في اتساع الصحراء، حيث يتنفس الرمل حكايته بصمت، وتنساب الشمس على الكثبان بهدوء، تولد المرأة الصحراوية ككائن من نورٍ وظلّ، لا تصرخ كثيراً، لكنها تترك أثرها على الرمل، في صورة، أو رقصة، أو حكاية تُروى على خشبة المسرح. ليست مجرد حضور جمالي، بل طاقة إبداعية تمشي على الرمال، تكتب بيديها معنى الصمود، وتؤكد أن الفن ليس ترفاً، بل طريقة للعيش والنجاة.
في هذا المقال نرافق ثلاث تجارب فنية لنساء من الجنوب الجزائري، جمعتهنّ تظاهرة واحدة هي المهرجان الوطني للمرأة الصحراوية: الممثلة المسرحية باعلي وهيبة من تمنراست، والمصوّرة الفوتوغرافية مريم وني من إنغر بعين صالح، والناشطة الجمعوية عفيفة بن جعوان من تيميمون. ثلاث نساء جعلْن من الصحراء فضاءً للفنّ والحرية، ومن الإبداع وسيلة للبوح والتغيير.
باعلي وهيبة.. المسرح مرآة الروح الصحراوية

من رمال تمنراست إلى خشبة المهرجان الوطني للمرأة الصحراوية، حضرت وهيبة لتقدّم عرض المونودرام “نُوّارة” من إخراج عزوز عبد القادر وتأليف عبد الهادي دحدوح، وهو عمل حصد جوائز وطنية ودولية. تقول وهيبة في حديثها لـالجنوب الكبير إن مشاركتها “ليست حدثاً عادياً، بل مساحة للتعارف بين نساء الجنوب المبدعات في المسرح والفن التشكيلي والحكاية الشعبية والموسيقى والحرف التقليدية. المهرجان أكثر من تظاهرة، هو بيت كبير للفن الصحراوي”.
وترى أن المسرح عندها ليس مجرد حوار مكتوب، بل لوحة حيّة تُجسَّد فيها لغة الصحراء، حيث تظهر الهوية في اللغة التي تمزج بين الأمازيغية والعربية الدارجة، وفي الرقصات والحركات المستوحاة من إيقاعات الرمال وطقوس الحياة اليومية، إلى جانب الأزياء التقليدية والإكسسوارات مثل الملحفة والمهراس وأدوات الزينة، والموسيقى التي ترافقها أصوات القمبري والتيندي والتزامارت ونغمات الشلالي والأمزاد.
بدأت وهيبة رحلتها المسرحية عام 2005 ضمن فرقة “صرخة الركح”، وقدّمت أول عروضها في “اليوم العالمي للمسرح”. وتقول: “دعم العائلة والجيران والجمهور كان وقودي الأول. البداية كانت متعبة، لكنها الخطوة التي قادتني من محليّة تمنراست إلى فضاء وطني واسع”.
وترسل وهيبة رسالة لكل فتاة من الجنوب الجزائري قائلة: “لا تتراجعي أمام الخوف، وابدئي وتعلّمي واستمرّي. الفن هو شكل من أشكال الحرية، والإبداع ليس ما يُعرض فقط، بل ما يترك أثرًا في الوعي والروح.”
مريم وني.. عدسة تتنفس ضوء الصحراء

وُلدت مريم وني سنة 1994 في دائرة إنغر بعين صالح. بعد تعثر دراسي، اكتشفت أن قلبها يجد نفسه خلف العدسة. لم تنتظر كاميرا احترافية، فهاتفها كان البداية التي اقتحمت بها عالم الصورة، قبل أن تقتني كاميرتها الأولى من مدخراتها الخاصة.
تقول مريم لـالجنوب الكبير: “التصوير كان لغتي الجميلة التي خاطبت بها العالم… حكيت بالصورة عن الغروب، الشوارع، الوجوه الصحراوية، والعادات التي لا تعرفها المدن.”
وترى أن المرأة الصحراوية قد تُقيّدها العادات، لكنها في جوهرها حرة مثل الريح، وفنّها محاولة لتحقيق هذه الحرية. “أنا أوثق بالصورة تفاصيل المرأة في الفرح، التعب، الانتظار، والمقاومة. الصورة تعالج الروح كما يعالج التمريض الجسد، فأنا ممرضة ومصوّرة، لكن كلا المهنَتين تشفيان بطريقتهما.”
ورغم أن التصوير الفوتوغرافي لا يزال على الهامش مقارنة بالمسرح والموسيقى، تؤمن مريم بأنه قادر على تغيير الصورة النمطية عن الجنوب. “رغم الصعوبات واعتراض بعض الناس في الشارع، فإن الجوائز التي نلتها منحتني يقيناً بأن الضوء لا يُهزم.”
وتختم مريم برسالة إلى فتيات الجنوب: “لا تسمحي للخوف أن يصادر صوتكِ، مارسي الفن، حتى لو كان هاتفك فقط هو البداية. الصورة يمكن أن تغيّر نظرة العالم لنا.”
عفيفة بن جعوان: من قورارة.. صوت للهوية والإبداع

تقول عفيفة بن جعوان، الشابة القادمة من ولاية تيميمون، إنها ناشطة جمعوية مهتمة بإبراز التراث الجنوبي والتعريف بإبداعات المرأة القورارية، خاصة في المجال السمعي البصري. وتضيف: “تمثل هذه المشاركة فرصة لإيصال صوت المرأة الجنوبية وإبراز ما تزخر به من أصالة وإبداع. هي مناسبة لكسر الصور النمطية وإثبات أن المرأة الجنوبية قادرة على التميز أينما وجدت.”
تؤكد عفيفة أن التفاعل خلال المهرجان كان رائعاً، والجمهور تجاوب بشكل كبير، خصوصاً مع العروض المستلهمة من التراث المحلي. “كل مشاركة وجدت مساحتها للتعبير والتألق، وهذا راجع للتنظيم الجيد وروح الدعم التي سادت بين المشاركين.”
وترى أن المهرجان سلّط الضوء أكثر على تنوع الإبداعات النسوية في الجنوب، غير أنها تشير إلى التحديات التي تواجه المرأة المبدعة، والمتمثلة في “قلة الدعم المؤسساتي، وضعف التكوين والتأطير في بعض المجالات، إضافة إلى محدودية الفضاءات الثقافية.”
أما عن الأولويات، فتقول: “كلها مهمة لكنها مترابطة، غير أن التكوين والإعلام يبقيان الأساس، لأن التكوين يمنح المبدعة أدوات التطور، والإعلام يمنحها المنبر الذي تستحقه لتُسمع وتُرى.”
وتختتم حديثها برسالة مؤثرة: “من هذا المنبر أوجّه تحية لكل امرأة من التراب الوطني، خاصة المرأة الجنوبية. آمني بقدرتك على التغيير والإبداع، وواصلي المسير بثقة، لأن صوتكِ وإبداعكِ جزء من هوية هذا الوطن، وكل خطوة تخطينها هي إضاءة جديدة في درب الأصالة والجمال.”
بين عدسة مريم وخشبة وهيبة وصوت عفيفة، تمتد الصحراء كخيط نور واحد. ثلاث نساء جسّدن أن الفن ليس ترفاً، بل هوية وحرية وذاكرة تُروى بلغة الضوء والحركة والصوت. المرأة الصحراوية اليوم لا تكتفي بأن تكون رمزاً، بل صانعة للمعنى وجسرًا بين التراث والحداثة، بين الصمت والبوح، بين الرمل والنور.
مديحة زيزاي
