إليه كـ “حامي الستر”، صار الآن محاصَرًا بين نموذجين متناقضين: الأول تقليدي يعتبر أن الغيرة والقيادة والحماية جزء من كينونة الرجولة،

والثاني حديث يرى أن الحرية الفردية للمرأة تقتضي انسحابه من موقع السيطرة.

وبين الاثنين، يولد نموذج ثالث مشوّش: رجل “مرتبك رمزيًا”، لا يعرف إن كان يُمارس سلطته أم يتخلى عنها. حين تُنشر صور النساء في حفلات الزفاف بملابس فاخرة وأجساد مكشوفة، لا تكون المسألة مجرد “خيار شخصي”، بل فعل رمزي يزعزع النظام الجندري القائم منذ قرون.يحدث ما يسميه بورديو بـ “العنف الرمزي”:أي إعادة ترتيب السلطة داخل العلاقة بين الرجل والمرأة، لكن هذه المرة ليس بالعنف المادي، بل بالعرض الرقمي الذي يجرّد الرجل من سلطته المعنوية القديمة، ويُعيد رسم ملامح القوة الاجتماعية.الرجولة هنا لم تختفِ، لكنها فقدت لغتها القديمة. لم تعد تُقاس بالمنع، بل بالصمت.

ولم تعد تُمارس بالحضور المادي، بل بالتغاضي الرقمي. إنها رجولة زمن الشاشة، حيث الغيرة تُستبدل بالـ”بلوك”،والستر يُستبدل بـ”إخفاء القصة”.

بين الاعتراف والانحراف الرمزي: قراءة نقدية في القيم الجندرية

حين تُقدّم المرأة نفسها للعالم من خلال الصورة المتبرجة في مناسبة خاصة، لا يمكن النظر إلى ذلك كـ “تحرر بسيط” أو “حق فردي في التعبير”، لأن الفعل يجري داخل نظام رمزي جماعي لا يخصّ الفرد وحده، بل يحمل أثره في النسيج الاجتماعي كله. الفضاء الرقمي، بدل أن يكون ساحة للتعبير، صار أحيانًا مسرحًا للانكشاف، تُختزل فيه الذات الأنثوية إلى مظهر وجسد وزينة، ويُعاد تعريف الأنوثة على نحوٍ سطحي ومؤقت. في هذا السياق، لا يمكن اعتبار الظاهرة عنفًا رمزيًا تمارسه البنى الاجتماعية على النساء، بل تحولًا قيميًا منحرفًا عن المعايير الأخلاقية التي كانت تضبط العلاقة بين المرأة وجسدها والمجتمع.

فما يُسمّى اليوم بـ”حرية الظهور” قد يكون في جوهره فقدانًا للمعنى العميق للحرمة والحياء، أي تخلّيًا عن رموز الحماية الاجتماعية التي كانت تصون المرأة من التشييء والاستهلاك البصري. من جهة أخرى، لا يمكن تبرئة الرجل من هذا التحول، لأن غيابه عن الفعل التوجيهي أو القيادي، بحجة “التحرر” أو “الاحترام”، أسهم في إضعاف منظومة الرجولة كقيمة ضبط اجتماعي.

الرجولة ليست تسلّطًا، ولكنها أيضًا ليست حيادًا.وحين يتخلى الرجل عن دوره كحامٍ للمعنى، يترك الفراغ مفتوحًا أمام فوضى الرموز، فتختلط الحرية بالابتذال، والظهور بالتعرّي الرمزي.إنّ ما نراه اليوم ليس فقط إعادة تعريف للأنوثة، بل تفكك لنظام الحشمة كإطار مرجعي، وتحوّل الحياء إلى “خيار شخصي” بعدما كان “قيمة جمعية”..

خاتمة:

إن ما يجري في الفضاء الرقمي الجزائري اليوم ليس مجرّد تحوّل في السلوكيات الفردية، بل تبدّل في منطق المعنى نفسه.من “الستر” كقيمة تحفظ الإنسان من الانكشاف، إلى “الظهور” كقيمة تمنحه الاعتراف، انقلبت المعايير رأسًا على عقب.صار الجسد هو اللغة، والصورة هي الدليل، والفرجة هي الاعتراف.

غير أنّ هذا الاعتراف السريع لا يهب كرامة، بل يسلبها في صمتٍ أنيق.لقد خرجت القيم الجندرية من عباءتها القديمة، ولكنها لم تدخل بعد في نظامٍ بديل متوازن.فالمجتمع، وهو يواكب هذا التحول، يقف اليوم بين حنينٍ إلى الماضي وارتباكٍ في الحاضر.نساءٌ يطالبن بالظهور بوصفه تحرّرًا، ورجالٌ يتأرجحون بين الغيرة واللامبالاة، وجمهورٌ رقميٌّ يتغذى على الصورة دون أن يسأل عن الثمن الرمزي المدفوع.

حين يصبح الجسد مادة استهلاك عام، وتتحول الحفلات الخاصة إلى نشرٍ جماهيري، فإننا لا نعيش فقط أزمة أخلاق، بل أزمة معنى — معنى الخصوصية، ومعنى الحياء، ومعنى الرجولة والأنوثة في مجتمعٍ كان يفاخر دومًا بتوازنه الرمزي.

رابط دائم: eldjanoubelkabir.dz/6ozf

زوارنا يتصفحون الآن

BNA

البنك” BNA” يوضح حقيقة عرض «المرابحة للسيارات»

جانت : إعلان هام لفائدة الرعايا الأجانب

جانت : إعلان هام لفائدة الرعايا الأجانب

"المادة 200 " .. على طاولة النقاش

“المادة 200 ” .. على طاولة النقاش

شباب بني ثور يواصل تحضيراته بالعاصمة وريغي يواصل التهديف

شباب بني ثور يواصل تحضيراته بالعاصمة وريغي يواصل التهديف

إليزي: إطلاق مشروع لتحديث 20 كلم من الطريق الولائي رقم 5

إليزي: إطلاق مشروع لتحديث 20 كلم من الطريق الولائي رقم 5

قد يهمك أيضاً

وادي جرات

وادي جرات… حين تتحول ذاكرة الصخر إلى وجهة سياحية عالمية‬

16 أغسطس 2026
اتفاق الشراكة بين الجزائر والاتحاد الأوروبي... هل آن أوان إعادة التوازن؟

اتفاق الشراكة بين الجزائر والاتحاد الأوروبي… هل آن أوان إعادة التوازن؟

6 أغسطس 2026
بين السؤال والتساؤل... كيف يبدأ الفكر وأين ينتهي؟

بين السؤال والتساؤل… كيف يبدأ الفكر وأين ينتهي؟

6 أغسطس 2026
في اليوم العالمي لحرية التعبير.. لماذا نقضت الزوايا غزل الصحافة من بعد قوة؟

في اليوم العالمي لحرية التعبير.. لماذا نقضت الزوايا غزل الصحافة من بعد قوة؟

3 مايو 2026
الجنوب الكبير ويب
  • من نحن
  • اتصل بنا
  • الإشهار
  • الفريق
  • الخصوصية

الجنوب الكبيــر ويب موقع إخباري ليومية الجنوب الكبير الجزائرية المستقلة التي تأسست في 12 نوفمبر 2019، ومديرها العام الإعلامي: جانتي محمود

حساباتنا على شبكات التواصل

جميع الحقوق محفوظة  | الجنوب الكبير ويب © 2026 

عاجل

الجزائر تقرر قطع علاقاتها الدبلوماسية مع الإمارات

Welcome Back!

Sign in to your account

اسم المستخدم أو عنوان البريد الإلكتروني
كلمة المرور

هل نسيت كلمة المرور؟

من الستر إلى الظهور.. تحولات القيم الجندرية في الفضاء الرقمي الجزائري

في السنوات الأخيرة، انتشرت ظاهرة جديدة في المجتمع الجزائري، خصوصًا في المناطق الجنوبية، حيث بدأت بعض النساء والفتيات بنشر صور حفلات زفافهنّ أو مناسبات خاصة على صفحات فيسبوك وإنستغرام ذات متابعة واسعة. هذه الصور، التي تُظهر العروس أو المدعوات في كامل زينتهنّ، باتت جزءًا من مشهد رقمي يثير جدلاً بين من يراه تعبيرًا عن الحرية والاعتراف الاجتماعي، ومن يراه اختراقًا للحرمة وتفكيكًا لمنظومة القيم التقليدية. تبدو الظاهرة بسيطة على السطح، لكنها في عمقها مرآة لتحوّل رمزي كبير: كيف تغيّر معنى الستر؟ وكيف أعادت وسائل التواصل تعريف مفاهيم مثل الرجولة؛ الغيرة والحرمة؟
د. خديجة بن الصديق · 17 نوفمبر 2025 - 09:10
من الستر إلى الظهور.. تحولات القيم الجندرية في الفضاء الرقمي الجزائري
المحتويات
  • من الستر إلى العرض  بين الحياء التقليدي وثقافة الإشهار الذاتي
  • العرس كرمز اجتماعي: من الطقس الجمعي إلى المشهد الافتراضي
  • إعادة تعريف الأنوثة والرجولة في ظل الفضاء الرقمي
  • بين الاعتراف والانحراف الرمزي: قراءة نقدية في القيم الجندرية
  • خاتمة:

من الستر إلى العرض  بين الحياء التقليدي وثقافة الإشهار الذاتي

كانت المرأة المصونة عنوان شرف العائلة، ووجهها لا يُرى إلا في الفضاء الخاص. تلك كانت لغة الشرف الجماعي، حيث المرأة تمثل الحدّ الرمزي الذي لا يجوز تجاوزه. غير أن الفضاء الرقمي قلب المعادلة رأسًا على عقب. صارت الصورة – التي كانت تُخفى – عملة رمزية جديدة، تمنح من يعرضها رأس مالً اجتماعيً وشهرة رقمية. فالعروس التي تنشر صورها في “يومها الكبير” لا ترى نفسها خارقة لقيم الحياء، بل ترى أنها تُشارك فرحتها وتُثبت حضورها الرمزي في مجتمع افتراضي يقدّس الظهور حيث هنا يحدث التحوّل الخطير: من قيمة الحياء إلى قيمة الاعتراف ومن الستر كفضيلة، إلى العرض كآلية لإثبات الذات. هذه النزعة الجديدة – التي يمكن وصفها بـ ثقافة الإشهار الذاتي – لا تولد في فراغ، بل تغذيها المنصات نفسها.

خوارزميات اللايك والمتابعة والمشاركة تعمل كآليات رمزية تكافئ من يعرض أكثر، وتقصي من يختفي.

المرأة التي كانت تُكافأ مجتمعيًا على احتشامها، أصبحت اليوم تُكافأ رقمياً على جرأتها في الظهور.

في ظل هذه التحولات، تتآكل الحدود بين الحرام والمباح، والخاص والعام فالمنزل الذي كان فضاءً مغلقًا للأنوثة المحمية، صار استديو مفتوحًا تبث منه المرأة حضورها للعالم.

العرس كرمز اجتماعي: من الطقس الجمعي إلى المشهد الافتراضي

العرس في الثقافة الجزائرية ليس مجرد احتفال بزواج شخصين بل هو طقس جماعي للهوية، ومناسبة تُمارَس فيها قيم المجتمع وتُعاد إنتاج رموزه. في الجنوب الجزائري خصوصًا، يحمل العرس أبعادًا سوسيولوجية عميقة: هو لحظة اعتراف جماعي بالعروس كرمز للأنوثة الكاملة وللعائلة ككيان اجتماعي متماسك. كل تفاصيل العرس من اللباس التقليدي إلى الزغاريد، ومن الأهازيج إلى الموكب تشكّل لغة رمزية تعبّر عن الانتماء والاعتدال، عن الفخر والستر في آنٍ واحد. لكن حين تدخل الصورة الرقمية إلى الطقس، يتحول العرس من حدث اجتماعي مغلق إلى مشهد مفتوح على العالم. الكاميرا لم تعد مجرد أداة توثيق، بل أداة عرض. اللحظة التي كانت تُعاش ضمن جماعة محدودة، صارت تُبَثّ أمام جمهور مجهول، لا يعرف حدودًا للفضول ولا للخصوصية. وهكذا، تفقد الطقوس معناها الأصلي، وتتحوّل إلى استعراض للهوية أكثر من كونها تعبيرًا عنها. العروس التي كانت في الأمس “محميّة بالنظرة الاجتماعية”، تُقدَّم اليوم كصورة “مُعترف بها رقميًا”. حضورها لم يعد في القاعة فقط، بل على “الستوريات” والمنشورات، في مزيج غريب بين الفخر والجرأة، بين الحميمي والعام. هي لا تتزوج فقط، بل تُعلن زفافها للعالم. في المقابل، يجد الرجل نفسه أمام إعادة تعريف لموقعه الرمزي: هل يمنع؟ هل يشارك؟ هل يتغاضى؟ كل موقف من هذه المواقف يعيد تشكيل معنى “الرجولة” نفسها في المجتمع. فالرجل الذي يسمح بعرض زوجته أو أخته يُتَّهَم بأنه ضعيف أو ديّوث بينما الذي يمنع يُتَّهَم بأنه متسلّط وتقليدي بهذا المعنى، العرض الرقمي للعرس أصبح امتحانًا للقيم الجندرية في الجزائر المعاصرة. إنّ العرس، الذي كان رمزًا للانتماء، أصبح مساحة لتفكّك الرموز.من فضاءٍ يُؤكّد فيه المجتمع حضوره الجماعي، صار الفضاء الرقمي يُعيد إنتاج الفردانية والتمثيل الذاتي، في انقلاب صامت على بنية القيم التقليدية.

إعادة تعريف الأنوثة والرجولة في ظل الفضاء الرقمي

في الفضاء الرقمي الجزائري اليوم، يبدو أنّ مفاهيم الأنوثة والرجولة لم تعد ثابتة كما كانت في المخيال الاجتماعي التقليدي.فالأنوثة، التي كانت ترتكز على الحياء والستر والرمزية الأسرية، صارت تُعرَّف من جديد عبر الصورة الرقمية. المرأة اليوم لا تُقدَّر فقط بما تلتزم به من معايير الأخلاق، بل بما تُظهره للعالم من ذاتها — من ذوق، وجمال، وجرأة، وثقة. إنها أنوثة “ما بعد الحياء”، أنوثة مُعترف بها عبر “اللايك” أكثر مما يُعترف بها عبر الاحترام الاجتماعي. هذا التحول لم يأتِ من فراغ، بل من تحوّل في رأس المال الرمزي كما وصفه بورديو. في المجتمع التقليدي، كانت المرأة تملك رأس مالها الرمزي من سمعتها وحشمتها.

أما اليوم، فقد صار الاعتراف الرمزي يُمنح عبر الصورة والمنشور وعدد المتابعين.الأنوثة انتقلت من المجال الأخلاقي إلى المجال الجمالي–المرئي، حيث تُقاس القيمة بمؤشرات التفاعل لا بالسمعة. أما الرجولة، فهي الأخرى لم تسلم من هذا الزلزال الرمزي. الرجل الذي كان يُنظر إليه كـ “حامي الستر”، صار الآن محاصَرًا بين نموذجين متناقضين: الأول تقليدي يعتبر أن الغيرة والقيادة والحماية جزء من كينونة الرجولة،

والثاني حديث يرى أن الحرية الفردية للمرأة تقتضي انسحابه من موقع السيطرة.

وبين الاثنين، يولد نموذج ثالث مشوّش: رجل “مرتبك رمزيًا”، لا يعرف إن كان يُمارس سلطته أم يتخلى عنها. حين تُنشر صور النساء في حفلات الزفاف بملابس فاخرة وأجساد مكشوفة، لا تكون المسألة مجرد “خيار شخصي”، بل فعل رمزي يزعزع النظام الجندري القائم منذ قرون.يحدث ما يسميه بورديو بـ “العنف الرمزي”:أي إعادة ترتيب السلطة داخل العلاقة بين الرجل والمرأة، لكن هذه المرة ليس بالعنف المادي، بل بالعرض الرقمي الذي يجرّد الرجل من سلطته المعنوية القديمة، ويُعيد رسم ملامح القوة الاجتماعية.الرجولة هنا لم تختفِ، لكنها فقدت لغتها القديمة. لم تعد تُقاس بالمنع، بل بالصمت.

ولم تعد تُمارس بالحضور المادي، بل بالتغاضي الرقمي. إنها رجولة زمن الشاشة، حيث الغيرة تُستبدل بالـ”بلوك”،والستر يُستبدل بـ”إخفاء القصة”.

بين الاعتراف والانحراف الرمزي: قراءة نقدية في القيم الجندرية

حين تُقدّم المرأة نفسها للعالم من خلال الصورة المتبرجة في مناسبة خاصة، لا يمكن النظر إلى ذلك كـ “تحرر بسيط” أو “حق فردي في التعبير”، لأن الفعل يجري داخل نظام رمزي جماعي لا يخصّ الفرد وحده، بل يحمل أثره في النسيج الاجتماعي كله. الفضاء الرقمي، بدل أن يكون ساحة للتعبير، صار أحيانًا مسرحًا للانكشاف، تُختزل فيه الذات الأنثوية إلى مظهر وجسد وزينة، ويُعاد تعريف الأنوثة على نحوٍ سطحي ومؤقت. في هذا السياق، لا يمكن اعتبار الظاهرة عنفًا رمزيًا تمارسه البنى الاجتماعية على النساء، بل تحولًا قيميًا منحرفًا عن المعايير الأخلاقية التي كانت تضبط العلاقة بين المرأة وجسدها والمجتمع.

فما يُسمّى اليوم بـ”حرية الظهور” قد يكون في جوهره فقدانًا للمعنى العميق للحرمة والحياء، أي تخلّيًا عن رموز الحماية الاجتماعية التي كانت تصون المرأة من التشييء والاستهلاك البصري. من جهة أخرى، لا يمكن تبرئة الرجل من هذا التحول، لأن غيابه عن الفعل التوجيهي أو القيادي، بحجة “التحرر” أو “الاحترام”، أسهم في إضعاف منظومة الرجولة كقيمة ضبط اجتماعي.

الرجولة ليست تسلّطًا، ولكنها أيضًا ليست حيادًا.وحين يتخلى الرجل عن دوره كحامٍ للمعنى، يترك الفراغ مفتوحًا أمام فوضى الرموز، فتختلط الحرية بالابتذال، والظهور بالتعرّي الرمزي.إنّ ما نراه اليوم ليس فقط إعادة تعريف للأنوثة، بل تفكك لنظام الحشمة كإطار مرجعي، وتحوّل الحياء إلى “خيار شخصي” بعدما كان “قيمة جمعية”..

خاتمة:

إن ما يجري في الفضاء الرقمي الجزائري اليوم ليس مجرّد تحوّل في السلوكيات الفردية، بل تبدّل في منطق المعنى نفسه.من “الستر” كقيمة تحفظ الإنسان من الانكشاف، إلى “الظهور” كقيمة تمنحه الاعتراف، انقلبت المعايير رأسًا على عقب.صار الجسد هو اللغة، والصورة هي الدليل، والفرجة هي الاعتراف.

غير أنّ هذا الاعتراف السريع لا يهب كرامة، بل يسلبها في صمتٍ أنيق.لقد خرجت القيم الجندرية من عباءتها القديمة، ولكنها لم تدخل بعد في نظامٍ بديل متوازن.فالمجتمع، وهو يواكب هذا التحول، يقف اليوم بين حنينٍ إلى الماضي وارتباكٍ في الحاضر.نساءٌ يطالبن بالظهور بوصفه تحرّرًا، ورجالٌ يتأرجحون بين الغيرة واللامبالاة، وجمهورٌ رقميٌّ يتغذى على الصورة دون أن يسأل عن الثمن الرمزي المدفوع.

حين يصبح الجسد مادة استهلاك عام، وتتحول الحفلات الخاصة إلى نشرٍ جماهيري، فإننا لا نعيش فقط أزمة أخلاق، بل أزمة معنى — معنى الخصوصية، ومعنى الحياء، ومعنى الرجولة والأنوثة في مجتمعٍ كان يفاخر دومًا بتوازنه الرمزي.

أأ
فيسبوك إكس واتساب تيليجرام
أأ
فيسبوك إكس واتساب تيليجرام
تم نسخ الرابط ✓
لا يتوفر إصدار صوتي حالياً
أ أ
فيسبوك إكس واتساب تيليجرام
0:00 / 0:00
هذا الصوت مولد آلياً بالذكاء الاصطناعي، وقد يحتوي على أخطاء بالنطق