ليسانس، ماستر، مهندس دولة، أستاذ، دكتور ..
هي تقريبا أسماء الشهادات التي تمنحها الجامعة الجزائرية والمعاهد للخريجين من الطلبة، الذين أمضوا قرابة 17 سنة على مقاعد الدراسة.
وقد كان لي صديق أيام الدراسة الجامعية من منطقة القبائل، وكان يعشق المراكز الأولى، فأجده على الدوام يمتطي أحصنة المواد الدراسية، وحين أسأله لماذا يحب الإلمام بكل مادة، فيجيبني: إنك “مهندس” يا عبد الرحمن، لا ينبغي أن يكون مستواك مستوى طالب في ثانوي .
إن تخريج الجامعة لمهندس، يعني أنها جهزت شخصية، بإمكانها الإجابة عن الأسئلة وحل المشكلات، شخصية لا تكتفي بمعرفة اسم المعدات، بل تفهم كيفية عملها وإصلاح أعطالها.
وصراحة، كنت وقتها أرى في كلماته بعض المبالغة، وأعزُبها لحبه الشديد للتفوق، وبأنه ليس هذا هو الأمر الطبيعي، بل ما أنا عليه من قاعدة الرضا بالقليل، والرغبة في تجاوز الامتحان وكفى، أو كما نقوله بلغة الجامعة (الحصول على علامة البار BAR) كان هو الأمر الطبيعي.
حتى دخلت مضمار العمل، وشعرت في لحظة معينة، ما تنتظره البلاد من مواطنيها، والمؤسسات من عمالها المحليين، خاصة بعدما رأيت استيراد بلدي لمهندسين ووعمال من بلدان أجنبية، فأدركت أن هذا المستوى الذي أنا عليه، لا يرقي أبدا للمستوى المطلوب، ولا يعكس إطلاقا لقب شهادتي (مهندس دولة)، وهذا ليس بسبب نقص في العمل التطبيقي، بل لخواء حتى في الجانب النظري.
إنك لن تكون مطالبا في العمل أن تكون عبقري الشـركة، بل فقط أن تكون على قدر الشهادة التي تحملها، وأن تكون أهلا لمُسماك الوظيفي.
من جانب آخر،وهو الجانب النظري، لاحظت عدم تذكري للمواد الدراسية ومحتواها، بدءً من دروس الابتدائي إلى محاضرات الجامعة، وكأن كل معلومة كانت تغادر ذاكرتي بعد تجاوز امتحانها تاركة المجال لمعلومات الامتحان القادم.
أليست مشكلة كبيرة أن يضطر خريج الجامعة، لمراجعة وإعادة دراسة مواد المرحلة الابتدائية، ليتمكن من حل تمرين الرياضيات والفيزياء والكيمياء لابنه أو أخيه الأصغر؟ فماذا يحمل إذن لقب المهندس؟ هل كان اللقلب مجرد شهادة دون مهارة، وعنوانا دون محتوى؟
إن السبب هو غياب الشعور بالمسؤولية تجاه جهد الأهل والأستاذ، وما ينتظره الوطن وترجوه الأمة، إنها الرغبة في العبور، بدلا من الرغبة في التزود، ومرد هذا هو قلة وعي بأن كل لقب، هو أمانة سنُسأل عنها.
عزيزي، الدكتور والمهندس والماستر والتقني السامي، إن الحياة والشـركات بل وحتى الناس، لا يحترمون ألقابنا بقدر ما يحترمون مهاراتنا، ألا تسمعهم يدندنون دوما (أعطني فاهم حتى وإن لم يقرأ)؟ من أين جاء هذا المثل لولا وجود من يحمل الشهادة ولا يحمل علومها؟
إن هذه ليست دعوة لتكون عبقري الزمان، بل هي دعوة لاحترام لقب الشهادة الذي ستذكره قبل اسمك، هي دعوة لإعطاء المسار الدراسي حقه من المذاكرة والاتقان والتثبيت، هي دعوة لأن تُشبع تلك الرتبة الأكاديمية بتقنياتها، وتؤسسها على أركانها الصلبة، حتى تكون شهادتك إنجاز حقيقيا، وليس مجرد عبور دون زاد.

