لقد شهدت العقود الثلاثة الأولى من القرن العشرين، ظهور عدد كبير من الجرائد في الجزائر، التي شكلت الخطوات الأولى لبناء التجربة الإعلامية الوطنية، والملفت في هذه المرحلة أن شيوخ الزوايا كانوا السباقين إلى تأسيس الجرائد والمنتبهين لقوة الإعلام والاتصال، والمقدمون على إنشاء المؤسسات الصحفية، فكانوا الممارسين الأوائل للعمل الإعلامي ومن المؤسسين الرواد له، مما يكشف عن حقيقة تاريخية ناصعة تقول أن شيوخ الزوايا كانوا من المؤسسين للتجربة الإعلامية الجزائرية.
الإدارك الذكي
يمكن فهم طبيعة الخطاب الإعلامي لتجربة شيوخ الزوايا في الممارسة الصحفية من خلال تعبير هذا التيار في تعريفه للهدف من الممارسة الإعلامية، (إن القصد من تأسيس المدارس والصحف، هو محاربة الجهل وبث العلم في صدور فلذات أكبادنا، ليكونوا في مأمن من السموم التي ما انفك الخصوم ينفثونها في قلوب الناشئة)، فالجهد التعليمي والوسع التهذيبي للأجيال، باعتباره وسيلة مقاومة ضد المشاريع التدميرية الاستعمارية لا يمكن توقع نجاحه، إلا إذا رافقته تلك الوسائل المستجدة في حياة الناس، وبالذات وسائل الإعلام التي يستخدمها الاستعمار الفرنسي في ممارسة البطش والتدمير الاستعماري للشعب الجزائري.
وهنا نجد أنفسنا أمام صورة مغايرة عن تلك الصورة النمطية المروجة عن شيوخ الزوايا (ميزة الدروشة التي ألحقت زورا بشيوخ الزوايا)، فشيوخ الزوايا في العقود الثلاثة من بداية القرن العشرين أسسوا الجرائد الآتية (جريدة كوكب إفريقيا، وجريدة لسان الدين، وجريدة البلاغ الجزائري، وجريدة الإخلاص، وجريدة المعيار، وجريدة الرشاد)، وجرائد أخرى، مما يؤكد أنهم كانوا على درجة عالية من الوعي النوعي والإدراك الذكي، عندما تفطنوا إلى الأهمية البالغة التي تشكلها وسائل الإعلام، وأدركوا الخطوة الكبيرة الناتجة من استعمال الاستعمار الفرنسي لها باعتبار وسائل الإعلام وسيلة حرب تضاف إلى بقية وسائل الحروب الأخرى، وإضافة المزيد من الاستغلال والتدمير للشعب الجزائري.
فشيوخ الزوايا لم يكونوا أهل (دروشة، كما يروج عنهم زورا) بعيدين عن المستجدات الحاصلة في العالم، بل كانوا منسجمين مع زمانهم وعلى درجة عالية من الانتباه لمعطيات عصرهم ومنتبهين جيدا لوسائل الاستعمار وأساليبه، ومستوعبين للآثار والمخاطر التي تشكلها تلك الوسائل الجديدة على واقع ومستقبل الشعب الجزائري، فقد سارعوا إلى تأسيس الجرائد وبناء المؤسسات الإعلامية، وامتلاك الخبرات والمهارات الكفيلة بالوصول إلى منافسة المؤسسات الإعلامية الاستعمارية الفرنسية، والتقليل من مخاطرها.
المنافسة الناضجة
عندما نتفحص الخريطة الإعلامية الجزائرية في بداية القرن العشرين، نجد أنفسنا أمام ظاهرتين هامتين تحتاجان إلى الكثير من بذل الوسع والاجتهاد لفهم طبيعتهما وإدراك أبعادهما واستيعاب ديناميكيتهما،أولهما تتمثل في التنوع الذي طبع هذه الخريطة، فالتيارات الفكرية والثقافية والسياسية الجزائرية، تفطنت إلى أهمية وسائل الإعلام وفي مقدمتها الجرائد باعتبارها وسائل الإعلام المتوفرة آنذاك، فأقدمت على امتلاكها كونها أدوات التعبير عن ذاتها والتعريف بأفكارها ومن خلالها الحصول على مكانة في الساحة، إضافة إلى كونها وسيلة من وسائل مقاومة الاستعمار الفرنسي.
وثانيهما بروز ملمح التنافس بين هذه التيارات الفكرية والاتجاهات الثقافية والتكتلات السياسية، وهو البارز في المحتوى الإعلامي الذي أنتجه كل طرف، سواء من خلال التعبير عن مواقفه السياسية أو إبراز رؤيته الفكرية، أو توضيح أسلوب عمله، وحتى مناقشة آراء ووجهات نظر غيره من الاتجاهات والتيارات، وهذه الحالة التنافسية تكاد تكون المميز الأساس والأبرز التي تميز بها النصف الأول من القرن العشرين، مما أنتج قدرا كبيرا من الثراء الفكري والمنتوج الثقافي، الكفيل بتأسيس قاعدة واسعة من الحوار والتنافس والتباين في مستويات إنجاز المنتوج الإعلامي سواء من حيث المضمون أو من ناحية الشكل.
إن الميزة التنافسية التي طبعت منهجية عمل النخب الجزائرية في مجال الممارسة الإعلامية والصناعة الاتصالية، سمحت بكم كبير من تداول الأفكار وتنوع الأساليب واختلاف الطرق في الارتقاء بالصناعة الإعلامية، بالرغم من البطش الاستعماري الفرنسي في قمع الممارسة الإعلامية الوطنية، التي كانت في أغلبها متنافسة في داخلها ومقتبسة من المنتوجات الإعلامية الفرنسية، فقد استثمرت في الطاقة التنافسية البينية والاقتباسات الخارجية، لنكتشف فيما بعد وفي سنوات قليلة تلك القفزة النوعية في الصناعة الإعلامية الجزائرية، التي شكلت ثراء متميزا وتراكما تاريخيا غنيا، وهي الحالة التي شملت كل التيارات والاتجاهات القائمة.
المحتوى النوعي
عندما نصف ما هو متوفر من هذه الجرائد، وما هو متاح من قليل الأرشيف الإعلامي الوطني لهذا الاتجاه، ونضع في الاعتبار الظروف العامة التي قامت فيها تلك الممارسة الإعلامية، نجد أنفسنا أمام أسلوب متميز يطبع تلك التجربة، والمتمثل في الثراء الواسع والمنهج النوعي الذي يميز المنتوج الإعلامي للجرائد التي أسسها شيوخ الزوايا، وهو الخطاب الذي يتناقض تماما مع ما تم الترويج له عن هذا التيار وتم تصديرها إلى الأجيال المستقبلية.
فالخطاب الإعلامي لجرائد شيوخ الزوايا، عرف بالمستوى الراقي في التعامل مع القضايا والمستجدات القائمة في بداية القرن العشرين، وفي مقدمتها موضوع الاستعمار الفرنسي، وهو الموضوع الذي عمل هذا الخطاب على تجنب مصادمته مباشرة، من أجل تجنب ردود الفعل العنيفة التي كانت تعتمده الإدارة الاستعمارية الفرنسية، ولكنه اتجه نحو الآثار والتجليات الناتجة عن الاستعمار، سواء تعلق الأمر بالسلوكات اليومية أو الأفكار والقناعات المؤسسة للسلوكات، على اعتبار أن كل المنتوج الاجتماعي والثقافي المتخلف وغير الطبيعي والمجانب للذوق السليم، هو من تداعيات الاستعمار ومن نتائجه الميدانية.
كما أنه استثمر في الثقافة المحلية واعتمد الموروث الشعبي في صناعة المحتوى الإعلامي، معتبرا أن ذلك هو الأقرب إلى تحقيق الأهداف المرجوة من الممارسة الإعلامية، وأن ذلك هو الأقرب إلى توقع ثمار الرسالة الاتصالية في مقابل المحتوى الإعلامي الذي تنتجه النخب الإعلامية الفرنسية، فالمضمون المحلي في مقابل المحتوى الاستعماري والثقافة الذاتية في مقابل السطوة الفرنسية، الراغبة في إلغاء المحلي وتدمير الذاتي، وان المحتوى الاتصالي لن يكتب له النجاح إلا إذا كان معبرا عن الذات المنتجة له، وفي الوقت نفسه منسجما مع الذات المستهلكة له.
القدر المستخلص
إن المسؤولية الأخلاقية والواجب المهني والتكليف العلمي يفرضون اليوم على النخب القيام بواجب المراجعة النقدية واتخاذ القرار التاريخي المناسب، ليس بالذهاب نحو إعادة التصنيف، وتوزيع المواقع والتحديد التعسفي للاتجاهات، وإنما القيام بتقييم شامل لمسيرة الممارسة الإعلامية وتفكيك تفاصيل اشتغالها والعمل على فهم آليات عملها، باعتبار أن هذه المسيرة الطويلة مابين (1907 إلى غاية اليوم)،تعتبر تراكما تاريخيا مكتسبا للمجموعة الوطنية برمتها، وهي الإرث الذي تظفر به الأجيال الجديدة، ليس من أجل التباهي به أو التشدق بمنجزاته، وإنما باعتباره متكأً ومستندا يمكن الاستثمار فيه، عبر اكتساب الخبرات الاتصالية وامتلاك المهارات الإعلامية التي تتناسب مع الموجة الزاحفة للتكنولوجيات الاتصالية الحديثة.
إن توقع حدوث التحول المنشود في مستوى الممارسة الإعلامية اليوم في زمن الطفرة التكنولوجية الاتصالية، لا يمكن أن يحدث إلا إذا تم التوقف عن القفز نحو المجهول، والكف عن المغامرات والتقليد الأعمى، والإعلان عن بداية عملية المراجعة الدقيقة لتاريخ قيام التجربة الإعلامية الجزائرية واكتشاف معالمها وعوامل نجاحها، باعتبار أن الطبيعة الاستعمارية الغربية ما تزال تمارس شنائعها وتبدل في أساليبها وطرق استعمارها.
